الإسراء والمعراج
١٦ فقرة، ج ٢ ص ٨٨
- ج ٢ ص ٨٨
ثم أُسْرِي بجسده وروحه إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به إلى فوق السماوات (١) إلى الله عز وجل، فخاطبه، وفرض عليه الصلوات. وكان ذلك مرةً واحدةً. هذا أصحُّ الأقوال.
-
وقيل: كان ذلك منامًا.
-
وقيل: بل يقال: أُسْري به، ولا يقال: يقظةً ولا منامًا.
-
وقيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس يقظةً، وإلى السماء منامًا.
-
وقيل: كان الإسراء مرتين مرةً يقظةً ومرةً منامًا.
-
وقيل: بل أسري به ثلاث مرات.
-
وكان ذلك بعد المبعث بالاتفاق. وأما ما وقع في حديث شريك (٢) أنَّ ذلك كان قبل أن يوحى إليه، فهذا مما عُدَّ من أغلاط شريك الثمانية وسوء (٣) حفظه لحديث الإسراء. وقيل: إن هذا كان إسراء المنام قبل الوحي. وأما
ج ٢ ص ٨٩إسراء اليقظة فبعد النبوة. وقيل: بل الوحي هاهنا مقيَّد، وليس بالوحي المطلق الذي هو (١) مبدأ النبوة، والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء، فأسري به فجأةً من غير تقدُّم إعلام. والله أعلم.
-
فأقام - صلى الله عليه وسلم - بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله تعالى، ويعرض نفسه عليهم في كلِّ موسم أن يُؤْوُوه حتى يبلِّغ رسالة ربِّه ولهم الجنة. فلم يستجب له قبيلة، وذَخَر الله ذلك كرامةً للأنصار. فلما أراد الله إظهار دينه، ونصرَ نبيِّه، وإنجاز وعده، وإعلاء كلمته، والانتقام من أعدائه= ساقه إلى الأنصار لِما أراد بهم من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم ستة، وقيل: ثمانية، وهم يحلقون رؤوسهم عند عقبة منًى في الموسم، فجلس إليهم، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ورسوله، ورجعوا إلى المدينة، فدعوا قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زُرَيق.
-
ثم قدم مكة في العام القابل اثنا عشر رجلًا من الأنصار، خمسة منهم من الستة الأولين، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء عند العقبة، ثم انصرفوا إلى المدينة.
-
فقدِم عليه في العام القابل منهم ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، وهم أهل العقبة الأخيرة، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم، ويرحل هو وأصحابه إليهم. واختار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم اثني عشر نقيبًا. وأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه في الهجرة إلى المدينة
ج ٢ ص ٩٠فخرجوا أرسالًا متسلِّلين، أولهم فيما قيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل مصعب بن عمير. فقدِموا على الأنصار في دورهم، فآووهم، ونصروهم، وفشا الإسلام بالمدينة.
-
ثم أذن الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، فخرج من مكة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول ــ وقيل في صفر ــ وله إذ ذاك ثلاث وخمسون سنةً، ومعه أبو بكر الصديق، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن الأُريقط الليثي. فدخل غار ثور هو وأبو بكر، وأقاما (١) فيه ثلاثًا. ثم أخذا على طريق الساحل.
-
فلما انتهوا إلى المدينة وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول ــ وقيل غير ذلك ــ نزل (٢) بقباء في أعلى المدينة على بني عمرو بن عوف، ونزل على كلثوم بن الهِدْم. وقيل: على سعد بن خيثمة، والأول أشهر. فأقام عندهم أربعة عشر يومًا، وأسَّس مسجد قباء.
-
ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فجمَّع بهم فيمن كان معه من المسلمين وهم مائة.
-
ثم ركب ناقته، وسار. وجعل الناس يكلِّمونه في النزول عليهم، ويأخذون بخطام (٣) الناقة، فيقول: «خلُّوا سبيلها فإنها مأمورة» (٤) .
- ج ٢ ص ٩١
فبركت عند مسجده اليوم، وكان مربدًا لسهل وسهيل غلامين من بني النجار، فنزل عنها على أبي أيوب الأنصاري. ثم بنى مسجده موضع المربد بيده هو وأصحابه بالجريد واللَّبِن، ثم بنى مساكنَه (١) ومساكن أزواجه إلى جنبه، وأقربُها إليه مسكن عائشة. ثم تحوَّل بعد سبعة أشهر من دار أبي أيوب إليها.
-
وبلغ أصحابَه بالحبشة هجرتُه إلى المدينة، فرجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا، فحُبِس منهم بمكة سبعة، وانتهى بقيتهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة. ثم هاجر بقيتهم في السفينة عام خيبر سنة سبع.