فصل في ذكر ما اختاره الله من خلقه

١٢ فقرة، ج ٢ ص ١٧

  1. السادس: أن هذه الآية مذكورة عقيب (١) قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: ٦٥ ــ ٦٨] فكما خلقهم وحده سبحانه، اختار منهم من تاب وآمن وعمل صالحًا، فكانوا صفوته من عباده، وخيرته من خلقه. وكان هذا الاختيار راجعًا إلى حكمته، وعلمه سبحانه بمن (٢) هو أهل له، لا إلى اختيار هؤلاء المشركين واقتراحهم، فسبحان الله وتعالى عما يشركون.

    ج ٢ ص ١٧
  2. فصل

    وإذا تأملت أحوال الخلق (٣) ، رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه دالًّا على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو؛ فلا شريك له يخلق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبِّر كتدبيره. فهذا الاختيارُ والتخصيصُ المشهود أثرُه في هذا العالم من أعظم آيات ربوبيته، وأكبر شواهد وحدانيته، وصفات كماله، وصدق رسله (٤) . فنشير فيه إلى شيء يسير يكون منبهًا (٥) على ما وراءه، دالًّا على ما سواه.

  3. فخلق الله السماوات سبعًا، فاختار العليا منها، فجعلها مستقرَّ المقرَّبين

    ج ٢ ص ١٨من ملائكته، واختصَّها بالقرب من كرسيه ومن عرشه، وأسكنها من شاء من خلقه. فلها مزيَّة وفضل على سائر السماوات، ولو لم يكن إلا قربها منه تبارك وتعالى. وهذا التفضيل والتخصيص مع تساوي مادة السماوات من أبين الأدلة على كمال قدرته تعالى وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء ويختار.

  4. ومن هذا: تفضيلُه جنةَ الفردوس على سائر الجنان، وتخصيصُها بأن جعل عرشه سقفها (١) . وفي بعض الآثار: إن الله سبحانه غرسها بيده واختارها لخيرته من خلقه (٢) .

  5. ومن هذا: اختياره من الملائكة المصطفَين منهم على سائرهم كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِني لِما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٣) .

  6. فذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم واصطفائهم وقربهم من الله. وكم مِن ملكٍ غيرهم في السماوات، فلم يسمِّ إلا هؤلاء

    ج ٢ ص ١٩الثلاثة. فجبريل: صاحب الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل: صاحب القَطْر الذي به حياة الأرض والحيوان والنبات، وإسرافيل: صاحب الصور الذي إذا نفخ فيه أحيت نفختُه بإذن الله الأمواتَ وأخرجتهم من قبورهم.

  7. وكذلك اختياره سبحانه الأنبياءَ من ولد آدم وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، واختياره الرسل منهم وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، على ما في حديث أبي ذر الذي رواه أحمد وابن حبان في «صحيحه» (١) ؛ واختياره أولي العزم منهم، وهم الخمسة (٢) المذكورون في سورتي (٣) الأحزاب والشورى في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: ٧] . وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: ١٣] . واختار منهم الخليلين إبراهيم ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم.

  8. ومن هذا: اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس بني آدم. ثم اختار منهم بني كنانة بن خزيمة، ثم اختار من ولد كنانة قريشًا، ثم اختار من قريش

    ج ٢ ص ٢٠بني هاشم، ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - (١) .

  9. وكذلك اختار أصحابَه من جملة العالمين، واختار منهم السابقين الأولين، واختار منهم أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان. واختار لهم من الدين أكمله، ومن الشرائع أفضلها، ومن الأخلاق أزكاها (٢) وأطهرها.

  10. واختار أمته - صلى الله عليه وسلم - على سائر الأمم، كما في «مسند الإمام أحمد» وغيره (٣) من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حَيدة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنتم توفون (٤) سبعين أمةً أنتم خيرها وأكرمها على الله». قال علي بن المديني وأحمد: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح (٥) .

  11. وظهر أثر هذا الاختيار في أعمالهم، وأخلاقهم، وتوحيدهم، ومنازلهم في الجنة، ومقامهم في الموقف؛ فإنهم أعلى من الناس على تَلٍّ فوقهم

    ج ٢ ص ٢١يشرفون عليهم (١) . وفي الترمذي (٢) من حديث بُرَيدة بن الحُصَيب الأسلمي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. والذي في «الصحيح» (٣) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث بعث النار: «والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة» ، ولم يزد على ذلك. فإما أن يقال: هذا أصح، وإما أن يقال: النبيُّ (٤) - صلى الله عليه وسلم - طمع هو (٥) أن تكون أمته شطر أهل الجنة، فأعلمه ربه تعالى أنهم ثمانون صفًّا من مائة وعشرين، فلا تنافي بين الحديثين، والله أعلم.

  12. ومن تفضيل الله سبحانه لأمته واختياره لها أنه وهبها من العلم والحلم ما لم يهبه لأمة سواها. وفي «مسند البزار» (٦) وغيره من حديث أبي الدرداء