فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في السلام على أهل الكتاب

٦ فقرات، ج ٣ ص ٤٩٦

  1. وما ذكره من أمر الواو ليس بمشكلٍ، فإنَّ «السَّام» الأكثرون على أنَّه الموت، والمسلِّم والمسلَّم عليه مشتركون فيه، فيكون في الإتيان بالواو بيانٌ (١) لعدم الاختصاص وإثباتِ المشاركة، وفي حذفها إشعارٌ بأنَّ المسلِّم أحقُّ به وأولى من المسلَّم عليه، وعلى هذا فيكون الإتيان بالواو هو الصَّواب، أو هو أحسن من حذفها، كما رواه مالك وغيره.

    ج ٣ ص ٤٩٦
  2. ولكن قد فُسِّر «السَّام» بالسَّآمة، وهي الملالة وسآمة الدِّين، قالوا: وعلى هذا فالوجه حذف الواو ولا بدَّ، ولكنَّ هذا خلاف المعروف من هذه اللَّفظة في اللُّغة؛ ولهذا في الحديث: «الحبَّة السَّوداء شِفاءٌ من كلِّ داءٍ إلا السَّام» (٢) ، ولا يختلفون أنَّه الموت.

  3. وقد ذهب بعض المتحذلقين إلى أنَّه يردُّ عليهم: «السِّلام عليكم» بكسر السِّين، وهي الحجارة، جمعُ سَلِمَةٍ (٣) . ورَدُّ هذا الردِّ متعيِّنٌ.

  4. فصل

    في هديه في السلام على أهل الكتاب

    صحَّ عنه أنَّه قال: «لا تَبدؤوهم بالسَّلام، وإذا لقيتموهم في الطَّريق (٤) فاضطرُّوهم إلى أضيق الطَّريق» (٥) . لكن قد قيل: إنَّ هذا كان في قضيَّةٍ خاصَّةٍ

    ج ٣ ص ٤٩٧لمَّا ساروا إلى بني قُريظة قال: «لا تبدؤوهم بالسَّلام» ، فهل هذا حكمٌ عامٌّ لأهل الذمَّة مطلقًا، أو يختصُّ بمن كانت حاله كحال أولئك؟ هذا موضع نظرٍ، ولكن قد روى مسلم في «صحيحه» (١) من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبدؤوا اليهود والنَّصارى بالسَّلام، وإذا لقيتم أحدَهم في الطَّريق فاضطرُّوه إلى أضيقِه» ، والظَّاهر أنَّ هذا حكمٌ عامٌّ.

  5. وقد اختلف السَّلف والخلف في ذلك (٢) ، فقال أكثرهم: لا يُبْدَؤون (٣) بالسَّلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يردُّ عليهم، رُوي ذلك عن ابن عبَّاسٍ وأبي أمامة وابن مُحَيرِيز (٤) ، وهو وجهٌ في مذهب الشَّافعيِّ. لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السَّلام عليك فقط بدون ذكر الرَّحمة، وبلفظ الإفراد. وقالت طائفةٌ: يجوز الابتداء لمصلحةٍ راجحةٍ من حاجةٍ تكون له إليه، أو خوفٍ من أذاه، أو لقرابةٍ بينهما، أو لسببٍ يقتضي ذلك، يُروى ذلك عن إبراهيم النَّخعيِّ وعلقمة. وقال الأوزاعيُّ: إن سلَّمتَ فقد سلَّم الصَّالحون، وإن تركتَ فقد ترك الصَّالحون.

  6. واختلفوا في وجوب (٥) الردِّ عليهم، فالجمهور على وجوبه، وهو