فصل: هجرة المؤمنين الأولى إلى الحبشة عند اشتداد أذى المشركين

١١ فقرة، ج ٤ ص ٢٧

  1. فيمر به ورقة بن نوفل فيقول: إي والله يا بلال! أحدٌ أحدٌ، أما والله لئن قتلتموه لأتخذنَّه حنانًا (١) .

    ج ٤ ص ٢٧
  2. فصل

    ولما اشتد أذى المشركين على من آمن، وفُتِن منهم (٢) من فتن حتى يقولوا لأحدهم: اللَّات (٣) إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجُعَل ليمرُّ بهم فيقولون: وهذا إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم (٤) .

  3. ومرَّ عدوُّ الله أبو جهل بسُميَّةَ أمِّ عمار بن ياسر ــ وهي تُعذَّب وزوجَها وابنَها ــ فطعنها بحربةٍ في فرجها فقتلها (٥) .

  4. وكان الصدِّيقُ إذا مرَّ بأحدٍ من العبيد يعذَّب اشتراه منهم وأعتقه، منهم: بلال، وعامر بن فُهَيرة، وأم عُبَيس، وزِنِّيرة، والنَّهْدية، وابنتها، وجاريةٌ لبني عدي (٦) كان عمر يُعذِّبها على الإسلام قبل إسلامه. وقال له أبوه: يا بُنيَّ أراك

    ج ٤ ص ٢٨تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك أعتقت قومًا جُلُدًا يمنعونك، فقال له أبو بكر: «إني أريد ما أريد» (١) .

  5. فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم في الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة. وكان أولُ من هاجر إليها عثمانَ بن عفان، ومعه زوجتُه رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا وأربعَ نسوة: عثمان وامرأته، وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة، والزبير، [ومصعب بن عمير] (٢) ، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود (٣) .

  6. خرجوا متسلِّلين سرًّا فوفَّق الله لهم ساعةَ وصولهم إلى الساحل سفينتَين للتجَّار فحملوهم فيها (٤) إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجبٍ من (٥) السنة الخامسة من المبعث. وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا.

  7. ثم بلغهم أن قريشًا قد كفُّوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرجعوا، فلما كانوا دون مكة بساعةٍ من نهار بلغهم أن قريشًا أشدُّ ما كانوا عداوةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدخل من دخل منهم بجوارٍ. وفي تلك المرة دخل ابنُ مسعودٍ فسلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة فلم يردَّ عليه (١) ، فتعاظم ذلك على ابن مسعود حتى قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قد أحدث مِن أمره أن لا تَكلَّموا في الصلاة» (٢) .

    ج ٤ ص ٢٩
  8. هذا هو الصواب، وزعم ابنُ سعد (٣) وجماعة أن ابن مسعود لم يدخل، وأنه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة الثانية إلى المدينة مع من قدم. ورُدَّ هذا بأن ابن مسعود شهد بدرًا وأَجْهَزَ على أبي جهل (٤) ، وأصحابُ هذه الهجرة إنما قدموا المدينة مع جعفرٍ وأصحابه بعد بدر بأربعِ سنين أو خمسٍ (٥) .

    قالوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قولَ زيد بن أرقم: «كنا نقوم في الصلاة فيكلِّم الرجلُ جليسَه حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] ، فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام» (٦) . وزيد بن أرقم من

    ج ٤ ص ٣٠الأنصار والسورة مدنية، وحينئذٍ فابنُ مسعود سلَّم عليه لما قدم وهو في الصلاة فلم يردَّ عليه حتى سلَّم (١) وأعلمه بتحريم الكلام، فاتفق حديثه وحديث زيد بن أرقم.

  9. قيل: يُبطل هذا شهودُ ابن مسعود بدرًا، وأهل الهجرة الثانية إنما قَدِموا عام خيبر مع جعفر وأصحابه، ولو كان ابن مسعود ممن قدم قبل ذلك (٢) لكان لقدومه ذِكر، ولم يَذكر أحد قدومَ مهاجري الحبشة إلا في القَدْمة الأولى بمكة والثانيةِ عامَ خيبر مع جعفر، فمتى قدم ابنُ مسعود في غير هاتين المرّتين (٣) ؟

  10. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق، قال (٤) : وبلغ أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلامُ أهل مكة فأقبلوا، فلمَّا بلغهم أن إسلام أهل مكة كان باطلًا لم يدخل أحد منهم (٥) إلا بجوار أو مستخفيًا. وكان ممن قدم منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد بدرًا وأُحُدًا ... فذكر منهم عبد الله بن مسعود.

  11. فإن قيل: فما تصنعون بحديث زيد بن أرقم؟ قيل: قد أجيب عنه بجوابين: