فصل: مروره - صلى الله عليه وسلم - بخيمتي أم معبد الخزاعية
٤ فقرات، ج ٤ ص ٦٨
- ج ٤ ص ٦٨
ثم مرّ في مسيره ذلك حتى نزل (١) بخيمتَي أمِّ معبد الخزاعية، وكانت امرأةً برزةً جلدةً تحتبي بفناء الخيمة ثم تُطعم وتَسقي من مرَّ بها، فسألاها هل عندها شيء؟ فقالت: واللهِ لو كان عندنا شيء ما أَعْوَزَكم القِرَى، والشاء عازب ــ وكانت سنةً شَهباء (٢) ــ، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شاةٍ في كسر الخيمة، فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» قالت: شاة خلَّفها الجهد عن الغنم، فقال: «هل بها من لبن؟» قالت: هي أجهد من ذلك، قال: «أتأذنين لي أن أحلُبها؟» قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حَلَبًا فاحلُبْها، فمسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ضرعها وسمَّى الله ودعا فتفاجَّت عليه ودَرَّت، فدعا بإناءٍ لها يُرْبِض الرَّهط (٣) ، فحلب فيه حتى علته الرَّغوة، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابَه حتى رووا ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها وارتحلوا.
-
فقلَّما لبثت أن جاء زوجُها أبو معبد يسوق أعنُزًا عِجافًا يتساوكن هزلًا، فلما رأى اللبن عَجِب وقال: من أين لك هذا والشاءُ عازب، ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنه مرَّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كَيت وكَيت، من حاله كذا وكذا، قال: والله إني لأراه صاحبَ قريشٍ الذي تطلبه، صِفِيه لي يا أم معبد، قالت: ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم
ج ٤ ص ٦٩تَعِبْه ثُجْلة، ولم تُزْرِ به صَعْلة (١) ، وسيم قسيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَحَل (٢) ، وفي عنقه سطع، أَحْوَرُ أكحل، أزجُّ أقرن (٣) ، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه مِن بعيد، وأحسنه وأحلاه مِن قريب، حُلْوُ المنطق فصلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذْر، كأنّ مَنطِقَه خَرَزات نظمٍ يتحدَّرن، رَبْعة لا تقتحمه عينٌ مِن قصر ولا تَشنَؤُه من طول؛ غُصْن بين غصنين، فهو أنضر (٤) الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفُّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود (٥) ،
لا عابس ولا مُفْنِد (٦) . فقال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكِر من أمره ما ذُكِر، ولقد هممتُ أن أصحَبَه، ولأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلًا.
- وأصبح صوتٌ بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل:
-
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقَين حلَّا خيمتي أمِّ مَعبدِ
هما نزلا بالبِرِّ وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيقَ محمدِ
فيا لَقُصَيٍّ ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تُجازى وسُؤدَدِ
ليَهْنِ بني كعب مكانُ فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمَرصَدِ
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاةَ تشهد (١)
قالت أسماء: ما درينا أين توجَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذْ أقبل رجل من الجنِّ من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه يسمعون (٢) صوته وما يرونه حتى خرج من أعلاها، قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن وَجْهَه إلى المدينة (٣) .