فصل: تحويل القبلة

١٥ فقرة، ج ٤ ص ٧٩

  1. وهذه الأخوة في الإسلام وإن كانت عامةً كما قال: «وددت أنَّا قد رأينا إخواننا» ، قالوا: ألسنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يَرَوني» (١) = فلِلصِّديق من هذه الأخوة أعلى مراتبها، كما له من الصحبة أعلى مراتبها، فالصحابة لهم الأخوة ومزيَّةُ الصحبة، ولأتباعه بعدَهم الأخوة دون الصحبة.

    ج ٤ ص ٧٩
  2. فصل

    ووادع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَن بالمدينة من اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا (٢) ، وبادَرَ حَبْرُهم وعالمُهم عبد الله بن سلام فدخل في الإسلام، وأبى عامتُهم إلا الكفر (٣) .

  3. وكانوا ثلاث قبائل: بنو قَينُقاع، وبنو النَّضِير، وبنو قُريظة؛ وحاربتْه الثلاثة، فمنَّ على بني قينقاع، وأجلى بني النضير، وقَتل بني قريظة وسبى ذريتهم، ونزلت سورة الحشر في بني النضير، وسورةُ الأحزاب في بني قريظة.

  4. فصل

    وكان يصلي إلى قبلة بيت المقدس ويحبُّ أن يُصْرَف إلى الكعبة، وقال لجبريل: «وددتُ أن الله صرف وجهي عن قبلة اليهود» ، فقال: إنما أنا عبد، فادعُ ربك وسَلْه؛ فجعل يُقلِّب وجهَه في السماء يرجو ذلك، حتى أنزل الله

    ج ٤ ص ٨٠عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٤٤] (١) . وذلك بعد ستة عشر شهرًا من مقدمه المدينةَ، قبلَ وقعةِ بدرٍ بشهرين (٢) .

    قال محمد بن سعد (٣) : أخبرنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: «ما خالف نبيٌّ نبيًّا قطُّ في قبلةٍ ولا في سُنَّة، إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة ستة عشر شهرًا» ، ثم قرأ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا} الآية [الشورى: ١٣] .

  5. وكان في جَعْل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلِها إلى الكعبة حِكَمٌ عظيمة، ومحنةٌ للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين.

  6. فأما المسلمون فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرةً عليهم.

  7. وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا لأنها الحق.

  8. وأما اليهود فقالوا: خالف قبلةَ الأنبياء قبله، ولو كان نبيًّا لكان يصلي إلى قِبلة الأنبياء.

    ج ٤ ص ٨١
  9. وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجَّه؛ إن كانت القبلة الأولى حقًّا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحقَّ فقد كان على باطل. وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت ــ كما قال الله ــ كبيرةً إلا على الذين هدى الله، وكانت محنةً من الله امتحن بها عبادَه ليرى من يتَّبع الرسولَ منهم ممن ينقلب على عقبَيه.

  10. ولمّا كان أمرُ القبلة وشأنُها عظيمًا وطَّأَ سبحانه قبلها أمرَ النسخ وقُدرتَه عليه، وأنه يأتي بخيرٍ من المنسوخ أو مثلِه (١) ، ثم عقَّب ذلك بالتوبيخ لمن تَعَنَّت رسولَه ولم يَنْقَدْ له، ثم ذكر بعده اختلافَ اليهود والنصارى وشهادةَ بعضهم على بعضٍ بأنهم ليسوا على شيء، وحذَّر عبادَه من موافقتهم واتِّباع أهوائهم، ثم ذكر كفرَهم وشركَهم به وقولَهم: إن له ولدًا، سبحانه وتعالى عما يقولون.

  11. ثم أخبر أن له المشرق والمغرب وأينما يولي عبادُه وجوهَهم فثَمَّ وجهُه، وهو الواسع العليم، فلِعَظَمته وسعته وإحاطته أينما توجَّه العبدُ فثَمَّ وجه الله.

  12. ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه ولا

    ج ٤ ص ٨٢يصدِّقونه، ثم أعلمه أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يَرْضَوا عنه حتى يتبع ملَّتَهم، وأنه إن فعل ــ وقد أعاذه الله من ذلك ــ فما له من الله من ولي ولا نصير.

  13. ثم ذكَّر أهلَ الكتاب بنعمته عليهم، وخوَّفهم من بأسه يومَ لقائِه.

  14. ثم ذكَر خليلَه بانيَ بيتهِ الحرام وأثنى عليه ومدحه، وأخبر أنه جعله إمامًا للناس يأتمُّ به أهل الأرض، ثم ذكر بيتَه الحرام وبناءَ خليله له، وفي ضمن هذا أن بانيَ البيتِ كما هو إمام الناس فكذا (١) البيت الذي بناه إمام لهم، ثم أخبر أنه لا يرغب عن ملَّة هذا الإمام إلا أسفهُ الناس، ثم أمر عباده أن يأتمُّوا به، ويؤمنوا بما أنزل إليهم وإلى إبراهيم وإلى سائر النبيين، ثم رد على من قال: إن إبراهيم وأهل بيته كانوا يهودًا أو نصارى؛ وجعل هذا كله توطئةً ومقدِّماتٍ بين يدي تحويل القبلة، ومع هذا كلِّه فكَبُر ذلك على الناس إلا من هدى الله منهم.

  15. وأكَّد سبحانه هذا الأمر مرةً بعد مرة بعد ثالثة، وأمر به حيث ما كان رسولُه ومن حيث خرج، وأخبر أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هداهم إلى هذه القبلة، وأنها هي القبلة التي تليق بهم وهم أهلها، لأنها أوسطُ القِبَل وأفضلُها، وهم أوسط الأمم وخيارهم، فاختار أفضل القِبَل لأفضل الأمم، كما اختار لهم أفضلَ الرُّسُل وأفضلَ الكتب، وأخرجهم في خير القرون، وخصَّهم بأفضل الشرائع، ومَنَحهم خيرَ الأخلاق وأسكنهم خيرَ الأرض، وجعل منازلَهم في الجنة خيرَ المنازل، ومَوقِفَهم في القيامة خير