فصل: فرض القتال، ووجوب الجهاد بالمال
٨ فقرات، ج ٤ ص ٨٦
- ج ٤ ص ٨٦
مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لمّا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر: أخرَجُوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون، ليَهْلِكُنَّ؛ فأنزل الله عز وجل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: ٣٩] ، وهي أول آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط «الصحيحين» .
-
وسياق السورة يدل على أن فيها المكيَّ والمدنيَّ، فإن قصة إلقاء الشيطان في أُمنيَّةِ الرسول مكية، والله أعلم.
-
فصل
ثم فَرَض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: ١٩٠] .
-
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافَّةً؛ وكان محرَّمًا، ثم مأذونًا فيه، ثم مأمورًا به لمن بدأهم (١) بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين، إما فرض عينٍ على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور.
-
والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين: إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد؛ فعلى كل مسلم أن يُجاهِد بنوعٍ من هذه الأنواع.
-
وأما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: ٤١] .
- ج ٤ ص ٨٧
وعلَّق النجاةَ من النار (١) به ومغفرةَ الذنب ودخولَ الجنة فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: ١٠ - ١٢] . وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح القريب فقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا} أي: ولكم خصلة أخرى تحبونها في الجهاد، وهي: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [الصف: ١٣] .
-
وأخبر سبحانه أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وأعاضهم (٢) عليها (٣) الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضلَ كتبه المنزلةِ من السماء، وهي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكّد ذلك بإعلامهم (٤) أنه لا أحدَ أوفى بعهده منه تبارك وتعالى (٥) ، ثم أكد ذلك بأنْ أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن (٦) ذلك هو الفوز العظيم (٧) .