فصل: تقرير أن مكة فتحت عنوة
١٥ فقرة، ج ٤ ص ١٤١
- ج ٤ ص ١٤١
ومما يدل على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم نصف أرض خيبر خاصَّةً، ولو كان حكمها حكمَ الغنيمة لقسمها كلَّها بعد الخمس؛ ففي «السنن» و «المسند» (١) : «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا ظهر على خيبر قسمها على ستةٍ وثلاثين سهمًا، جمع كلُّ سهمٍ مائةَ سهمٍ، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين النصفُ من ذلك، وعزل النصف الباقي (٢) لمن نزل (٣) به من الوفود والأمور ونوائب الناس». هذا لفظ أبي داود.
-
وفي لفظ (٤) : «عزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر سهمًا ــ وهو الشطر ــ لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك: الوَطِيح، والكتيبة، والسلالم، وتوابعها» .
-
وفي لفظ له أيضًا (٥) : «فعزل نصفَها لنوائبه وما نزل به: الوطيحة والكتيبة وما أُحِيز معها، وعَزَل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين: الشق والنطاة وما أُحِيز معها، وكان سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أُحِيز معها» .
- فصل
- والذي يدل على أن مكة فتحت عنوةً وجوه:
- ج ٤ ص ١٤٢
أحدها: أنه لم يَنقل أحد قط أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح أهلها زمن الفتح. ولا جاءه أحدٌ منهم صالحه على البلد، وإنما جاءه أبو سفيان، فأعطاه الأمان لمن دخل داره أو دخل المسجد أو ألقى سلاحَه.
-
ولو كانت قد فتحت صلحًا لم يقل: من دخل داره أو أغلق بابه أو دخل المسجد فهو آمِن، فإن الصلح يقتضي الأمان العام.
-
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله حبس عن مكةَ الفيلَ وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي فيها ساعةً من نهار» (١) .
-
وفي لفظ: «إنها لم (٢) تَحِلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار» (٣) .
-
وفي لفظ: «فإنْ أحدٌ ترخَّص لِقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعةً من نهار، وقد عادت (٤) حرمتُها اليوم كحرمتها بالأمس» (٥) .
-
وهذا صريح في أنها فتحت عنوةً.
- ج ٤ ص ١٤٣
وأيضًا: فإنه ثبت في «الصحيح» (١) : أنه جعل يوم الفتح خالدَ بن الوليد على المُجنِّبة اليمنى، وجعل الزبير على المُجنِّبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذِقة (٢) وبطن الوادي فقال: «يا أبا هريرة ادعُ لي الأنصار» ، فجاءوا يُهَروِلون فقال: «يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش؟» قالوا: نعم، قال: «انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تَحصُدوهم حَصْدًا» وأَحْفَى (٣) بيده ووضع يمينه على شماله، وقال: «موعدكم الصفا» ، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحدٌ إلا أناموه (٤) ، وصَعِد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفا وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراءُ قريش، لا قريش بعد اليوم! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» .
-
وأيضًا: فإن أم هانئ أجارت رجلًا فأراد علي بن أبي طالب قتله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قد أجرنا من أَجَرْتِ يا أم هانئ» (٥) . وفي لفظ عنها: لمّا كان يوم
ج ٤ ص ١٤٤فتح مكة أجرتُ رجلين من أحمائي، فأدخلتهما بيتًا وأغلقت عليهما بابًا، فجاء ابنُ أمِّي عليٌّ فتفلَّت (١) عليهما بالسيف، فذكرتْ حديثَ الأمان وقولَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قد أجرنا من أَجَرْتِ يا أمَّ هانئ» (٢) . وذلك ضحًى بجوف مكة بعد الفتح؛ فإجارتُها له، وإرادةُ عليٍّ قتلَه، وتنفيذُ (٣) النبي - صلى الله عليه وسلم - إجارتَها صريح في كونها فُتحت عنوةً.
-
وأيضًا: فإنه أمر بقتل مِقْيَس بن صُبابة، وابن خَطَل، وجاريتين (٤) ؛ ولو كانت فتحت صلحًا لم يأمر بقتل أحدٍ من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنًى في عقد الصلح.
-
وأيضًا: ففي «السنن» (٥) بإسناد صحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان يوم فتح مكة قال: «أَمِن الناسُ (٦) إلا أربعةَ نفرٍ وامرأتين؛ اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة».