فصل: مصالحة أكيدر دومة وأهل نجران وأهل اليمن على الجزية
١٢ فقرة، ج ٤ ص ١٨١
- ج ٤ ص ١٨١
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لقريش: «هل لكم في كلمةٍ (١) تَدِين لكم بها العربُ وتؤدي العجمُ إليكم الجزية؟»، قالوا: وما هي؟ قال: «لا إله إلا الله» (٢) .
-
فصل
ولما كان في مرجعه من تبوك أخذت خيلُه أُكَيدِرَ دومةَ (٣) فصالحه على الجزية وحقن له دمه.
-
وصالح أهلَ نجران من النصارى على أَلفَي حُلَّة ــ النصف في صَفَر والبقية في رجب ــ يؤدونها إلى المسلمين، وعاريةِ ثلاثين درعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها ــ والمسلمون ضامنون لها حتى يردُّوها عليهم ــ إن كان باليمن كيدٌ أو غَدْرة؛ على أن لا تُهدَم لهم بِيعة، ولا يُخرَج لهم قَسٌّ، ولا يفتنوا عن دينهم؛ ما لم يُحدِثُوا حدثًا أو يأكلوا الربا (٤) .
- ج ٤ ص ١٨٢
وفي هذا دليل على انتقاض عهد أهل الذمة بإحداث الحدث، وأكل الربا إذا كان مشروطًا عليهم.
-
ولما وجَّه معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل محتلمٍ دينارًا أو قيمته من المَعافِر، وهي ثياب تكون باليمن (١) .
-
وفي هذا دليل على أن الجزية غيرُ مقدَّرةِ الجنس ولا القدرِ، بل يجوز أن تكون ذهبًا وثيابًا وحُلَلًا، وتزيد وتنقص بحسب حاجة المسلمين واحتمالِ من تؤخذ منه وحاله في المَيْسرة (٢) وما عنده من المال.
-
ولم يفرق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم، بل أخذها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من نصارى العرب، وأخذها من مجوس هَجَر وكانوا عربًا؛ فإن العرب أمة ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل طائفة تدين بدين من جاورها من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوسًا لمجاورتها فارس، وتَنُوخ وبَهْراء (٣) وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم للروم، وكانت قبائل من
ج ٤ ص ١٨٣اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن؛ فأجرى النبي - صلى الله عليه وسلم - أحكامَ الجزية ولم يعتبر آباءَهم، ولا متى (١) دخلوا في دين أهل الكتاب: هل كان دخولهم قبل النسخ والتبديل أو بعده؟ ومن أين يُعرَف ذلك؟! وكيف ينضبط؟ وما الذي دل عليه؟ وقد ثبت في السير والمغازي (٢) أن من الأنصار مَن تهوَّد أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراهَهم على الإسلام فأنزل الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: ٢٥٦] .
-
وفي قوله لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارًا» دليل على أنها لا تؤخذ من صبي ولا امرأة.
-
فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه عبد الرزاق في «مصنفه» وأبو عبيد في «الأموال» (٣)
-
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذ بن جبل أن يأخذ من
ج ٤ ص ١٨٤اليمن (١) الجزيةَ من كل حالمٍ أو حالمةٍ ــ زاد أبو عبيد: عبدًا أو أمةً ــ دينارًا أو قيمته مَعافري؟ فهذا فيه أخذها من الرجل والمرأة والحر والرقيق.
-
قيل: هذا لا يصح وصلُه وهو منقطع، وهذه الزيادة مختلَف فيها، لم يذكرها سائر الرواة، ولعلها من تفسير بعض الرواة. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢) وغيرهم هذا الحديث فاقتصروا على قوله: «أمره أن يأخذ من كلِّ حالمٍ دينارًا» ، ولم يذكروا هذه الزيادة.
-
وأكثر من أخذ منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الجزيةَ العربُ من النصارى واليهود والمجوس، ولم يكشف عن أحدٍ منهم: متى دخل في دينه؟ وكان يعتبرهم بأديانهم لا بآبائهم.