فصل في ملابسه
٥٧ فقرة، ج ٢ ص ١٣٢
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ١٣٢
وكانت له مائة شاة. لا يريد (١) أن تزيد، كلَّما ولَّد الراعي بَهْمةً ذبح (٢) مكانها شاةً.
-
وكانت له سبعُ أعنُز منائح ترعاهن أمُّ أيمن.
-
فصل
في ملابسه - صلى الله عليه وسلم -
كانت له عِمامة تسمى: السَّحاب، كساها عليًّا. وكان يلبسها تحت القلنسوة (٣) . وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة.
-
وكان إذا اعتمَّ أرخى عمامته بين كتفيه، كما روى مسلم في «صحيحه» (٤)
- ج ٢ ص ١٣٣
عن عمرو بن حُريث قال: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه.
-
وفي مسلم (١) أيضًا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة وعليه عمامة سوداء.
-
ولم يذكر في حديث جابر: ذؤابةً، فدلَّ على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه. وقد يقال: إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة وعليه أُهبة القتال، والمِغفَرُ على رأسه (٢) ، فلبِس في كلِّ موطن ما يناسبه (٣) .
-
وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدَّس الله روحه يذكر في سبب الذؤابة شيئًا بديعًا، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه بالمدينة لما رأى ربَّ العزة تبارك وتعالى، «فقال: يا محمد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. فوضع يده بين كتفيَّ، فعلمتُ ما بين السماء
ج ٢ ص ١٣٤والأرض ... » الحديث، وهو في الترمذي (١) ، وسأل (٢) عنه البخاريَّ فقال: صحيح. قال: فمن تلك الغداة أرخى الذؤابة بين كتفيه - صلى الله عليه وسلم -. وهذا من العلم الذي تنكره ألسنةُ الجهَّال وقلوبُهم. ولم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره.
-
ولبس القميص, وكان أحبَّ الثياب إليه، وكان كمُّه إلى الرُّسْغ.
-
ولبِس الجُبَّةَ, والفَرُّوجَ وهو شبه القَباء (٣) ، والفَرَجيَّةَ [*] (٤) ، ولبِس القَباء أيضًا. ولبِس في السفر جبّةً ضيقة الكمَّين.
-
ولبِس الإزار والرداء. قال الواقدي (٥) : كان رداؤه بُرْدةً طول ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عُمَان طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر.
-
ولبِس حُلَّةً حمراء. والحُلَّة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلَّة إلا اسمًا للثوبين معًا. وغلِط من ظنَّ أنها كانت حمراء بحتًا لا يخالطها غيرها، وإنما الحُلَّة الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حُمْر مع الأسود، كسائر
ج ٢ ص ١٣٥البرود اليمنية. وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحُمْر، وإلا فالأحمر البحت منهيٌّ عنه أشدَّ النهي، ففي «صحيح البخاري» (١) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المَيَاثر (٢) الحُمْر.
-
وفي «سنن أبي داود» (٣) عن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى عليه رَيطةً (٤) مضرَّجةً بالعُصْفُر فقال: «ما هذه الريطة عليك؟» . قال: فعرفتُ ما كره، فأتيتُ أهلي وهم يسجُرون تنُّورًا لهم، فقذفتُها فيها (٥) . ثم أتيته من الغد فقال: «يا عبد الله ما فعلتِ الرَّيطة؟» ، فأخبرته، فقال: «هلَّا كسوتَها بعضَ أهلك، فإنه لا بأس بها للنساء» .
-
وفي «صحيح مسلم» (٦) عنه أيضًا، قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين، فقال: «إنَّ هذه من لباس الكفار، فلا تلبسها» .
-
وفي «صحيحه» (٧) أيضًا عن علي - رضي الله عنه - قال: نهاني النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن لباس
ج ٢ ص ١٣٦المُعَصْفَر. ومعلوم أن ذلك إنما يُصبَغ صِباغًا أحمر.
-
وفي بعض «السنن» أنهم كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فرأى على رواحلهم أكسيةً فيها خيوطُ عِهنٍ حُمْرٌ (١) ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أرى هذه الحمرةَ قد عَلَتْكم» . فقمنا سراعًا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نفَر بعضُ إبلنا، فأخذنا الأكسيةَ، فنزعناها عنها. رواه أبو داود (٢) .
-
وفي جواز لُبْس الأحمر من الثياب والجُوخ (٣) وغيرها نظرٌ. وأما كراهته، فشديدة جدًّا، فكيف يُظَنُّ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لبس الأحمر القانئ؟ كلَّا، لقد أعاذه الله منه. وإنما وقعت الشبهة من لفظ «الحُلَّة الحمراء» (٤) ، والله أعلم.
-
ولبِس الخَميصة (٥) المُعْلَمة والساذجة. ولبِس ثوبًا (٦) أسود.
-
ولبِس الفروة المكفوفة بالسُّندُس. فروى (٧) الإمام أحمد وأبو داود (٨)
- ج ٢ ص ١٣٧
بإسنادهما عن أنس بن مالك أن ملِك الروم أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَقَةً من سُندس، فلبِسَها. قال: فكأنِّي أنظر إلى يديه تَذَبْذَبان.
قال الأصمعي: المساتق: فِراءٌ (١) طوال الأكمام. قال الخطَّابي (٢) : يشبه أن تكون هذه المُسْتقة مكفوفةً (٣) بالسندس، لأن الفروة لا تكون سندسًا.
-
فصل (٤)
-
واشترى - صلى الله عليه وسلم - سراويل، والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها. وقد روي في غير حديث أنه لبِس السراويل (٥) ، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه.
- ج ٢ ص ١٣٨
ولبس الخفَّين، ولبس النعل الذي يسمَّى: التاسُومة (١) .
-
ولبس الخاتم، واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يسراه (٢) ، وكلُّها صحيحة السند (٣) .
-
ولبس البيضة التي تسمَّى: الخُوذة. ولبس الدِّرع الذي يُسمَّى (٤) : الزَّرْديَّة، وظاهَرَ يوم أحد بين درعين.
-
وفي «صحيح مسلم» (٥) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: هذه جُبَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأخرجَتْ جبَّةَ طيالِسةٍ خُسْرَوانيَّةٍ (٦) ، لها لِبْنةُ ديباج، وفَرْجاها مكفوفان
ج ٢ ص ١٣٩بالديباج، فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قُبضت، فلما قُبِضت قبضتُها. وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يُسْتشفَى بها.
-
وكان له - صلى الله عليه وسلم - بُردان أخضران، وكساء أسود، وكساء أحمر ملبَّد، وكساء من شَعْر.
-
وكان قميصه من قطن، وكان قصيرَ الطول قصيرَ الكُمِّ، وأما هذه الأكمام الواسعة الطِّوال التي هي كالأخراج (١) ، فلم يلبَسها هو ولا أحدٌ من أصحابه البتة. وهي مخالفة لسنَّته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء (٢) .
-
وكان أحبَّ الثياب إليه القميصُ، والحِبرَةُ وهي ضرب من البرود فيه حمرة.
-
وكان أحبَّ الألوان إليه البياض، وقال: «هي من خير ثيابكم، فالبسوها وكفِّنوا فيها موتاكم» (٣) . وفي «الصحيح» (٤) عن عائشة أنها أخرجت كساءً
ج ٢ ص ١٤٠ملبَّدًا وإزارًا غليظًا، فقالت: نُزِعَ روحُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذين.
-
ولبس خاتمًا من ذهب، ثم رمى به، ونهى عن التختُّم بالذهب. ثم اتخذ خاتمًا من فضة، ولم ينهَ عنه (١) .
-
وأما حديث أبي داود (٢) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أشياء، وذكر منها: «ونهى عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان» ، فلا أدري ما حال الحديث، ولا وجهه، فالله أعلم.
-
وكان يجعل فصَّ خاتمه مما يلي باطن كفِّه.
-
وذكر الترمذي (٣) أنه كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه، وصحَّحه. وأنكره أبو داود (٤) .
- ج ٢ ص ١٤١
وأما الطَّيلَسان، فلم يُنقَل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه لبسه ولا أحد من أصحابه. بل قد ثبت في «صحيح مسلم» (١) من حديث النوَّاس بن سَمعان (٢) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الدجال فقال: «يخرج معه سبعون ألفًا من يهود أصبهان، عليهم الطيالسة» . ورأى أنس جماعةً عليهم الطيالسة، فقال: ما أشبَهَهم بيهود خيبر (٣) !
-
ومن هاهنا كره لبسَها جماعةٌ من السلف والخلف، لما روى أبو داود والحاكم في «المستدرك» (٤) عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن تَشبَّه بقوم فهو منهم» . وفي الترمذي (٥) عنه - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منَّا مَن تَشبَّه بغيرنا» .
- ج ٢ ص ١٤٢
وأما ما جاء في حديث الهجرة (١) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى أبي بكر متقنِّعًا بالهاجرة، فإنما فعله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - تلك الساعة ليختفي بذلك، ففعَله للحاجة.
-
ولم تكن عادته التقنُّع. وقد ذكر أنس عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يكثر القِناع (٢) ، وهذا إنما كان يفعله ــ والله أعلم ــ للحاجة من الحرّ ونحوه. وأيضًا فليس التقنُّع هو التطيلُس (٣) .
-
فصل
وكان أغلب ما يلبس النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما نُسِج من القطن، وربما لبسوا ما نُسِج من الصوف والكتَّان.
-
وذكر أبو الشيخ (٤) الأصبهاني (٥) بإسناد صحيح عن حابس بن أيوب (٦) قال: دخل الصَّلْت بن راشد على محمد بن سيرين، وعليه جبة صوف، وإزار صوف، وعمامة صوف؛ فاشمأزَّ عنه محمد، وقال: أظن
ج ٢ ص ١٤٣أقوامًا (١) يلبسون الصوف يقولون: قد لبسه عيسى ابن مريم. وقد حدثني من لا أتهم أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد لبس الكتَّان، والصوف، والقطن؛ وسنَّةُ نبيِّنا أحق أن تُتَّبَع.