- ظن المنافقين بالله غير الحق ظن الجاهلية
٦ فقرات، ج ٤ ص ٢٦٥
- ج ٤ ص ٢٦٥
موجِبات الطباع، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النُّصرة المستقرة، فقيَّض لهم بلطفه أسبابًا أخرجها من القوة إلى الفعل فترتَّبت (١) عليها آثارُها المكروهة، فعلموا حينئذ أن التوبةَ منها والاحترازَ من أمثالِها ودَفْعَها بأضدادها أمرٌ متعيِّن لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشدَّ حذرًا بعدها ومعرفةً بالأبواب التي دخل عليهم منها.
-
وربَّما صحَّت الأجسامُ بالعِلَلِ (٢)
-
ثم إنه سبحانه تداركهم برحمته وخفَّف عنهم ذلك الغمَّ، وغيَّبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنًا منه ورحمةً؛ والنعاسُ في الحرب علامة النصرة والأمن، كما أنزله عليهم يوم بدرٍ. وأخبر أن من لم يُصبه ذلك النعاسُ فهو ممن أهمَّته نفسُه، لا دينُه ولا نبيُّه ولا أصحابُه، وأنهم يظنون بالله غيرَ الحقِّ ظنَّ الجاهلية.
-
وقد فُسِّر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسولَه، وأن أمره سيضمحلُّ، وأنه يُسْلِمُه للقتل. وفُسِّر بأن (٣) ما أصابهم لم يكن بقضائه (٤) وقدره، ولا حكمة له فيه، ففُسِّر بإنكارِ الحكمة وإنكارِ القَدَر، وإنكارِ أن يُتمَّ أمرَ رسوله ويُظهره على الدين كلِّه، وهذا هو ظن السَّوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه في سورة الفتح حيث يقول: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ
ج ٤ ص ٢٦٦السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: ٦] .
-
وإنما كان هذا ظنَّ السوء، وظنَّ الجاهلية المنسوبَ (١) إلى أهل الجهل، وظنَّ غيرِ الحق= لأنه ظنُّ غيرِ ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العُليا وذاته المبرَّأةِ من كلِّ عيبٍ وسوء، وخلافُ ما يليق بحكمته وحمده وتفرُّدِه بالربوبية والإلهيه، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يُخلفه وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم ولجنده بأنهم هم الغالبون؛ فمن ظن به أنه لا ينصر رسولَه ولا يُتم أمرَه، ولا يؤيده ويؤيد حزبَه ويُعليهم ويُظفرهم بأعدائه (٢) ويُظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينَه وكتابَه، وأنه يُديل الشركَ على التوحيد والباطلَ على الحقِّ إدالةً مستقرةً يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا= فقد ظن بالله ظنَّ السَّوءِ ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزَّتَه وحكمته وإلهيتَه تأبى ذلك، وتأبى أن يُذِلَّ حزبَه وجندَه، وأن تكون النصرةُ المستقرة والظفرُ الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به؛ فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءَه وصفاتِه وكمالَه.
-
وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه ولا عرف ربوبيته ومُلْكَه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدَّر ما قدَّره مِن ذلك وغيرِه لحكمة بالغة وغايةٍ محمودة يستحقُّ الحمدَ عليها، وأن ذلك (٣) إنما صدر عن مشيئة مجرَّدةٍ عن حكمة وغايةٍ مطلوبةٍ هي أحبُّ إليه مِن فوتها،