- لا دليل صريح على نسخ تحريم ابتداء القتال في الأشهر الحرم

٨ فقرات، ج ٤ ص ٤٠٧

  1. فمنها: محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع من الحديبية في ذي الحجة، فمكث بها أيامًا ثم سار إلى خيبر في المحرَّم كذلك قال الزهري عن عروة عن مروان والمِسْوَر (١) . وكذلك قال الواقدي: خرج في أول سنة سبع من الهجرة (٢) . ولكن في الاستدلال بذلك نظر، فإن خروجه كان في أواخر المحرَّم لا في أوله، وفتحُها إنما كان في صفر.

    ج ٤ ص ٤٠٧
  2. وأقوى من هذا الاستدلالِ بيعةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه بيعةَ الرضوان عند الشجرة على القتال (٣) وأن لا يفروا، وكانت في ذي القعدة. ولكن لا دليل في

    ج ٤ ص ٤٠٨ذلك، لأنه إنما بايعهم على ذلك لمّا بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يريدون قتاله، فحينئذ بايع الصحابة، ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام (١) إذا بدأ العدُّو، إنما الخلاف هل يقاتل فيه ابتداءً، فالجمهور جوزوه وقالوا: تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة.

  3. وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ، وكان عطاء يحلف بالله ما يحل القتال في الشهر الحرام ولا نَسَخ تحريمَه شيء (٢) .

  4. وأقوى من هذين الاستدلالين الاستدلال بحصار النبي - صلى الله عليه وسلم - للطائف، فإنه خرج إليها في أواخر شوال، فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلةً، فبعضها كان في ذي القعدة، فإنه فتح مكة لعشرٍ بقين من رمضان (٣) ، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة (٤) ، فخرج إلى هوازن وقد بقي من شوال عشرون يومًا، ففتح الله عليه هوازن وقسم غنائمها، ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصرها بضعًا وعشرين ليلةً، وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا شك.

  5. وقد قيل: إنما حاصرهم بضع عشرة ليلةً. قال ابن حزم (٥) : وهو الصحيح بلا شك. وهذا عجب منه! فمن أين له هذا التصحيح والجزم به؟

  6. وفي «الصحيحين» (١) عن أنس بن مالك في قصة الطائف قال: فحاصرناهم أربعين يومًا فاستعصَوا وتمنَّعُوا ... وذكر الحديث؛ فهذا الحصار وقع في ذي القَعدة بلا ريب. ومع هذا فلا دليل في القصة، لأن غزو الطائف كان من تمام غزوة هوازن، وهم بدؤوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالقتال، ولما انهزموا دخل ملِكهم وهو مالك بن عوف النَّصري مع ثقيفٍ في حصن الطائف محاربين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان غزوُهم من تمام الغزوة التي شرع فيها، والله أعلم.

    ج ٤ ص ٤٠٩
  7. وقد قال تعالى في سورة المائدة ــ وهي من آخر القرآن نزولًا وليس فيها منسوخ ــ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ} [المائدة: ٢] .

    وقال في سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: ٢١٧] .

  8. فهاتان آيتان مدنيتان بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام، وليس في كتاب الله ولا سنَّة رسوله ناسخ لحكمهما، ولا أجمعت الأمة على نسخه. ومن استدل على نسخه بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: ٣٦] ونحوها من العمومات، فقد استدل على النسخ بما لا يدل عليه. ومن استدل عليه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عامر في سريةٍ إلى أوطاس في ذي القعدة (٢) ، فقد استدل بغير دليل لأن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال، ولم يكن ابتداءً منه لقتالهم في الشهر الحرام.