فصل في هديه في النكاح ومعاشرته أهله

١٩ فقرة، ج ٢ ص ١٥١

  1. الدلوَ، وشرب قائمًا. فالصحيح في هذه المسألة: النهيُ عن الشرب قائمًا، وجوازُه لعذرٍ يمنع من القعود. وبهذا تجتمع أحاديث الباب، والله أعلم (١) .

    ج ٢ ص ١٥١
  2. وكان إذا شرب ناول مَن على يمينه، وإن كان مَن على يساره أكبر منه (٢) .

  3. فصل

    في هديه في النكاح - صلى الله عليه وسلم - ومعاشرتِه أهلَه

    صحَّ عنه من حديث أنس أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «حُبِّب إليَّ من دنياكم: النساء والطيب، وجُعِلت قرَّةُ عيني في الصلاة» (٣) . هذا لفظ الحديث، ومن رواه «حُبِّب إلي من دنياكم ثلاث» فقد وهم (٤) . ولم يقل - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث» ، والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليهم.

  4. وكان (١) النساء والطيب أحبَّ شيء إليه. وكان - صلى الله عليه وسلم - يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وكان قد أعطي قوة ثلاثين في الجماع وغيره، وأباح الله له من ذلك ما لم يبحه لأحد من أمته.

    ج ٢ ص ١٥٢
  5. وكان يقسم بينهن في المبيت والإيواء والنفقة، وأما المحبة فكان يقول: «اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلُمني فيما لا أملك» (٢) . قيل: هو الحبُّ والجماع (٣) ، ولا تجب التسوية في ذلك لأنه مما لا يُملَك. وهل كان القَسْم واجبًا عليه أو كان له معاشرتهن بغير قَسْم؟ على قولين للفقهاء. فهو - صلى الله عليه وسلم - أكثر الأمة نساءً، قال ابن عباس: تزوَّجوا، فإنَّ خير هذه الأمة أكثرها نساءً (٤) .

  6. وطلَّق - صلى الله عليه وسلم - وراجع، وآلى إيلاءً موقَّتًا بشهر. ولم يُظاهِر أبدًا، وأخطأ من قال: إنه ظاهر خطأً عظيمًا. وإنما ذُكِر هذا (٥) تنبيهًا على قبح خطئه ونسبته إليه ما برَّأه الله منه.

  7. وكانت سيرته مع أزواجه حسن المعاشرة وحسن الخلق. وكان يسرِّب إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هوِيَتْ شيئًا لا محذور فيه تابعها عليه. وكانت إذا شربت من الإناء أخَذَه، فوضع فمه على موضع فمها، وشرب (١) . وإذا تعرَّقت عَرْقًا ــ وهو العظم الذي عليه اللحم ــ أخذه، فوضع فمه على موضع فمها. وكان يتكئ في حَجْرها، ويقرأ القرآن ورأسُه في حَجْرها وربما كانت حائضًا. وكان يأمرها وهي حائض فتتَّزِر، ثم يباشرها. وكان يقبِّلها وهو صائم.

    ج ٢ ص ١٥٣
  8. وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب، ويُريها الحبشةَ وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبه تنظر. وسابَقَها في السفر على الأقدام مرَّتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرةً.

  9. وكان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيَّتُهنَّ خرج سهمُها خرج بها معه، ولم يقض للبواقي شيئًا. وإلى هذا ذهب الجمهور (٢) .

  10. وكان يقول: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي» (٣) .

  11. وكان ربما مدَّ يده إلى بعض نسائه بحضرة باقيهن (٤) .

  12. وكان إذا صلَّى العصر دار على نسائه، فدنا منهن، واستقرى أحوالهن.

  13. فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة، فخصَّها بالليل. وقالت عائشة: كان لا يفضِّل بعضنا على بعض في مُكْثِه عندهن في القَسْم، وقلَّ يوم إلا كان يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مسيس، حتَّى يبلغ التي هو في يومها (١) ، فيبيت عندها (٢) .

    ج ٢ ص ١٥٤
  14. وكان يقسِم لثمانٍ منهن دون التاسعة. ووقع في «صحيح مسلم» (٣) من قول عطاء أن التي لم يكن يقسِم لها هي صفية بنت حُيَيّ، وهو غلط من عطاء - رحمه الله - (٤) ، وإنما هي سودة، فإنها لما كبرت وهبت يومها لعائشة (٥) . وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم لعائشة يومَها ويومَ سودة.

  15. وسبب هذا الوهم ــ والله أعلم ــ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد وجد على صفية في شيء، فقالت لعائشة: هل لكِ أن ترضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنِّي وأهبَ لكِ يومي؟ قالت: نعم. فقعدت عائشة إلى جنب النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم صفية، فقال: «إليكِ عنِّي يا عائشة، فإنه ليس يومك» ، فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه

    ج ٢ ص ١٥٥من يشاء. وأخبرته بالخبر، فرضي عنها (١) . وإنما كانت قد وهبت لها (٢) ذلك اليومَ وتلك النوبة (٣) الخاصَّة. ويتعيَّن ذلك، وإلا كان (٤) يكون القَسْم لسبعٍ منهن، وهو خلاف الحديث الصحيح الذي لا ريب فيه (٥) أن القَسْم كان لثمان. والله أعلم.

  16. ولو (٦) اتفق مثل هذه الواقعة لمن له أكثر من زوجتين، فوهبت إحداهن يومها لأخرى (٧) ، فهل للزوج أن يوالي بين ليلة الموهوبة وليلتها الأصلية، وإن لم تكن ليلة الواهبة تليها؟ أو يجب عليه أن يجعل ليلتها هي الليلة التي كانت تستحقُّها الواهبة بعينها؟ على قولين في مذهب أحمد (٨) وغيره.

  17. وكان - صلى الله عليه وسلم - يأتي أهله آخر الليل وأوله. وإذا (٩) جامع أولَ الليل فكان ربما اغتسل ونام، وربما

    ج ٢ ص ١٥٦توضّأ ونام. وذكر أبو إسحاق السَّبيعي عن الأسود عن عائشة أنه ربما كان ينام ولا يمسُّ ماءً (١) . وهو غلط عند أئمة الحديث، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته» (٢) .

  18. وكان يطوف على نسائه بغسل واحد، وربما اغتسل عند كلِّ واحدة واحدة، فعَل هذا وهذا.

  19. وكان إذا سافر وقدِم لم يطرُقْ أهله ليلًا، وكان ينهى عن ذلك.