فصل في غزوة مؤتة
فقرتان، ج ٤ ص ٤٦٠
- ج ٤ ص ٤٦٠
وهي بأدنى البلقاء من أرض الشام، وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان، وكان سببها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث الحارث بن عمير الأزدي (٣) أحد بني لِهْبٍ بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم أو بُصرى (٤) ، فعرض له شُرَحبيل بن عمرو الغسَّاني فأوثقه رباطًا ثم قدمه فضرب عنقه، ولم يُقتَل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسولٌ غيره، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، فبعث البعوث
ج ٤ ص ٤٦١واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» (١) .
-
فتجهز الناس وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودَّع الناسُ أمراءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلَّموا عليهم، فبكى عبد الله بن رواحة فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: «أما والله ما بي حبُّ الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ آيةً من كتاب الله يذكر فيها النار {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: ٧١] ، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟» ، فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردَّكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً ... وضربةً ذاتَ فَرْغٍ (٢) تقذف الزَّبَدا
أو طعنةً بيدَي حرَّانَ مُجهِزةً ... بحربةٍ تَنفُذ الأحشاء والكَبِدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ... يا أرشد اللهُ من غازٍ وقد رَشَدا
ثم مضَوا حتى نزلوا مَعانَ (٣) فبلغ الناس أن هرقل بالبلقاء في مائة ألفٍ من الروم، وانضم إليهم من لخمٍ وجُذام وبَلْقَين وبَهْراءَ وبَلِيٍّ مائةُ ألفٍ، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا