فصل: «إلا الإذخر»

٩ فقرات، ج ٤ ص ٥٦٢

  1. فإن قيل: فما تقولون لو اختار القصاص ثم اختار بعده العفو إلى الدية، هل له ذلك؟

    ج ٤ ص ٥٦٢
  2. قلنا: هذا فيه وجهان، أحدهما: أن له ذلك، لأن القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى. والثاني: ليس له ذلك، لأنه لمَّا اختار القصاص فقد أسقط الدية باختياره له، فليس له أن يعود إليها بعد إسقاطها.

  3. فإن قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث وبين قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من قُتِل عمدًا فهو قَوَد» (١) ؟

  4. قيل: لا تعارض بينهما بوجه، فإن هذا يدل على وجوب القود بقتل العمد، وقوله: «فهو بخير النظرين» يدل على تخييره بين استيفاء هذا الواجب له وبين أخذ بدله وهو الدية، فأيُّ تعارض؟ وهذا الحديث نظير قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: ١٧٨] ، وهذا لا ينفي تخيير المستحِقِّ له بين ما كتب له وبين بدله. والله أعلم.

  5. فصل

    وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة: «إلا الإذخر» (٢) بعد قول العباس له: «إلا الإذخر» يدل على مسألتين:

    ج ٤ ص ٥٦٣إحداهما: إباحة قطع الإذخر.

  6. والثانية: أنه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام ولا قبل فراغه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان ناويًا لاستثناء الإذخر من أول كلامه أو قبل تمامه لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك وإعلامِه أنهم لا بد لهم منه لقَينهم وبيوتهم (١) .

  7. ونظير هذا: استثناؤه - صلى الله عليه وسلم - لسهيل بن بيضاء من أُسارى بدر بعد أن ذكَّره به ابن مسعود؛ فقال: «لا ينفلتنَّ أحدٌ منهم إلا بفداء أو ضربة (٢) عنق»، فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فقال: «إلا سهيل بن بيضاء» (٣) . ومن المعلوم أنه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه.

  8. ونظيره أيضًا: قول المَلَك لسليمان لمّا قال: «لأطوفن الليلة على مائة

    ج ٤ ص ٥٦٤امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله»، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو قال: إن شاء الله لقاتَلُوا في سبيل الله (١) أجمعون» (٢) ، وفي لفظ: «لكان دركًا لحاجته» (٣) ، فأخبر أن هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحال لنفعه، ومن يشترط النية يقول: لا ينفعه.

  9. ونظير هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لأغزونَّ قريشًا، واللهِ لأغزون قريشًا» ثلاثًا ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله» (٤) ، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن (٥) إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه. وقد نصَّ أحمد (٦) على جوازه، وهو الصواب بلا ريب، والمصيرُ إلى موجَب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق.