- حكمة إذاقة المسلمين مرارة الهزيمة أولا

٦ فقرات، ج ٤ ص ٥٩٢

  1. كان الله عز وجل قد وعد رسوله ــ وهو الصادق الوعدِ ــ أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجًا ودانت له العرب بأسرها، فلما تمَّ له الفتح المبين اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوبَ هوازن ومَن تبعها عن الإسلام وأن يجمعوا ويتألَّبُوا لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين؛ ليَظهر أمرُ الله وتمامُ إعزازه لرسوله ونَصْرُه لدينه، ولتكون غنائمهم شكرانًا لأهل الفتح، وليُظهر الله سبحانه رسولَه وعبادَه وقَهْرَه لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلقَ المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعدُ أحدٌ من العرب، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين وتبدو للمتوسمين.

    ج ٤ ص ٥٩٢
  2. واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولًا مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عَددهم وعُددهم وقوة شوكتهم، لتُطامِن (١) رؤوسًا رُفِعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعًا رأسه منحنيًا على فرسه حتى إن ذَقَنه تكاد أن (٢) تَمَسَّ سرجه تواضعًا لربه (٣) وخضوعًا

    ج ٤ ص ٥٩٣لعظمته واستكانةً لعزته أن أحلَّ له حرَمَه وبلده ولم يُحلَّه لأحدٍ قبلَه ولا لأحدٍ بعدَه.

  3. وليبيِّن سبحانه لمن قال: «لن نُغلَب اليوم مِن قلة» (١) أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصُرْه فلا غالبَ له ومن يخذُلْه فلا ناصرَ له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصرَ رسولِه ودينِه لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تُغنِ عنكم شيئًا فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبُهم أُرسِلت إليها خِلَعُ الجبر مع بريدِ (٢) : {مُدْبِرِينَ (٣) (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا} [التوبة: ٢٦] . وقد اقتضت حكمته أن خِلَع النصر وجوائزَه إنما تُفَضُّ (٤) على أهل الانكسار؛ {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: ٥ - ٦] .

  4. ومنها: أن الله سبحانه لمَّا منع الجيش غنائمَ مكةَ، فلم يغنموا منها ذهبًا ولا فضةً ولا متاعًا ولا سبيًا ولا أرضًا، كما روى أبو داود (٥) عن وهب بن

    ج ٤ ص ٥٩٤مُنبِّهٍ قال: «سألت جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا» ، وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب، وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أسباب القوة= فحرَّك (١) سبحانه قلوب المشركين لغزوهم، وقَذَف في قلوبهم إخراج أموالهم ونَعَمهم وشائِهم وسَبْيِهم معهم، نُزُلًا وضيافةً وكرامةً لحزبه وجنده.

  5. وتمَّم تقديرَه سبحانه بأن أَطمَعَهم في الظَّفر وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه، وبَرَدت (٢) الغنائمُ لأهلها، وجرت فيها سهامُ الله ورسولِه= قيل: لا حاجة لنا في دمائكم ولا في نسائكم وذَراريِّكم، فأوحى سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة فجاؤوا مسلمين، فقيل: إنَّ مِن شُكران (٣) إسلامكم وإتيانكم أن نرُدَّ عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم و {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: ٧٠] .

  6. ومنها: أن الله سبحانه افتتح غزو العرب بغزوة بدرٍ وختم غزوهم بغزاة حُنَين، ولهذا يُقرَن بين هاتين الغزاتين بالذكر فيقال: «بدر وحنين» وإن كان بينهما سبع سنين، والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - رمى وجوهَ المشركين بالحصباء فيهما، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرةُ العرب لغزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، فالأُولى: خوَّفتهم وكسرت مِن