فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في البيع والشراء والشفاعة والحلف والمزاح والتورية وعيادة المريض وسماعه مديح الشعراء
١٦ فقرة، ج ٢ ص ١٦٣
- ج ٢ ص ١٦٣
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيُّما امرئٍ أعتَقَ امرأً مسلمًا كان وِقاءً له (١) من النار، يُجزئ كلُّ عضو منه عضوًا منه. وأيُّما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فَكاكه من النار، يجزئ كلُّ عضوٍ (٢) منهما عضوًا منه». قال: هذا حديث حسن صحيح (٣) . وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل، وأن عتق العبد يعدل عتق أَمَتين، فكان أكثر عتقائه - صلى الله عليه وسلم - من العبيد.
-
وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر. والثاني: العقيقة، فإنه عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان. والثالث: الشهادة، فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل (٤) . والرابع: الميراث. والخامس: الدية (٥) .
-
فصل
وباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واشترى. وكان اشتراؤه بعد أن أكرمه الله تعالى برسالته أكثر من بيعه. وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يُحفَظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة، أكثرها لغيره، كبيعه القدَحَ والحِلْسَ فيمن يزيد (٦) ، وبيعه
ج ٢ ص ١٦٤يعقوبَ المدبَّر غلامَ أبي مذكور (١) ، وبيعه عبدًا أسود بعبدين (٢) .
-
وأما شراؤه، فكثير. وآجر واستأجر، واستئجاره كان أكثر من إيجاره. وإنما يُحفَظ عنه أنه آجر نفسَه قبل النبوة في رِعْية (٣) الغنم (٤) . وآجر نفسَه من خديجة في سفره بمالها إلى الشام.
-
وإن كان (٥) العقد مضاربةً، فالمضارب أمين، وأجير، ووكيل، وشريك. فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرَّف فيه، وأجير فيما يباشره بنفسه من العمل، وشريك إذا ظهر فيه الربح.
-
وقد أخرج الحاكم في «صحيحه» (٦) من حديث الربيع بن بدر، عن
ج ٢ ص ١٦٥أبي الزبير، عن جابر قال: آجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسَه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش، كلُّ سفرة بقلوص. وقال: صحيح الإسناد.
قال في «النهاية» (١) : جُرَش بضم الجيم وفتح الراء من مخاليف اليمن، وهو بفتحهما بلد بالشام.
قلت: إن صحَّ الحديث فإنما هو المفتوح الذي بالشام. ولا يصح، فإن الربيع بن بدر هذا هو عُلَيْلةُ، ضعَّفه أئمة الحديث. قال النسائي والدارقطني والأزدي (٢) : متروك (٣) . وكأنّ الحاكم ظنَّه الربيع بن بدر مولى طلحة بن عبيد الله (٤) .
-
وشارك - صلى الله عليه وسلم -، ولما قدم عليه شريكه قال: أما تعرفني؟ قال: «كنتَ شريكي فنِعْم الشريكُ كنتَ، لا تدارئ ولا تماري» (٥) .
- ج ٢ ص ١٦٦
«تدارئ» بالهمز من المدارأة، وهي مدافعة الحق. فإن تُرِك همزُها، صارت من المداراة، وهي المدافعة بالتي هي أحسن (١) .
-
ووكَّل وتوكَّل، وكان توكيله أكثر من توكُّله.
-
وأهدى، وقبِل الهدية، وأثاب عليها. ووهب، واتَّهب، فقال لسلمة بن الأكوع، وقد وقع في سهمه جارية: «هَبْها لي» ، فوهبها له، ففادى بها من أهل مكة أسارى من المسلمين (٢) .
-
واستدان برَهْن، وبغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحالِّ والمؤجَّل.
-
وضمن ضمانًا خاصًّا على ربِّه على أعمالٍ مَن عمِلها كان مضمونًا له، وضمانًا عامًّا لديون من توفِّي من المسلمين ولم يدَعْ وفاءً: أنها عليه وهو يوفِّيها. وقد قيل: إن هذا الحكم عامٌّ للأئمة بعده، فالسلطان ضامن لديون المسلمين إذا لم يخلِّفوا وفاءً، فإنها عليه يوفِّيها من بيت المال. قالوا: كما يرثه إذا مات ولم يدَعْ وارثًا، فكذلك يقضي عنه دينَه إذا مات ولم يدع وفاءً، وكذلك ينفق عليه في حياته إذا لم يكن له ما يُنفَق عليه.
- ج ٢ ص ١٦٧
ووقف - صلى الله عليه وسلم - أرضًا كانت له، جعَلها صدقةً في سبيل الله.
-
وشفَع (١) ، وشُفِع إليه (٢) . وردَّت بَريرةُ شفاعته في مراجعة مغيثٍ، فلم يغضب عليها، ولا عتَب. وهو الأسوة والقدوة - صلى الله عليه وسلم -.
-
وحلف في أكثر من ثمانين موضعًا (٣) . وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: ٥٣] ، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: ٣] ، وقال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن: ٧] .
-
وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، ولا يسمِّيه بالفقيه؛ فتحاكم إليه يومًا هو وخصمٌ له، فتوجَّهت اليمين على أبي بكر، فتهيَّأ للحَلِف، فقال له القاضي إسماعيل (٤) : ومثلُك يحلِف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني من الحَلِف، وقد أمر الله تعالى نبيَّه بالحلِف في ثلاث مواضع (٥) من كتابه؟ قال أين ذلك؟ فسردها له أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدًّا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.