- معاقبة الله لمن فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه بأن لا يمكنه منه بعد
١٧ فقرة، ج ٤ ص ٧٢٢
- ج ٤ ص ٧٢٢
ومنها: أن بيعة العقبة كانت من أفضل مشاهد الصحابة حتى إن كعبًا كان لا يراها دون مشهد بدر.
-
ومنها: أن الإمام إذا رأى المصلحة في أن يستر عن رعيته بعضَ ما يهمُّ به ويقصده من العدو ويُورِّي عنه= استُحبَّ له ذلك أو تعيَّن بحسب المصلحة.
-
ومنها: أن الستر والكتمان إذا تضمن مفسدةً لم يجز.
-
ومنها: أن الجيش في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لهم ديوان (١) ، وأولُ من دوَّن الديوان عمرُ بن الخطاب (٢) ، وهذا من سنته التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - باتباعها؛ وظهرت مصلحتُها وحاجة المسلمين إليها.
-
ومنها: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة فالحزم كلُّ الحزم في انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكُّنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلَّما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه
ج ٤ ص ٧٢٣بأن يحول بين قلبه وإرادته فلا يمكِّنَه بعدُ مِن إرادته عقوبةً له.
-
فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه حال بينه وبين قلبه، فلا يُمْكنه الاستجابةُ بعد ذلك؛ قال تعالى: { (٢٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ} [الأنفال: ٢٤] . وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: ١١٠] ، وقال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: ٥] ، وقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: ١١٥] ، وهو كثير في القرآن.
-
ومنها: أنه لم يكن يتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أحدُ رجالٍ ثلاثة: إما مغموص عليه في النفاق، أو رجل من أهل الأعذار، أو من خلَّفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستعمله على المدينة أو خلفه لمصلحة.
-
ومنها: أن الإمام والمطاع لا ينبغي له أن يُهمل من تخلَّف عنه في بعض الأمور، بل يُذكِّره ليراجع الطاعة ويتوب، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بتبوك: «ما فعل كعب؟» (١) ولم يذكر سواه من المتخلِّفين استصلاحًا له ومراعاةً، وإهمالًا للقوم المنافقين.
-
ومنها: جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حميَّةً أو ذبًّا عن الله ورسوله. ومِن هذا طعنُ أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة.
- ج ٤ ص ٧٢٤
ومن هذا طعن ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله، لا لحظوظهم وأغراضهم.
-
ومنها: جواز الرد على هذا الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط، كما قال معاذ للذي طعن في كعب: «بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا» ، ولم ينكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على واحد منهما.
-
ومنها: أن السنة للقادم من السفر أن يدخل البلد على وضوء وأن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس للمُسَلِّمين عليه، ثم ينصرف إلى أهله.
-
ومنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل علانية من أظهر الإسلام من المنافقين ويكل سريرته إلى الله، ويُجري عليه حكمَ الظاهر ولا يعاقبه بما يَعلم من سرِّه (١) .
-
ومنها: ترك الإمام والحاكم ردَّ السلام على من أحدث حدثًا تأديبًا له وزجرًا لغيره، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يُنقل أنه ردَّ على كعب بل قابل سلامه بتبسُّم المُغضَب (٢) .
-
ومنها: أن التبسم قد يكون عن الغضب كما يكون عن التعجُّب والسرور، فإن كلًّا منهما يوجب انبساطَ دمِ القلب وثَوَرانَه، ولهذا تظهر
ج ٤ ص ٧٢٥حمرة الوجه لسرعة فَوَران (١) الدم فيه فينشأ عن ذلك السرور، والغضبُ تعجُّبٌ يتبعه ضحك وتبسُّم، فلا يغتَّر المغترُّ بضحك القادر عليه في وجهه، ولا سيما عند المَعْتَبة؛ كما قيل (٢) :
إذا رأيت نيوب الليث بارزةً ... فلا تظنَّنَّ أن الليث مبتسمُ
ومنها: معاتبة الإمام والمطاع أصحابَه ومن يَعِزُّ عليه ويَكرُم عليه، فإنه عاتب الثلاثة دون سائر من تخلَّف عنه. وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة واستلذاذه والسرور به، فكيف بعتاب أحبِّ الخلق على الإطلاق إلى المعتوب عليه؟! وللهِ ما كان أحلى ذلك العَتْبَ، وما أعظَمَ ثمرتَه وأجلَّ فائدتَه! وللهِ ما نال به الثلاثة من أنواع المسرات وحلاوة الرضا وخِلَع القبول!
-
ومنها: توفيق الله لكعبٍ وصاحبيه فيما جاؤوا به من الصدق، ولم يخذلهم حتى كذبوا واعتذروا بغير الحق فصلحت عاجلتُهم وفسدت عاقبتُهم كلَّ الفساد، والصادقون تعبوا في العاجلة بعضَ التعب فأعقبهم صلاح العاقبة والفلاحَ كلَّ الفلاح. وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة، فمرارات المبادي حلاوات في العواقب، وحلاوات المبادي مرارات في العواقب.
-
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لكعب: «أما هذا فقد صدق» دليل ظاهر في التمسُّك بمفهوم اللقب عند قيام قرينةٍ تقتضي تخصيصَ المذكور بالحكم، كقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا