فصل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بهجر الثلاثة لصدقهم بخلاف المنافقين

٦ فقرات، ج ٤ ص ٧٢٧

  1. أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، وأين ذنب التخلُّف من ذنب الجس؟ (١) .

    قال أبو الفرج بن الجوزي (٢) : ولم أزل حريصًا على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت أبا بكر الأثرم (٣) قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه، وأنه لا يكاد يُحفَظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مُرارة بن الربيع وهلال بن أمية شهدا بدرًا، وهذا لم يقله أحد غيره والغلط لا يُعصَم منه إنسان.

    ج ٤ ص ٧٢٧
  2. فصل

    وفي نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلَّف عنه دليلٌ على صدقهم وكذب الباقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب. وأما المنافقون فجُرمهم أعظم من أن يقابَل بالهجر، فدواء هذا المرض لا يعمل في مرض النفاق ولا فائدة فيه.

  3. وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبُّه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظًا حذرًا، وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يُخلِّي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبًا أحدث له نعمةً، والمغرورُ يظن أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة وأنه يريد به العذاب الشديد والعقوبة التي لا

    ج ٤ ص ٧٢٨عافية (١) معها، كما في الحديث المشهور: «إذا أراد الله بعبد خيرًا عجَّل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد بعبد شرًّا أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيَرِد القيامة بذنوبه» (٢) .

  4. وفيه دليل أيضًا على هِجران الإمام والعالم والمطاع لمن فعل ما يستوجب العَتْب، ويكون هجرانه دواءً له بحيث لا يضعُف عن حصول الشفاء به ولا يزيد في الكيفية والكمية عليه فيهلكه، إذ المرادُ تأديبه لا إتلافه.

  5. وقوله: «حتى تنكَّرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف» ، هذا التنكُّر يجده الخائف والحزين والمهموم في الأرض وفي الشجر والنبات، حتى يجده فيمن لا يعلم حالَه من الناس، ويجده أيضًا المذنب العاصي بحسب جُرمه حتى في خُلُق زوجته وولده وخادمه ودابَّته، ويجده في نفسه أيضًا فتتنكَّر له نفسُه حتى ما كأنه هو، ولا كأن أهلَه وأصحابَه ومن يُشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سرٌّ من الله لا يخفى إلا على ميت القلب (٣) ، وعلى حسب حياة القلب يكون إدراك هذا التنكر والوحشة.

  6. وما لجرح بميتٍ إيلامُ (٤)