- سياق حديث لقيط بن عامر الطويل

١٢ فقرة، ج ٤ ص ٨٤٩

  1. رُوينا عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في «مسند أبيه» (٢)

    قال: كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزُّبَير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضتُه وسمعتُه على ما كتبتُ به إليك، فحدِّثْ بذلك عني؛ قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحِزامي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عياش الأنصاري، عن دَلْهَم بن الأسود بن

    ج ٤ ص ٨٥٠عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العُقَيلي، عن أبيه، عن عمه لَقِيط بن عامر ــ قال دَلْهَم: وحدثنيه أيضًا أبي الأسودُ بن عبد الله عن عاصم بن لقيط ــ أن لَقِيط بن عامرٍ - رضي الله عنه - خرج وافدًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه صاحب له يقال له: نَهِيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق.

    قال لقيط: خرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبًا فقال: «ياأيُّها الناس, ألا إني قد خبَّأتُ لكم صوتي منذ أربعة أيام (١) لتسمعوا اليوم، ألا فهل من امرئ بعثه قومُه فقالوا (٢) : اعلَم لنا ما يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ألا ثُمَّ لعله يُلهيه حديثُ نفسه أو حديثُ صاحبه، أو يُلهيه ضالٌّ، ألا إني مسؤول: هل بلغتَ؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا»، فجلس الناس، وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرَّغ لنا (٣) فؤادَه ونظرَه (٤) قلت: يا رسول الله, ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لَعَمْرُ اللهِ وعلم أني أبتغي السَّقطة (٥) ، فقال: «ضَنَّ (٦) ربك بمفاتيحَ

    ج ٤ ص ٨٥١خمسٍ من الغيب لا يعلمها إلا الله» وأشار بيده، فقلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: «عِلْم المَنيَّة، قد عَلِم متى منية أحدكم ولا تعلمونه. وعِلْم المنيِّ حتى (١) يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه. وعِلْم ما في غدٍ، قد عَلِم ما أنت طاعم ولا تعلمه.

    ج ٤ ص ٨٤٩
  2. وعِلْم يوم الغيث، يُشْرِف عليكم أزِلين مُشْفِقين فيظلُّ يضحك قد علم أن غوثكم (٢) إلى قريب» ــ قال لقيط: فقلت: لن نَعدَم مِن ربٍّ يضحك خيرًا يا رسول الله (٣) ــ قال: «وعِلْم يوم الساعة» .

    قلتُ: يا رسول الله, عَلِّمنا مما تُعلِّم الناس وتَعْلَم، فإنا من قبيل لا يُصَدِّق تصديقَنا أحدٌ من مَذْحِجٍ التي تدنو (٤) علينا وخَثعمٍ التي توالينا وعشيرتَنا (٥) ، قال: تلبثون ما لبثتم ثم يُتوفى نبيُّكم (٦) ثم تلبثون ما لبثتم ثم تُبعَث الصائحة، فلعَمْرُ إلهِك ما تدع على ظهرها شيئًا إلا مات والملائكة

    ج ٤ ص ٨٥٢الذين مع ربك عز وجل، فأصبح ربك عز وجل يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد، فأرسل ربُّك السماءَ بهَضْبٍ من عند العرش، فلعَمْرُ إلهِك ما تدع على ظهرها من مَصْرَعِ (١) قتيلٍ ولا مَدْفَنِ ميتٍ إلا شَقَّت القبرَ عنه حتى تُخْلِفَه (٢) من عند رأسه فيستوي جالسًا، فيقول ربك: مهيم؟ لِما كان فيه، يقول: يا ربِّ أمسِ، اليومَ؛ لعهده بالحياة يحسبه حديثًا بأهله»، فقلت: يا رسول الله، فكيف يجمعنا بعد ما تُمزِّقنا الرياحُ والبلى والسباع؟ قال: «أنبئك بمَثَل ذلك في آلاء الله: الأرضُ، أشرفتَ عليها وهي مَدَرةٌ بالية فقلت: لا تحيا أبدًا، ثم أرسل الله عليها السماء، فلم تلبث عليك إلا أيامًا حتى أشرفت عليها وهي شَرَْبة (٣) واحدة، ولعَمْرُ إلهِك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض؛ فتخرجون من الأَصْواءِ (٤) ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم».

    قال: قلت: يا رسول الله, كيف ونحن ملءُ الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: «أنبئك بمَثَل هذا في آلاء الله: الشمس والقمر آية

    ج ٤ ص ٨٥٣منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعةً واحدةً، ولا تُضَامُون (١) في رؤيتهما» (٢) .

    قلت: يا رسول الله, فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: «تُعرَضون عليه باديةً له صفحاتُكم لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك عز وجل بيده غَرفةً من ماء فينضح بها قِبَلكم، فلعَمْرُ إلهِك ما يخطئ وجهَ أحدٍ منكم منها قطرةٌ، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الرَّيطة (٣) البيضاء، وأما الكافر فتنضحه ــ أو قال: فتَنْطِحه (٤) ــ بمثل الحُمَم الأسود، ألا ثُمَّ ينصرف نبيُّكم ويَفْرَق على أثره الصالحون فيسلكون جسرًا من النار يطأ أحدكم الجمرة يقول: حَسِّ (٥) ! يقول ربك عز وجل: أو أنه. ألا فتطَّلِعون على حوضِ نبيكم على أظمأِ

    ج ٤ ص ٨٥٤ــ واللهِ ــ ناهلةٍ قطُّ ما رأيتَها، فلعَمْرُ إلهِك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قَدَحٌ يُطهِّره من الطَّوْفِ والبول والأذى، وتَخْنِس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدًا».

    قال: قلت: يا رسول الله, فبِمَ نبصر؟ قال: «بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع (١) طلوع الشمس في يومٍ أَشرقَتْه (٢) الأرضُ وواجهت به (٣) الجبال».

    قال: قلت: يا رسول الله, فبِمَ نجزى من سيئاتنا وحسناتنا (٤) ؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها إلا أن يعفو» .

    قال: قلت: يا رسول الله, ما الجنة؟ ما النار؟ قال: «لعَمْرُ إلهِك إن النار لها سبعة أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما (٥) سبعين عامًا، وإن للجنة لَثمانية أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا».

    ج ٤ ص ٨٥٥قلت: يا رسول الله, فعلامَ نَطَّلِع من الجنة؟ قال: «على أنهار مِن عسلٍ مُصفَّى، وأنهارٍ مِن خمر ما بها صُداع ولا ندامة (١) ، وأنهارٍ من لبن ما يتغير طعمُه، وماءٍ غير آسن، وفاكهةٍ ولعَمْرُ إلهِك ما تعلمون وخيرٌ مِن مثله، معه أزواج مطهرة» (٢) . قلت: يا رسول الله, أَوَلنا فيها أزواج أَوَ منهن مُصلحات؟ قال: «المصلحات للصالحين ــ وفي لفظ: الصالحات للصالحين ــ تَلَذُّونهن ويَلْذَذْنكم مثل لذَّاتكم في الدنيا غير أن لا تَوَالدُ» . قال لقيط: فقلت: يا رسول الله, أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ فلم يجبه النبي - صلى الله عليه وسلم - (٣) .

    قال: قلت: يا رسول الله, علامَ أبايعك؟ فبسط النبي - صلى الله عليه وسلم - يده وقال: «على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزِيال المشرك، وأن لا تشرك بالله إلهًا غيره» ، قال: قلت: يا رسول الله, وإن لنا ما بين المشرق والمغرب، فقبض رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يدَه وظنَّ أني مشترطٌ ما لا يُعطينيه، قال: قلت: نَحُلُّ منها حيث شئنا ولا يجني على امرئٍ إلا نفسُه، فبسط يده وقال: «لك ذلك، تحُلُّ حيث شئتَ ولا يجني عليك إلا نفسك» .

    قال: فانصرفنا عنه ثم قال: «ها إنَّ ذين، ها إنَّ ذَين ــ مرتين ــ (٤) مِن أتقى

    ج ٤ ص ٨٥٦الناس في الأولى والآخرة»، فقال له كعب بن الخُداريّة أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول الله؟ قال: «بنو المنتفق بنو المنتفق بنو المنتفق، أهلُ ذلك منهم» .

    قال: فانصرفنا وأقبلتُ عليه فقلت: يا رسول الله, هل لأحدٍ ممن مضى من خير في جاهليتهم؟ فقال رجل من عُرْضِ قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار! قال: فكأنه وقع حرٌّ بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم إذا الأخرى أجمل فقلت: يا رسول الله وأهلك؟ قال: «وأهلي لعَمْرُ الله، ما أتيت عليه من قبرِ عامريٍّ أو قرشي أو دوسيٍّ (١) قل: أرسلني إليك محمد فأبْشِرْ بما يسوءُك: تُجَرُّ على وجهك وبطنك في النار» (٢) . قال: قلت: يا رسول الله, وما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه، وكانوا يحسبون أنهم مصلحون؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبعِ أُمَمٍ نبيًّا، فمن عصى

  3. نبيَّه كان من الضالِّين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين».

    ج ٤ ص ٨٥٧
  4. هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء أهل المدينة، ثقتان محتجٌّ بهما في «الصحيح» (١) ، احتجَّ بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري.

  5. رواه أئمة السنة في كتبهم وتَلَقَّوه بالقبول وقابَلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحدٌ منهم فيه ولا في أحدٍ من رُواته. فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمدَ بنِ حنبلٍ في «مسند أبيه» وفي «كتاب السنة» (٢) وقال: كتب إليَّ إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبتُ به إليك، فحدِّثْ به عني.

  6. ومنهم: الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصمٍ النبيل في «كتاب السنة» له.

  7. ومنهم: الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسَّال في «كتاب المعرفة» (٣) .

  8. ومنهم: حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في كثيرٍ من كتبه (١) .

    ج ٤ ص ٨٥٨
  9. ومنهم: الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيَّان أبو الشيخ الأصبهاني في «كتاب السنة» (٢) .

  10. ومنهم: الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ (٣) أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْده حافظ أصبهان (٤) .

  11. ومنهم: الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مَرْدَويه.

  12. ومنهم: حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني (٥) ، وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم.

    وقال ابن منده: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصَّغاني (٦) وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهلِ الدين جماعةٌ من الأئمة: منهم أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ولم ينكره أحد ولم يتكلم في إسناده، بل رووه على سبيل القبول والتسليم، ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد، أو جاهل، أو مخالف للكتاب والسنة. هذا كلام أبي عبد الله بن منده - رحمه الله -.