معنى قوله: الحمى من فيح جهنم
١٥ فقرة، ج ٥ ص ٣٣
- ج ٥ ص ٣٣
البُرْء» (١) : ولو أنَّ رجلًا شابَّا خَشِنَ (٢) اللَّحم خِصْبَ البدن، في وقت القيظ، في وقت (٣) منتهى من الحمَّى (٤) ، وليس في أحشائه ورمٌ= استحمَّ بماءٍ باردٍ أو سبَح فيه لانتفع بذلك. قال: ونحن نأمر بذلك بلا توقُّف.
وقال الرازي في كتابه «الكبير» (٥) : إذا كانت القوَّة قويَّةً، والحمَّى حادَّة جدًّا، والنُّضجُ بيِّنٌ، ولا ورم في الجوف ولا فَتْق= ينفع الماء البارد شُربًا. وإن كان العليلُ خِصْبَ البدن، والزَّمانُ حارٌّ، وكان معتادًا لاستعمال الماء البارد من خارجٍ= فليؤذَن فيه.
-
وقوله: «الحمَّى من فَيح جهنَّم» هو شدَّة لهبها وانتشارها. ونظيره قوله: «شدَّة الحرِّ من فَيح جهنَّم» . وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّ ذلك أنموذجٌ ورَقيقةٌ (٦) اشتقَّت من جهنَّم ليستدلَّ بها العباد
ج ٥ ص ٣٤عليها، ويعتبروا بها. ثمَّ إنَّ الله سبحانه قدَّر ظهورها بأسبابٍ تقتضيها، كما أنَّ الرُّوح والفرح والسُّرور واللَّذَّة من نعيم الجنَّة، أظهرها الله في هذه الدَّار عبرةً ودلالةً، وقدَّر ظهورها بأسبابٍ توجبها.
-
والثَّاني: أن يكون المراد التَّشبيه، فشبَّه شدَّة الحمَّى ولهبها (١) بفَوح جهنَّم (٢) ، وشبَّه شدَّة الحرِّ به أيضًا، تنبيهًا للنُّفوس على شدَّة عذاب النَّار وأنَّ هذه الحرارة العظيمة مشبَّهةٌ بفَيحها، وهو ما يصيب مَن قرُبَ منها من حرِّها.
-
وقوله: «فأَبرِدُوها» روي بوجهين: بقطع الهمزة وفتحها، رباعيٌّ من أبرد الشَّيءَ إذا صيَّره باردًا، مثل: أسخنه (٣) : صيَّره سُخْنًا (٤) . والثَّاني: بهمزة الوصل مضمومةً من برَد الشَّيءَ يبرُده، وهو أفصح لغةً واستعمالًا. والرُّباعيُّ لغةٌ رديَّة عندهم (٥) . قال الحماسي (٦) :
ج ٥ ص ٣٥إذا وجدتُ لهيبَ الحبِّ في كبدي ... أقبلتُ نحو سِقاء القوم أَبترِدُ
هَبْني بردتُ ببرد الماء ظاهره ... فمَن لنارٍ على الأحشاء تتَّقدُ
وقوله: «بالماء» فيه قولان. أحدهما: أنَّه كلُّ ماءٍ، وهو الصَّحيح. والثَّاني: أنَّه ماء زمزم. واحتجَّ أصحاب هذا القول بما رواه البخاريُّ في «صحيحه» (١) عن أبي جَمْرة (٢) نصر بن عمران الضُّبَعي قال: كنت أجالس ابن عبَّاسٍ بمكَّة، فأخذتني الحمَّى، فقال: أَبْرِدْها عنك بماء زمزم، فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ (٣) الحمَّى من فيح جهنَّم، فأبرِدوها بالماء» أو قال: «بماء زمزم» . وراوي هذا قد شكَّ فيه. ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكَّة بماء زمزم إذ هو متيسِّرٌ عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء.
-
ثمَّ اختلف من قال إنَّه على عمومه: هل المراد به الصَّدقة بالماء أو استعماله؟ على قولين، والصَّحيح أنَّه استعماله. وأظنُّ الذي حمل من قال: المراد الصَّدقة به (٤) : أنَّه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمَّى ولم يفهم وجهَه، مع أنَّ لقوله وجهًا حسنًا، وهو أنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيبَ العطش عن الظَّمآن بالماء البارد، أخمد الله لهيبَ الحمَّى عنه جزاءً وفاقًا. ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأمَّا المراد به فاستعماله.
- ج ٥ ص ٣٦
وقد ذكر أبو نعيم (١) وغيره من حديث أنس يرفعه: «إذا حُمَّ أحدُكم فليرُشَّ (٢) عليه الماء البارد ثلاث ليالٍ من السَّحر».
-
وفي «سنن ابن ماجه» (٣) عن أبي هريرة يرفعه: «الحمَّى من كِير جهنَّم، فنحُّوها عنكم بالماء البارد» .
-
وفي «المسند» (٤) وغيره من حديث الحسن عن سَمُرة يرفعه: «الحمَّى قطعةٌ من النَّار، فأبردوها عنكم (٥) بالماء البارد». وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حُمَّ
ج ٥ ص ٣٧دعا بقِربةٍ من ماءٍ، فأفرغها على رأسه، فاغتسل.
-
وفي «السُّنن» (١) : من حديث أبي هريرة قال: ذُكرت الحمَّى عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسبَّها رجلٌ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسُبَّها، فإنَّها تنفي الذُّنوبَ كما تنفي النَّارُ خبَثَ الحديد» .
-
لما (٢) كانت الحمَّى يتبعها حِمْيةٌ (٣) عن الأغذية الرَّديَّة، وتناولُ الأغذية والأدوية النَّافعة، وفي ذلك إعانةٌ على تنقية البدن ونفيِ أخباثه وفضوله، وتصفيتهِ من موادِّه الرَّديَّة، وتفعل فيه كما تفعل النَّارُ في الحديد في نفي خَبَثه وتصفية جوهره= كانت أشبهَ الأشياء بنار الكِير الَّتي تصفِّي جوهرَ الحديد. وهذا القدر هو المعلوم عند (٤) أطبَّاء الأبدان. وأمَّا تصفيتها القلبَ من وسَخه ودرَنه، وإخراجُها خبائثه، فأمرٌ يعلمه أطبَّاء القلوب، ويجدونه كما أخبرهم به نبيُّهم (٥) . ولكن مرض القلب إذا صار مأيوسًا من برئه (٦) لم ينفع
ج ٥ ص ٣٨فيه هذا العلاج. فالحمَّى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة فسبُّه ظلمٌ وعدوانٌ.
- وذكرتُ مرَّةً وأنا محمومٌ قولَ بعض الشُّعراء (١) يسُبُّها:
-
زارت مكفِّرةُ الذُّنوب وودَّعَتْ ... تبًّا لها من زائرٍ ومودِّعِ
قالت وقد عزمَت على تَرحالها ... ماذا تريد؟ فقلت: أن لا ترجعي
فقلت: تبًّا له إذ سبَّ ما نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن سبِّه! ولو قال:
زارت مكفِّرةُ الذُّنوب لصبِّها ... أهلًا بها من زائرٍ ومودِّع
قالت وقد عزمَتْ على ترحالها ... ماذا تريد؟ فقلت: أن لا تُقلعي
لكان أولى به، ولأقلعَتْ عنه. فأقلعت عنِّي سريعًا (٢) .
-
وقد روي في أثرٍ لا أعرف حاله: «حمَّى يومٍ كفَّارةُ سنةٍ» (٣) . وفيه قولان (٤) ، أحدهما: أنَّ الحمَّى تدخل في كلِّ الأعضاء والمفاصل، وعدَّتُها
ج ٥ ص ٣٩ثلاثمائةٍ وستُّون مفصلًا، فتكفِّر عنه بكلِّ مفصلٍ (١) ذنوبَ يومٍ.
-
والثَّاني: أنَّها تؤثِّر في البدن تأثيرًا لا يزول بالكلِّيَّة إلى سنةٍ، كما قيل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من شرب الخمر لم تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا» (٢) : إنَّ أثر الخمر يبقى في جوف العبد وعروقه وأعضائه أربعين يومًا. والله أعلم.
قال أبو هريرة: ما من مرضٍ يصيبني أحبَّ إليَّ من الحمَّى لأنَّها تدخل في كلِّ عضوٍ منِّي، وإنَّ الله سبحانه يعطي كلَّ عضوٍ حظَّه من الأجر (٣) .
-
وقد روى الترمذي في «جامعه» (٤) من حديث رافع بن خَديجٍ (٥) يرفعه:
ج ٥ ص ٤٠«إذا أصابت أحدَكم الحمَّى، فإنَّما الحمَّى قطعةٌ من النَّار، فليطفئها بالماء البارد، ويستقبِلْ نهرًا جاريًا، فليستقبل جَرْيَة الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشَّمس وليقل: بسم الله، اللَّهمَّ اشفِ عبدَك، وصدِّق رسولَك. وينغمس فيه ثلاث غمساتٍ ثلاثة أيَّامٍ. فإن برئ وإلَّا خمسًا، فإن لم يبرأ في خمسٍ فسبعٌ، فإن لم يبرأ في سبعٍ فإنَّها لا تكاد تجاوز التسعَ بإذن اللَّه» .
قلت (١) : وهو ينفع فعله في فصل الصَّيف في البلاد الحارَّة على الشَّرائط الَّتي تقدَّمت، فإنَّ الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشَّمس ووفور القوى في ذلك الوقت لما أفادها النَّوم والسُّكون وبرد الهواء، فتجتمع (٢) قوَّة القوى وقوَّة الدَّواء ــ وهو الماء البارد ــ على حرارة الحمَّى العرَضيَّة أو الغبِّ الخالصة ــ أعني الَّتي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرَّديَّة والموادِّ الفاسدة ــ فيطفئها بإذن اللَّه، لا سيِّما في أحد الأيَّام المذكورة في الحديث، وهي الأيَّام الَّتي يقع فيها بُحْرانُ (٣) الأمراض الحادَّة كثيرًا، سيَّما