فصل في هديه في علاج الصداع والشقيقة
٣٠ فقرة، ج ٥ ص ١١٧
- ج ٥ ص ١١٧
قال أبو عبيد (١) عن الأصمعي: اللَّدُود: ما يسقى الإنسان في أحد شقَّي الفم، أُخِذ من لَديدَي الوادي، وهما جانباه. وأمَّا الوَجُور فهو في وسط الفم.
قلت: واللَّدود بالفتح هو الدَّواء الذي يُلَدُّ به (٢) . والسَّعوط ما أُدخِل من أنفه.
-
وفي هذا الحديث من الفقه: معاقبةُ الجاني بمثل ما فعَل سواءً، إذا لم يكن فعله محرَّمًا لحقِّ اللَّه. وهذا هو الصَّواب المقطوع به لبضعة عشر دليلًا قد ذكرناها في موضعٍ آخر (٣) . وهو منصوص أحمد وهو ثابتٌ عن الخلفاء الرَّاشدين. وترجمة المسألة بـ «القصاص في اللَّطمة والضَّربة» . وفيها عدَّة أحاديث لا معارض لها البتَّة, فيتعيَّن القول بها.
-
فصل
في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج الصُّداع والشَّقيقة
روى ابن ماجه في «سننه» (٤) حديثًا في صحَّته نظرٌ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا
ج ٥ ص ١١٨صُدِع غلَّف رأسه بالحنَّاء، ويقول: «إنَّه نافعٌ بإذن الله من الصُّداع» .
-
الصُّداع: ألمٌ في بعض أجزاء الرَّأس أو كلِّه. فما كان منه في أحد شقَّي الرَّأس لازمًا سُمِّيَ «شقيقةً» . وإن كان شاملًا لجميعه لازمًا سُمِّي «بيضةً» و «خُوذةً» تشبيهًا ببيضة السِّلاح الَّتي تشتمل على الرَّأس كلِّه. وربَّما كان في مؤخَّر الرَّأس أو في مقدَّمه. وأنواعه كثيرةٌ وأسبابه مختلفةٌ (١) .
-
وحقيقة الصُّداع: سخونة الرَّأس واحتماؤه لما دار فيه من البخار يطلب النُّفوذَ من الرَّأس، فلا يجد منفذًا، فيصدَعُه، كما ينصدع الوعاءُ (٢) إذا حَمِيَ ما فيه وطلَب النُّفوذَ. وكلُّ شيءٍ رطبٍ إذا حمِيَ طلب مكانًا أوسع من مكانه
ج ٥ ص ١١٩الذي كان فيه. فإذا عرض هذا البخار في الرَّأس كلِّه بحيث لا يمكنه التَّفشِّي والتَّحلُّل وجال في الرَّأس سمِّي «السَّدَر» .
-
والصُّداع يكون عن أسبابٍ عديدةٍ:
أحدها: من غلبة واحدٍ من الطَّبائع الأربعة.
-
والخامس (١) : من قروحٍ تكون في المعدة، فيتألَّم (٢) الرَّأس لذلك الورم للاتصال من العصب المنحدر من الرَّأس بالمعدة.
-
والسَّادس: من ريحٍ غليظةٍ تكون في المعدة، فتصعد إلى الرَّأس، فتصدَعه.
-
والسَّابع: يكون من ورمٍ (٣) في عروق المعدة، فيألم الرَّأس بألم المعدة للاتِّصال الذي بينهما.
-
والثَّامن: صداعٌ يحصل عن امتلاء المعدة من الطَّعام، ثمَّ ينحدر ويبقى بعضُه نِيئًا، فيصدَع الرَّأسَ ويُثقِله.
-
والتَّاسع: يعرض بعد الجماع لتخلخل الجسم، فيصل إليه من حرِّ الهواء أكثرُ من قدره.
-
والعاشر: صداعٌ يحصل بعد القيء والاستفراغ، إمَّا لغلبة اليُبْس، وإمَّا لتصاعد الأبخرة من المعدة إليه.
- ج ٥ ص ١٢٠
والحادي عشر: صداعٌ يعرض عن شدَّة الحرِّ وسخونة الهواء.
-
والثَّاني عشر: ما يعرض عن شدَّة البرد وتكاثُف الأبخرة في الرَّأس وعدم تحلُّلها.
-
والثَّالث عشر: ما يحدث من السَّهر وحبس النَّوم (١) .
-
والرَّابع عشر: ما يحدث من ضغط الرَّأس، وحملِ الشَّيء الثَّقيل عليه.
-
والخامس عشر: ما يحدث من كثرة الكلام، فتضعف قوَّة الدِّماغ لأجله.
-
والسَّادس عشر: ما يحدث من كثرة الحركة والرِّياضة المفرطة.
-
والسَّابع عشر: ما يحدث من الأعراض النَّفسانيَّة كالهموم والغموم والأحزان والوساوس والأفكار الرَّديَّة.
-
والثَّامن عشر: ما يحدث من شدَّة الجوع، فإنَّ الأبخرة لا تجد ما تعمل فيه، فتكثُر وتتصاعد (٢) إلى الدِّماغ، فتؤلمه.
-
والتَّاسع عشر: ما يحدث عن ورمٍ في صِفاق الدِّماغ، ويجد صاحبُه كأنَّه يُضرَب بالمطارق على رأسه.
-
العشرون (٣) : ما يحدث بسبب الحمَّى لاشتعال حرارتها فيه، فيتألَّم (٤) .
- ج ٥ ص ١٢١
فصل (١)
-
وسبب صداع الشَّقيقة مادَّةٌ في شرايين الرَّأس وحدها (٢) ، حاصلةٌ فيها، أو مرتقيةٌ إليها، فيقبلها الجانب الأضعف من جانبيه. وتلك المادَّة إمَّا بخاريَّةٌ وإمَّا أخلاطٌ حارَّةٌ أو باردةٌ. وعلامتها الخاصَّة بها ضَرَبانُ الشَّرايين وخاصَّةً في الدَّمويِّ. وإذا ضُبِطت بالعصائب ومُنِعت من الضَّرَبان سكَن الوجعُ.
-
وقد ذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبّ النَّبويّ» (٣) له أنَّ هذا النَّوع كان يصيب النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فيمكث اليوم واليومين، ولا يخرج.
-
وفيه (٤) عن ابن عبَّاسٍ قال: خَطَبنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وقد عصَب رأسه بعصابةٍ.
-
وفي الصَّحيح أنَّه قال في مرض موته: «وارأساه» (٥) . وكان يعصِبُ رأسه
ج ٥ ص ١٢٢في مرضه، وعصبُ الرَّأس ينفع في وجع الشَّقيقة وغيرها من أوجاع الرَّأس.
-
فصل
وعلاجه يختلف باختلاف أنواعه وأسبابه. فمنه ما علاجه بالاستفراغ، ومنه ما علاجه بتناول الغذاء، ومنه ما علاجه بالسُّكون والدَّعة، ومنه ما علاجه بالضَّمادات، ومنه ما علاجه بالتَّبريد، ومنه ما علاجه بالتَّسخين، ومنه ما علاجه بأن يجتنب سماع الأصوات والحركات.
-
إذا عُرِف هذا، فعلاجُ الصُّداع في هذا الحديث بالحنَّاء هو جزئيٌّ، لا كلِّيٌّ؛ وهو علاج نوعٍ من أنواعه. فإنَّ الصُّداع إذا كان من حرارةٍ ملهبةٍ ولم يكن من مادَّةٍ يجب استفراغها نفَع فيه الحنَّاءُ نفعًا ظاهرًا. وإذا دُقَّ وضمِّدت به الجبهةُ مع الخلِّ سكن الصُّداع. وفيه قوَّةٌ موافقةٌ للعصَب إذا ضمِّد به سكَّن أوجاعَه. وهذا لا يختصُّ بوجع الرَّأس بل يعمُّ الأعضاءَ. وفيه قبضٌ يشدُّ به الأعضاء. وإذا ضمِّد به موضعُ الورم الحادِّ الملتهب سكَّنه.
-
وقد روى البخاريُّ في «تاريخه» وأبو داود في «السُّنن» (١) أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شكا إليه أحدٌ وجعًا في رأسه إلا قال له: «احتجِمْ» ، ولا شكا (٢) وجعًا في رجليه إلا قال له: «اختضِبْ بالحنَّاء» .