فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الحمية

١٥ فقرة، ج ٥ ص ١٤٣

  1. الدِّين (٣) كلُّه شيئان: حِمْيةٌ، وحفظُ صحَّة. فإذا وقع التَّخليط احتيج إلى الاستفراغ الموافق. وكذلك مدار الطِّبِّ كلِّه على هذه القواعد الثَّلاثة. والحِمْية: حِمْيتان: حميةٌ عمَّا يجلب المرض، وحميةٌ عمَّا يزيده فيقف على

    ج ٥ ص ١٤٤حاله. فالأولى (١) : حمية الأصحَّاء. والثَّانية: حمية المرضى، فإنَّ المريض إذا احتمى وقف مرضُه عن التَّزايد، وأخذت القوى في دفعه.

    ج ٥ ص ١٤٣
  2. والأصل في الحمية: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (٢) [النساء: ٤٣] . فحمى المريض من استعمال الماء، لأنَّه يضرُّه.

  3. وفي «سنن ابن ماجه» (٣) وغيره عن أمِّ المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعه عليٌّ، وعليٌّ ناقهٌ من مرضٍ، ولنا دوالٍ (٤) معلَّقةٌ. فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يأكل منها، وقام عليٌّ يأكل منها. فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لعلي: «إنَّك ناقهٌ» حتَّى كفَّ. قالت: وصنعتُ شعيرًا وسِلْقًا، فجئتُ به، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعلي: «من هذا أصِبْ، فإنَّه أنفع لك» . وفي لفظٍ (٥) : فقال: «من هذا فأصِبْ، فإنَّه أوفَق لك» .

  4. وفي «سنن ابن ماجه» (١) أيضًا عن صهيب قال: قدمت على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبين يديه خبزٌ وتمرٌ، فقال: «ادنُ فكُلْ» فأخذتُ تمرًا، فأكلت، فقال: «أتأكل تمرًا وبك رمدٌ؟» . فقلت: يا رسول الله أمضُغ من النَّاحية الأخرى. فتبسَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٥ ص ١٤٥
  5. وفي حديثٍ محفوظٍ عنه - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا حماه الدُّنيا (٢) ، كما يحمي أحدكم مريضَه عن الطَّعام والشَّراب» (٣) . وفي لفظٍ: «إنَّ الله يحمي عبده المؤمن الدُّنيا (٤) » (٥) .

  6. وأمَّا الحديث الدَّائر على ألسنة كثيرٍ من النَّاس: «الحمية رأس الدَّواء، والمعدة بيت الدَّاء، وعوِّدوا كلَّ جسد (١) ما اعتاد»، فهذا الحديث إنَّما هو من كلام الحارث بن كَلَدة طبيب العرب (٢) ، ولا يصحُّ رفعه إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٣) . قاله غير واحدٍ من أئمَّة الحديث.

    ج ٥ ص ١٤٦
  7. ويذكر عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أنَّ المعدة حوض البدن، والعروقُ إليها واردةٌ. فإذا صحَّت المعدة صدرت العروق بالصِّحَّة، وإذا سقِمت المعدة صدرت العروق بالسَّقَم» (١) .

    وقال الحارث: رأس الطِّبِّ الحمية (٢) . والحمية عندهم للصَّحيح في المضرَّة بمنزلة التَّخليط للمريض والنَّاقه. وأنفع ما تكون الحمية للنَّاقه من المرض، فإنَّ طبيعته لم ترجع بعد إلى قوَّتها، والقوَّةُ الهاضمةُ ضعيفة، والطَّبيعةُ قابلة، والأعضاءُ مستعدَّة؛ فتخليطُه يوجب انتكاسًا (٣) أصعبَ من ابتداء مرضه.

    ج ٥ ص ١٤٧
  8. واعلم أنَّ في منع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعليٍّ من الأكل من الدَّوالي وهو ناقهٌ أحسنَ

    ج ٥ ص ١٤٨التَّدبير، فإنَّ الدَّوالي أقناءٌ من الرُّطَب تُعلَّق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب، والفاكهةُ تضرُّ بالنَّاقه من المرض لسرعة استحالتها وضعفِ الطَّبيعة عن دفعها، فإنَّها بعدُ لم تتمكَّن قوَّتها، وهي مشغولةٌ بدفع آثار العلَّة وإزالتها من البدن.

  9. وفي الرُّطب خاصَّةً نوع ثقلٍ على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عمَّا هي بصدده من إزالة بقيَّة المرض وآثاره. فإمَّا أن تقف تلك البقيَّة، وإمَّا أن تتزايد. فلمَّا وُضع بين يديه السِّلق والشَّعير أمره أن يصيب منه، فإنَّه من أنفع الأغذية للنَّاقه، فإنَّ في ماء الشَّعير من التَّبريد والتَّغذية والتَّلطيف والتَّليين وتقوية الطَّبيعة ما هو أصلح للنَّاقه، ولا سيَّما إذا طُبِخ بأصول السِّلق. فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعفٌ، ولا يتولَّد عنه من الأخلاط ما يخاف منه.

    وقال زيد بن أسلم: حمى عمر مريضًا له حتَّى إنَّه من شدَّة ما حماه كان يمُصُّ النَّوى (١) .

  10. وبالجملة: فالحمية من أكبر (٢) الأدوية قبل الدَّاء، فتمنع حصولَه. وإذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره.

  11. فصل

    وممَّا ينبغي أن يُعلَم أنَّ كثيرًا ممَّا يُحمى عنه العليل والنَّاقه والصَّحيح، إذا اشتدَّت الشَّهوة إليه، ومالت إليه الطَّبيعة، فتناول منه الشَّيءَ اليسيرَ الذي لا تعجز الطَّبيعة عن هضمه= لم يضُرَّه تناولُه. بل ربَّما انتفع به، فإنَّ الطَّبيعة والمعدة تتلقَّيانه بالقبول والمحبَّة، فيصلحان ما يُخشى من ضرره. وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطَّبيعة وتدفعه من الدَّواء.

    ج ٥ ص ١٤٩
  12. ولهذا أقرَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صهيبًا ــ وهو أرمد ــ على تناول التَّمرات اليسيرة، وعلِم أنَّها لا تضرُّه (١) . ومن هذا ما يروى عن عليٍّ أنَّه دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أرمد، وبين يدي النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تمرٌ يأكله، فقال: «يا عليُّ، تشتهيه؟» . ورمى إليه بتمرةٍ، ثمَّ بأخرى حتَّى رمى إليه سبعًا، ثمَّ قال: «حسبُك يا عليُّ» (٢) .

  13. ومن هذا ما رواه ابن ماجه في «سننه» (١) من حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عاد رجلًا فقال له: «ما تشتهي؟» فقال: أشتهي خبزَ بُرٍّ. وفي لفظٍ: أشتهي كَعْكًا. فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «من كان عنده خبزُ برٍّ فليبعث إلى أخيه» . ثمَّ قال: «إذا اشتهى مريضُ أحدكم شيئًا فليُطعِمه» .

    ج ٥ ص ١٥٠
  14. ففي هذا الحديث سرٌّ طبِّيٌّ لطيفٌ (٢) ،

    فإنَّ المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوعٍ صادقٍ طبيعيٍّ (٣) ، وكان فيه ضررٌ مَّا، كان أنفعَ وأقلَّ ضررًا ممَّا لا يشتهيه، وإن كان نافعًا في نفسه؛ فإنَّ صدقَ شهوته ومحبَّةَ الطَّبيعة له (٤) تدفع

    ج ٥ ص ١٥١ضرره. وبغضُ الطَّبيعة وكراهتُها للنَّافع قد يجلب لها منه ضررًا.

  15. وبالجملة، فاللَّذيذ المشتهى تُقبل الطَّبيعة عليه بعنايةٍ، فتهضمه على أحمد الوجوه، سيَّما عند انبعاث النَّفس إليه بصدق الشَّهوة وصحَّة القوَّة. والله أعلم.