فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده
٦ فقرات، ج ٥ ص ١٦٨
- ج ٥ ص ١٦٨
هذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العلاج وأنفع شيءٍ فيه، وإذا أخطأه الطَّبيب ضرَّ المريضَ من حيث يظنُّ أنَّه ينفعه. ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الأطبَّاء (٢) إلا طبيبٌ جاهلٌ، فإنَّ ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها. وهؤلاء أهل البوادي والأكَّارون وغيرهم لا ينجع فيهم شرابُ النَّيلَوفَر (٣) والورد الطَّريِّ ولا المغالي (٤) ولا يؤثِّر في طباعهم شيئًا، بل عامَّة أدوية أهل الحضر وأهل الرَّفاهة لا تجدي عليهم، والتَّجربة شاهدةٌ بذلك.
- ج ٥ ص ١٦٩
ومن تأمَّل ما ذكرناه من العلاج النَّبويِّ رآه كلَّه موافقًا لعادة العليل وأرضه وما نشأ عليه. فهذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العلاج يجب الاعتناء به. وقد صرَّح به أفاضل أهل الطِّبِّ حتَّى قال طبيب العرب بل أطبُّهم الحارث بن كَلَدة، وكان فيهم كأبقراط في قومه: «الحِمْيَة رأس الدَّواء، والمَعِدةُ بيت الدَّاء، وعوِّدوا كلَّ بدنٍ ما اعتاد» (١) . وفي لفظٍ عنه: «الأَزْم دواءٌ» (٢) . والأَزْم (٣) : الإمساك عن الأكل يعني به الجوع وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائيَّة كلِّها بحيث إنَّه أفضل في علاجها من المستفرِغات إذا لم يخَفْ (٤) من كثرة الامتلاء وهيجان الأخلاط وحدَّتها وغليانها.
-
وقوله: «المعدة بيت الدَّاء» . المعدة: عضوٌ عصبيٌّ مجوَّفٌ، كالقَرْعة في شكله، مركَّبٌ من ثلاث طبقاتٍ مؤلَّفةٍ من شظايا دقيقةٍ عصبيَّةٍ تسمَّى «اللِّيف» ، ويحيط بها لحمٌ وليفٌ: إحدى الطَّبقات بالطُّول، والأخرى بالعرض، والثَّالثة بالوِراب (٥) . وفم المعدة أكثر عَصَبًا، وقعرها أكثر لحمًا،
ج ٥ ص ١٧٠وفي باطنها خَمْلٌ وهي محصورةٌ في وسط البطن، وأميل إلى الجانب الأيمن قليلًا. خلقت على هذه الصِّفة بحكمةٍ (١) لطيفةٍ من الخالق الحكيم سبحانه (٢) .
-
وهي بيت الدَّاء، وكانت محلًّا للهضم الأوَّل. وفيها ينطبخ (٣) الغذاء، وينحدر (٤) منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء. ويتخلَّف منه فيها فضلاتٌ قد عجزت القوَّة الهاضمة عن تمام هضمها، إمَّا لكثرة الغذاء، أو لرداءته، أو لسوء ترتيبٍ في استعماله، أو لمجموع ذلك. وهذه الأشياء بعضها (٥) ممَّا لا يتخلَّص الإنسان منها غالبًا، فتكون المعدة بيت الدَّاء لذلك. وكأنَّه يشير بذلك إلى الحثِّ على تقليل الغذاء، ومنع النَّفس من اتِّباع الشَّهوات، والتَّحرُّز عن الفضلات.
-
وأمَّا العادة، فلأنَّها كالطَّبيعة للإنسان، ولذلك يقال: العادة طبعٌ ثانٍ. وهي
ج ٥ ص ١٧١قوَّةٌ عظيمةٌ في البدن حتَّى إنَّ أمرًا واحدًا إذا قيس إلى أبدانٍ مختلفة العادات كان مختلف النِّسبة إليها، وإن كانت تلك الأبدان متَّفقةً في الوجوه الأُخَر.
-
مثال ذلك أبدانٌ ثلاثةٌ حارَّة المزاج في سنِّ الشَّباب: أحدها عُوِّد تناولَ (١) الأشياء الحارَّة، والثَّاني: عُوِّد تناولَ الأشياء الباردة، والثَّالث عُوِّد تناولَ الأشياء المتوسِّطة. فإنَّ الأوَّل متى تناول عسلًا لم يضرَّ به، والثَّاني متى تناوله أضرَّ به، والثَّالث يضرُّ به قليلًا. فالعادة ركنٌ عظيمٌ في حفظ الصِّحَّة ومعالجة الأمراض، ولذلك جاء العلاج النَّبويُّ بإجراء كلِّ بدنٍ على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك.