خمسة أقسام للأطباء وحكم تضمين كل منهم
٩ فقرات، ج ٥ ص ٢٠٠
- ج ٥ ص ٢٠٠
الأنفس، وأقدم بالتَّهوُّر على ما لم يعلمه؛ فيكون قد غرَّر بالعليل، فيلزمه الضَّمان لذلك.
-
وهذا إجماعٌ من أهل العلم. قال الخطابي (١) : لا أعلم خلافًا في أنَّ المعالج إذا تعدَّى، فتلِفَ المريضُ، كان ضامنًا. والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدٍّ، فإذا تولَّد من فعله التَّلفُ ضمِن الدِّيَة. وسقط عنه القودُ، لأنَّه لا يستبدُّ بذلك دون إذن المريض. وجنايةُ المتطبِّب في قول عامَّة الفقهاء على عاقلته.
قلت: الأقسام خمسة:
أحدها: طبيبٌ حاذقٌ أعطى الصَّنعةَ حقَّها ولم تجنِ يدُه، فتولَّد من فعله المأذونِ من جهة الشَّارع ومن جهةِ مَن يطُبُّه تلفُ العضو أو النَّفس، أو ذهابُ صفةٍ= فهذا لا ضمان عليه اتِّفاقًا، فإنَّها سِرايةُ مأذونٍ فيه. وهذا كما إذا ختَن الصَّبيَّ في وقتٍ وسنٍّ قابلٍ (٢) للختان، وأعطى الصَّنعة حقَّها، فتلفِ العضوُ أو الصَّبيُّ= لم يضمَن. وكذلك إذا بطَّ من عاقلٍ أو غيره ما ينبغي بطُّه، في وقته، على الوجه الذي ينبغي، فتلف به= لم يضمَن.
-
وهكذا سرايةُ كلِّ مأذونٍ فيه لم يتعدَّ الفاعل في سببها، كسِراية الحدِّ بالاتِّفاق، وسرايةِ القصاص عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه الضَّمان بها، وسرايةِ التَّعزير، وضربِ الرَّجل امرأتَه، والمعلِّمِ الصَّبيَّ (٣) .
- ج ٥ ص ٢٠١
واستثنى الشَّافعيُّ ضرب الدَّابَّة.
-
وقاعدة الباب إجماعًا ونزاعًا: أنَّ سراية الجناية مضمونةٌ بالاتِّفاق، وسرايةَ الواجب مهدرةٌ بالاتِّفاق. وما بينهما ففيه النِّزاع: فأبو حنيفة أوجب ضمانه مطلقًا. وأحمد ومالك أهدرا ضمانه. وفرَّق الشَّافعيُّ بين المقدَّر فأهدر ضمانه، وبين غير المقدَّر فأوجب ضمانه. فأبو حنيفة نظر إلى أنَّ الإذن في الفعل إنَّما وقع مشروطًا بالسَّلامة. وأحمد ومالك نظرا إلى أنَّ الإذن أسقط الضَّمانَ. والشَّافعيُّ نظر إلى أنَّ المقدَّر لا يمكن النُّقصان منه فهو بمنزلة النَّصِّ. وأمَّا غيرُ المقدَّر كالتَّعزيرات والتَّأديبات فاجتهاديَّةٌ، فإذا تلف بها ضَمِن لأنَّه في مظنَّة العدوان (١) .
-
فصل
القسم الثَّاني: متطبِّبٌ جاهلٌ باشرت يدُه من يطبُّه، فتلِفَ به= فهذا إن علِم المجنيُّ عليه أنَّه جاهلٌ لا علم له، وأذِن له في طبِّه= لم يضمَن. ولا تخالف هذه الصُّورة ظاهرَ الحديث، فإنَّ السِّياق وقوَّة الكلام يدلُّ على أنَّه غرَّ العليلَ وأوهمه أنَّه طبيبٌ وليس كذلك. وإن ظنَّ المريضُ أنَّه طبيبٌ، وأذِن له في طبِّه لأجل معرفته، ضمِن الطَّبيبُ ما جنت يده. وكذلك إن وصف له دواءً يستعمله والعليل يظنُّ أنَّه وصَفه لمعرفته وحذقه، فتلِفَ به= ضَمِنه. والحديث ظاهرٌ فيه أو صريحٌ.
- ج ٥ ص ٢٠٢
فصل
القسم الثَّالث: طبيبٌ حاذقٌ أُذِن له، وأعطى الصَّنعةَ حقَّها، لكنَّه أخطأت يده، وتعدَّت إلى عضوٍ صحيحٍ، فأتلَفَه؛ مثل أن سبقت يد الخاتن إلى الكَمَرة= فهذا يضمَن لأنَّها جناية خطأ. ثمَّ إن كانت الثُّلث فما زاد، فهو على عاقلته. فإن لم تكن عاقلةٌ، فهل تكون الدِّية في ماله أو في بيت المال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. وقيل: إن كان الطَّبيب ذمِّيًّا ففي ماله، وإن كان مسلمًا ففيه الرِّوايتان. فإن لم يكن بيت مالٍ أو تعذَّر تحميلُه، فهل تسقط الدِّية أو تجب في مال الجاني؟ فيه وجهان أشهرهما: سقوطها (١) .
-
فصل
القسم الرَّابع: الطَّبيب الحاذق الماهر بصناعته، اجتهد فوصَف للمريض دواءً، فأخطأ في اجتهاده، فقتَله. فهذا يخرَّج على روايتين، إحداهما: أنَّ دية المريض في بيت المال. والثَّانية: أنَّها على عاقلة الطَّبيب. وقد نصَّ عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام والحاكم (٢) .
-
فصل
القسم الخامس: طبيبٌ حاذقٌ أعطى الصَّنعة حقَّها، فقطَع سِلْعةً (٣) من