فصل في هديه في السلام

٧ فقرات، ج ٢ ص ٢٩٨

  1. يصلِّي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك، ويدعو بما شاء. ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة (١) ؛

    ج ٢ ص ٢٩٨
  2. فإنَّ كلَّ من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلَّى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - استُحِبَّ له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فَضالة بن عبيد (٢) : «إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم ليدعُ بعدُ ما شاء» ، قال الترمذي: حديث صحيح.

  3. فصل

    ثم كان - صلى الله عليه وسلم - يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك (٣) .

  4. هذا كان فعله الرَّاتب رواه عنه خمسة عشر صحابيًّا، وهم (٤) :

    ج ٢ ص ٢٩٩عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقَّاص، وسهل بن سعد الساعدي، ووائل بن حُجْر، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وعمَّار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمُرة، والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشعري، وطَلْق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رِمْثة، وعدي بن عُمَيرة (١) .

  5. وقد روي عنه أنه كان يسلِّم تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه (٢) ، لكن لم يثبت

    ج ٢ ص ٣٠٠ذلك عنه من وجه صحيح. وأجود ما فيه حديث عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يسلِّم تسليمةً واحدةً: «السلام عليكم» يرفع بها صوته حتى يوقظنا. وهو حديثٌ معلولٌ (١) ، وهو في «السنن» (٢) لكنه كان في قيام الليل. والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض والنفل؛ على أن حديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على التسليمة الواحدة، بل أخبرت أنه كان يسلِّم تسليمةً (٣) يوقظهم بها، ولم تَنْفِ الأخرى، بل سكتت عنها. وليس سكوتها عنها مقدَّمًا على رواية من حفظها وضبطها. وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصحُّ، وكثيرٌ من أحاديثهم صحيحة، والباقي حسانٌ.

    قال أبو عمر بن عبد البرِّ (٤) : روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسلِّم تسليمةً واحدةً من حديث سعد بن أبي وقَّاص، ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس؛ إلا أنها معلولةٌ لا يصحِّحها (٥) أهل العلم بالحديث. ثم ذكر علَّة حديث سعد أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يسلِّم في الصلاة تسليمةً واحدةً (٦) ، وقال: هذا

    ج ٢ ص ٣٠١وهمٌ وغلطٌ، وإنما الحديث: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلِّم عن يمينه وعن يساره» (١) . ثم ساق من طريق ابن المبارك (٢) ، عن مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلِّم عن يمينه وعن شماله (٣) ، كأني أنظر إلى صفحة خدِّه»، فقال الزُّهريُّ: ما سمعنا هذا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال له إسماعيل بن محمد: أكُلَّ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سمعتَه؟ قال: لا. قال: فنصفه؟ قال: لا. قال: فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع! (٤) .

    قال: وأما حديث عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسلم تسليمةً واحدةً فلم يرفعه أحدٌ إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره. وزهير بن محمد ضعيفٌ عند الجميع،

    ج ٢ ص ٣٠٢كثير الخطأ لا يُحتجُّ به. وذُكِر ليحيى بن معين هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما.

    قال: وأما حديث أنس (١) ، فلم يأت إلا من طريق أيوب السَّختياني عن أنس، ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئًا (٢) .

    قال: وقد روي [من] (٣) مرسل الحسن (٤) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانوا يسلِّمون تسليمةً واحدةً.

  6. وليس مع القائلين بالتسليمة غير عمل أهل المدينة. قالوا (٥) : وهو عملٌ قد توارثوه كابرًا عن كابر، ومثله يصحُّ الاحتجاج به، لأنه لا يخفى لوقوعه في كلِّ يوم مرارًا.

  7. وهذه طريقةٌ قد خالفهم فيها سائر الفقهاء، والصواب معهم. والسنن الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تُدفَع ولا تُرَدُّ لعمل أحد (٦) كائنًا من كان. وقد