فصل [في الرقبة، وهل يشترط الإيمان؟]
٧ فقرات، ج ٦ ص ٤٧٧
- ج ٦ ص ٤٧٧
ومنها: أنَّه لا يُجزِئه دفعُ الكفَّارة إلا إلى المساكين، ويدخل فيهم الفقراء كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق، وعمَّم أصحابنا وغيرُهم الحكمَ في كلِّ من يأخذ من الزَّكاة لحاجته، وهم أربعةٌ: الفقراء، والمساكين، وابن السَّبيل، والغارم لمصلحته، والمكاتَب. وظاهر القرآن اختصاصها (١) بالمساكين، فلا يتعدَّاهم.
-
فصل
ومنها: أنَّ الله سبحانه أطلق الرَّقبة هاهنا ولم يُقيِّدها بالإيمان، وقيَّدها في كفَّارة القتل بالإيمان، فاختلف الفقهاء في اشتراط الإيمان في غير كفَّارة القتل على قولين: فشرَطَه الشَّافعيُّ ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه، ولم يشترطه أبو حنيفة ولا أهل الظَّاهر. والَّذين لم يشترطوا الإيمان قالوا: لو كان شرطًا لبيَّنه الله سبحانه، كما بيَّنه في كفَّارة القتل، بل نُطلِق ما أطلقه، ونُقيِّد ما قيَّده، فنعمل بالمطلق والمقيَّد. وزادت الحنفيَّة أنَّ اشتراط الإيمان زيادةٌ على النَّصِّ، وهي نسخٌ، والقرآن لا يُنسَخ إلا بالقرآن أو خبرٍ متواترٍ.
قال الآخرون ــ واللَّفظ للشَّافعيِّ (٢) ــ: شرَطَ الله سبحانه في الرقبة في القتل مؤمنةً، كما شرط العدل في الشَّهادة، وأطلق الشُّهود في مواضع، فاستدللنا على أنَّ ما أُطلق على معنى ما شُرِط، وإنَّما ردَّ الله زكواتِ المسلمين على المسلمين لا على المشركين، وفرض الله الصَّدقاتِ، فلم تجز إلا لمؤمن، وكذلك ما فَرضَ من الرِّقاب لا يجوز إلا لمؤمن.
- ج ٦ ص ٤٧٨
فاستدلَّ الشَّافعيُّ بأنَّ لسان العرب يقتضي حمْلَ المطلق على المقيَّد إذا كان من جنسه، فحَملَ عرْفَ الشَّرع على مقتضى لسانهم.
- وهاهنا أمران:
-
أحدهما: أنَّ حمل المطلق على المقيَّد بيانٌ لا قياسٌ.
-
الثَّاني: أنَّه إنَّما يُحمَل عليه بشرطين، أحدهما: اتِّحاد الحكم، والثَّاني: أن لا يكون للمطلق (١) إلا أصلٌ واحدٌ. فإن كان بين أصلين مختلفين لم يُحمَل إطلاقه على أحدهما إلا بدليلٍ بعينِه (٢) .
قال الشَّافعيُّ: ولو نذر رقبةً مطلقةً لم تُجزِئه إلا مؤمنةٌ. وهذا بناءً على هذا الأصل، وأنَّ النَّذر محمولٌ على واجب الشَّرع، وواجب العتق لا يتأدَّى إلا بعتق المسلم. وممَّا يدلُّ على هذا: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمن استفتى في عتق رقبةٍ منذورةٍ: ائْتِني بها، فسألها أينَ اللَّه؟ فقالت: في السَّماء، فقال: «من أنا؟» ، فقالت: أنت رسول اللَّه، فقال: «أَعتِقْها فإنَّها مؤمنةٌ» (٣) . قال الشَّافعيُّ (٤) : فلمَّا وَصَفَت الإيمانَ أمر بعتقها. انتهى.
-
وهذا ظاهرٌ جدًّا أنَّ العتق المأمور به شرعًا لا يُجزِئ إلا في رقبةٍ مؤمنةٍ، وإلَّا لم يكن للتَّعليل بالإيمان فائدةٌ، فإنَّ الأعمَّ متى كان علَّةً للحكم كان الأخصُّ عديمَ التَّأثير.