حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اللعان
١٨ فقرة، ج ٦ ص ٤٩٥
- ج ٦ ص ٤٩٥
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ} [النور: ٦ - ٩] .
-
وثبت في «الصَّحيحين» (١) من حديث سهل بن سعدٍ: أنَّ عُويمرًا العجلاني قال لعاصم بن عدي: أرأيتَ لو أنَّ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فسَلْ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائلَ وعابَها، حتَّى كبُرَ على عاصم ما سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثمَّ إنَّ عُويمرًا سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «قد نزلَ فيك وفي صاحبتِك قرآن؛ فاذهبْ فأْتِ بها» ، فتلاعنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا فرغا قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها. فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال الزُّهريُّ: فكانت تلك سنَّةَ المتلاعنينِ.
قال سهل (٢) : وكانت حاملًا، فكان ابنها [يُدعَى] (٣) إلى أمِّه، ثمَّ جرت السُّنَّة أن يرِثَها وترِثَ منه ما فرض الله لها.
-
وفي لفظٍ (٤) : فتلاعنا في المسجد، ففارقها عند النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النَّبيُّ
ج ٦ ص ٤٩٦- صلى الله عليه وسلم -: «ذاكم التَّفريقُ بين كلِّ متلاعنينِ» .
-
وقول سهل: وكانت حاملًا إلى آخره، هو عند البخاريِّ من قول الزُّهريِّ (١) .
-
وللبخاريِّ (٢) : ثمَّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «انظروا، فإن جاءت به أسحَم أدعجَ العينين عظيمَ الأَلْيتين خَدَلَّج السَّاقين (٣) ، فلا أحسبُ عويمرًا إلا قد صدقَ عليها، وإن جاءت به أُحيمِرَ كأنَّه وَحَرَةٌ (٤) ، فلا أحسبُ عويمرًا إلا قد كذبَ عليها». فجاءت به على النَّعت الذي نعتَ (٥) رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من تصديق عويمر.
-
وفي لفظٍ (٦) : «وكانت حاملًا فأنكرَ حمْلَها» .
-
وفي «صحيح مسلم» (٧) من حديث ابن عمر أنَّ فلان بن فلانٍ قال: يا رسول اللَّه، أرأيتَ لو وجدَ أحدنا امرأته على فاحشةٍ كيف يصنع؟ إن تكلَّم تكلَّم بأمر عظيمٍ، وإن سكت سكت على مثل ذلك (٨) ؟ فسكت النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
ج ٦ ص ٤٩٧فلم يُجِبه. فلمَّا كان بعد ذلك أتاه فقال: إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابتُلِيتُ به، فأنزل الله عزَّ وجلَّ هؤلاء الآيات في سورة النُّور: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [٦ - ٩] ، فتلاهنَّ عليه ووعظَه وذكَّره، وأخبره أنَّ عذاب الدُّنيا أهونُ من عذاب الآخرة، قال: لا والَّذي بعثك بالحقِّ ما كذبتُ عليها. ثمَّ دعاها فوعظها وذكَّرها وأخبرها أنَّ عذاب الدُّنيا أهونُ من عذاب الآخرة، قالت: لا والَّذي بعثك بالحقِّ إنَّه لكاذبٌ. فبدأ بالرَّجل، فشهد أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقين، والخامسة أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثمَّ ثنَّى بالمرأة، فشهدتْ أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الكاذبين، والخامسة أنَّ غضبَ الله عليها إن كان من الصَّادقين. ثمَّ فرَّق بينهما.
-
وفي «الصَّحيحين» (١) عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمتلاعنين: «حسابُكما على الله، أحدكما كاذبٌ، لا سبيلَ لك عليها» . قال: يا رسول الله، مالي؟ قال: «لا مالَ لك، إن كنتَ صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كذبتَ عليها فهو أبعدُ لك منها» .
-
وفي لفظٍ لهما (٢) : فرَّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المتلاعنين وقال: «والله [يعلم] (٣) أنَّ أحدكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟».
-
وفيهما (٤) عنه: أنَّ رجلًا لاعنَ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففرَّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وألحقَ الولدَ بأمِّه.
- ج ٦ ص ٤٩٨
وفي «صحيح مسلم» (١) من حديث ابن مسعودٍ في قصَّة المتلاعنين: فشهد الرَّجل أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقين، ثمَّ لعن الخامسة أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبتْ لِتلْتَعِن (٢) ، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَهْ» ، فأبتْ فلعنتْ. فلمَّا أدبر (٣) قال: «لعلَّها أن تجيءَ به أسودَ جَعْدًا» . فجاءت به أسودَ جَعْدًا.
-
وفي «صحيح مسلم» (٤) من حديث أنس بن مالكٍ: أنَّ هلال بن أمية قذفَ امرأته بشَرِيك ابن سَحْماء، وكان أخا البراء بن مالكٍ لأمِّه، فكان أوَّلَ رجلٍ لاعنَ في الإسلام، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أبصِرُوها، فإن جاءت به أبيضَ سَبِطًا (٥) قَضِيءَ العينين (٦) فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقين (٧) فهو لشَرِيك ابن سَحْماء». قال: فأُنبِئتُ أنَّها جاءت به أكحلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقين.
-
وفي «الصَّحيحين» (٨) من حديث ابن عبَّاسٍ نحو هذه القصَّة، فقال له رجلٌ: أهي المرأة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو رجمتُ أحدًا بغير بيِّنةٍ
ج ٦ ص ٤٩٩لرجمتُ هذه؟»، فقال ابن عبَّاسٍ: لا، تلك امرأةٌ كانت تُظهِر في الإسلام السُّوءَ.
-
ولأبي داود (١) في هذا الحديث (٢) : ففرَّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وقضى أن لا يُدعى ولدُها لأبٍ، ولا تُرمى ولا يُرمى ولدُها، ومن رماها ورمى ولدَها فعليه الحدُّ، وقضى أن لا بيتَ لها عليه ولا قُوتَ، من أجل أنَّهما يتفرَّقان من غير طلاقٍ، ولا متوفًّى عنها. وفي القصَّة: قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وما يُدعى لأبٍ.
-
وذكر البخاريُّ (٣) أنَّ هلال بن أمية قذفَ امرأته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بشَرِيك ابن سَحْماء، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «البيِّنة أو حدٌّ في ظهرك» ، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيِّنة؟ فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «البيِّنة وإلَّا حدٌّ في ظهرك» ، فقال الرجل: والَّذي بعثك بالحقِّ إنِّي لصادقٌ، وليُنزِلنَّ الله ما يُبرِّئ ظهري من الحدِّ. فنزل جبريل، وأَنزل عليه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... } الآيات، فانصرف النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - [فأرسلَ] (٤) إليها، فجاء هلال فشهد، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الله يعلم أنَّ أحدكما كاذبٌ، فهل
ج ٦ ص ٥٠٠منكما تائبٌ؟»، [ثم قامت] (١) فشهدت، فلمَّا كانت عند الخامسة وقَّفوها وقالوا: إنَّها مُوجِبةٌ. قال ابن عبَّاسٍ: فتلكَّأتْ ونَكصَتْ حتَّى ظننَّا أنَّها ترجع، ثمَّ قالت: لا أفضَحُ قومي سائرَ اليوم، فمضَتْ. فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أبصِرُوها، فإن جاءت به أكحلَ العينين سابغَ الأَلْيتينِ خَدَلَّجَ السَّاقين فهو لشَرِيك ابن سَحْماء» ، فجاءت به كذلك، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لولا ما مضى من كتاب الله كان لي ولها شأنٌ» .
-
وفي «الصَّحيحين» (٢) أنَّ سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيتَ الرَّجل يجد مع امرأته رجلًا أيقتله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا، فقال سعد: بلى والَّذي أكرمَكَ (٣) بالحقِّ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسمعُوا إلى ما يقول سيِّدكم» .
-
وفي لفظٍ آخر (٤) : يا رسولَ اللَّه، إن وجدتُ مع امرأتي رجلًا أُمهِلُه حتَّى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم» .
-
وفي لفظٍ آخر (٥) : لو وجدتُ مع أهلي رجلًا لم أَهِجْهُ حتَّى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم» ، قال: كلَّا والَّذي بعثك بالحقِّ (٦) ، إن كنتُ لأعاجلُه بالسَّيف قبل ذلك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسمعُوا إلى ما يقول