[الحرب بين عبس وذبيان]

9 paragraphs · vol. 14, p. 165

  1. وقومي بك، ثم جمع الربيع بني عبس وحلفاءهم من بني عبد الله بن غطفان، فلما بلغ ذلك حذيفة أغار على بني عبس فقتل رجالا، ثم سارت فزارة بجماعتها وعليها حذيفة إلى بني عبس فالتقوا بالمريقب فقتل جندب بن خلف العبسي عوف بن بدر، ويقال قتله أرطاة أحد بني مخزوم من عبس، وقتل عنترة ضمضما أبا الحصين، وهرم ابني ضمضم اللذين ذكرهما عنترة، وكانا يشتمانه ويتواعدانه حتى قتل أباهما ضمضما.

    vol. 14, p. 165
  2. وروي أن حذيفة أسر في هذا اليوم فخلى الربيع سبيله وأرضاه بعقل عوف أخيه، واصطلح الحيان، ثم أن حذيفة ندم على الصلح وقال:

    لا أمضيته، وشمر في حرب بني عبس، فركب إليه الربيع فقال له: ارض بقتلنا عوفا بمالك بن زهير وأن يكون بوءا به (١) ، وردّ علينا إبلنا التي عقلنا بها عوفا، وركب إليه قيس وعمارة بن زياد فسألاه مثل ذلك، ويقال انهما سألاه هذا عن رسالة الربيع، وان ربيعا لم يركب إليه فأبى فقال له بيهس بن غراب الفزاري: ما تريد من القوم يا حذيفة، بدأت قومك بالبغي والقطيعة، سبقوك فلم تعطهم، سبقتهم ثم أغرت على إبلهم، وقد ودي مالك بن حذيفة، وقتلوا بمالك بن زهير عوفا، وما عوف بخير من مالك، فأراد إمضاء الصلح حتى قدم عليه سنان بن أبي حارثة المري، فيقال إنه أفسد حذيفة، فقال حذيفة: إني قتلت مالكا بابني مالك، وعوف بن بدر فضل، فأرد الإبل التي أخذتها، وأقيم الحرب، وأغلظ سنان لبني عبس وكان يكره صلحهم، وقدمت جماعة من أهل يثرب للإصلاح بين الحيين:

    عمرو بن الإطنابة، وأحيحة بن الجلاح، وقيس بن الخطيم، وأبو قيس بن

    vol. 14, p. 166الأسلت وكعب اليهودي، فقال قيس: إني لا آكل لمالك ثمنا، ولا أقبل به إلا حملا أو حذيفة فانصرفوا، وقال أحيحة:

    إن يكن ما أرى حذيفة يأتي … هـ سدادا فلا رأيت سدادا

    وأرى الغيّ ما يقول أخوه حم … ل والفساد يدعو الفسادا

    وقد قيل إن سنانا أشار بالصلح، فكان حذيفة يتلوّن عليه، وكان أهوج مقداما لا يثبت على رأي، وذلك أثبت.

    قالوا: وتجمع بنو ذبيان، وأغاروا على بني عبس، فلم يصنعوا شيئا، فغزتهم بنو عبس، وعليهم الربيع فهزمت بنو عبس، واتبعهم بنو ذبيان، وكانت وقعتهم بذي حسي، بقرب اليعمرية (١) ، ولحق حمل بن بدر زبان بن الأسلع فأخذه وأتى به حذيفة، فقال له حذيفة: ادفع إليّ ابنيك وابني أخيك عمرو بن الأسلع ليكونوا عندي رهينة عنك فلا تقاتلني بعدها، فقال: أعطيك الحبيبين؟ قال: أي والله وإلا قتلتك. فأعطاه العهود والمواثيق ليأتينه بهما وبابني أخيه، فلما صار إلى بني عبس نهاه قيس عن دفعهم إلى حذيفة، قال: فكيف أصنع بعهدي وميثاقي والله لا خست به، فانطلق بالأربعة إلى حذيفة وقال: قد وفيت لك فادفع الغلمة إلى أخوالهم ليكونوا عندهم، وكانت أم ابنيه ابنة مالك بن سبيع الثعلبي، وأم ابني أخيه من بني جحاش، فأما بنو جحاش فمنعوا ابني أخيه، وأما مالك بن سبيع فدفع ابنيه إلى حذيفة فأمر أخاه حملا أن يأخذ بأرجلهما فيضرب بهما عراقيب الإبل حتي يقتلهما ففعل، وجعلا يقولان: يا أبتاه، حتى ماتا.

  3. وفي رواية أخرى أن بني فزارة لما لحقوا بني عبس قالوا لهم: أتقتلون أم تقيدون؟ فقال قيس للربيع: هم أكثر منا، ولن نستطيع قتالهم، ولكنا نعطيهم رهائن من أبنائنا، فإنهم لا يقتلون الصبيان، وإن قتلوهم كان ذلك أيسر من قتل الآباء، فندفعهم عنا حتى ينقطع الأمر بيننا وبينهم فيما يريدون من أموالنا، ونعدّ لهم بعد ذلك على مهل، قال الربيع: بل نحاربهم.

    vol. 14, p. 167
  4. فصدّه قيس عن ذلك فقال الربيع:
  5. حرّق قيس عليّ البلاد … حتى إذا اشتعلت أجذما

    جريرة حرب جناها فما … تعرج عنه وما أسلما

    عطفنا وراءك فرساننا … وقد مال سرجك واستقدما

    في أبيات.

  6. فدفعوا إليهم عدة غلمان فجعلوا عند سبيع بن عمرو، وهلك سبيع فلم يزل حذيفة يخدع مالك بن سبيع حتى دفعهم إليه، فأتى بهم اليعمرية، فقتلهم بالنبل، فحشدت بنو عبس والتقوا باليعمرية. فقتل زياد بن الأسلع يزيد بن حذيفة، ويقال قتله قيس، وولت بنو ذبيان، فأدرك زبّان حميد بن الحارث بن بدر فصرعه، وشد الحكم بن مروان بن زنباع بن جذيمة على مالك بن سبيع فقتله، وقتل ورد أبو عروة الصعاليك هرم بن ضمضم في عدة آخرين، وذلك الثبت.

  7. وقتل مالك بن ظويلم العبسي وورد قاتل هرم، ثم انحدرت فزارة وعبس إلى ذي بقر، فاقتتلوا وحمل قيس بن زهير على مالك بن بدر فقتله، وانهزمت بنو فزارة.

  8. ولما قتل مالك بن بدر ويزيد بن حذيفة، جمع حذيفة بني فزارة وأسد

    vol. 14, p. 168وغطفان وأشجع، واحتشدت عبس، وسبق بنو عبس إلى ماء العقبة فجعلوه وراء ظهورهم. ومشت السفراء بين ذبيان وعبس، وعرضوا عليهم الصلح. فأبى ذلك حذيفة، وقال: لا والله أو أشرب من ماء العقبة، فقال قيس: هذه منه مكيدة وخدعة إنما يريد الغلبة على الماء، وقال حمل لأخيه:

    قد شمئتنا، والذي يعرض عليك القوم خير من القتل، وأتي بماء العقبة فشربه تبرّة بيمينه وانصرفوا ذلك اليوم وهم على الصلح، فسمع حذيفة امرأته تبكي يزيد ابنه في جوف الليل وهي تقول:

    أيقتل واحدي قيس ونرضى … بعقل النّاب منه والفصيل

    وتلبس يا حذيفة ثوب عار … وخزي ما حييت فما تقول

    فأسف حذيفة، وأغار على بني عبس. ثم جمع لهم وجمعوا له فلما صارت بنو ذبيان ببعض أرض الشرية وجدوا أموال عبس ونسلهم هناك وقد قدّمها قيس والربيع للمكيدة ليشتغل بها القوم ثم يكرون عليهم، فلما رأوها لا دافع عنها أكبّوا عليها فأخذ حمل بن بدر ابنة الشريد، وهي أم قيس بن زهير فرمت بنفسها فماتت، ثم عكر العبسيون فتقاتلوا دون الهباءة وذلك في يوم قائظ شديد الحر، ثم حجز بينهم الحر، فتراجع بعضهم عن بعض، وأصبحوا فاقتتلوا ثم تحاجزوا فقال قيس بن زهير: عليكم بالهباءة وهي بئر، ويقال بركة فلنتّخذنّ مصفّراته مستنقعا فيها، فقصدوا للهباءة، فأتى حذيفة رباياه وكان فيهم فيما يقال عيينة بن حصن وهو يومئذ غلام فقالوا: قد أتتك بنو عبس وكان مستنقعا في الجفر أو البركة. ومعه في الماء حمل بن بدر، وعدة من بني ذبيان فلم ينقض الكلام حتى وقف قيس على شفير الجفر وهو يقول: لبيكم لبيكم، للصبية الذين قتلهم حذيفة، فقال حمل:

    vol. 14, p. 169نشدتك الرحم يا قيس. فقال: لبيكم لبيكم ونهر حملا أخوه وشتمه وقال:

    إياك والمأثور من الكلام، فذهبت مثلا. فقتل حمل بن بدر وجاء قرواش العبسي وكان حذيفة رباه فظن أن لن يقدم عليه فنزع له بمعبلة فأثبتها في صلبه، وابتدره الحارث بن زهير بن جذيمة وعمرو بن الأسلع فضرباه بسيفيهما فقتلاه، وأخذ الحارث سيف حذيفة، وأخذ جميع من كان في الجفر ورجعوا إلى نسائهم وأموالهم فجمعوها ودفن قيس أمه.

    وقال أبو المهدي: لما صار حذيفة إلى الهباءة أمن الطلب، وقد سرح بنو ذبيان خيلهم في أجمة، وبعثت بنو عبس من استنفض خبرهم، فلما وقف الربيع وقيس على حذيفة وحمل ومن معهما جعل حذيفة يرغّب لهم، والربيع يقول له: زدنا يا أبا شريح، فقال له حمل: دع المأثور من الكلام أي الذي يؤثر عنك عيبه، القوم قاتلوك، وكانت بنو عبس تقول حين قتل مالك بن بدر: مالك بمالك، ودية بعد ذلك، وقال الشاعر:

    يا عين بكيّ مالكا ومالكا … وفارس الهباءة المعاركا

    وحملا عزّ علينا هالكا

    فقتل قيس حذيفة وقتل الحارث حملا وأخذ سيفه، وهو سيف مالك بن زهير، وقتلوا بني بدر إلا حصن بن حذيفة، وقوم يقولون: إن مالكا قتل يوم الهباءة، والأول أثبت.

  9. وكان عنترة ممن قتل أهل الهباءة.

    قالوا: ونظر قيس إلى تماضر مقتولة فدفنها.

    وقال عمرو بن الأسلع:

    إن السماء وإن الريح شاهدة … والله يشهد والإنسان والبلد

    vol. 14, p. 170أني جزيت بني بدر ببغيهم … على الهباءة قتلا ما له قود

    لما التقينا على أرجاء حمّتها … والمشرفية في أيماننا تقد

    علوته بحسام ثم قلت له … خذها حذيف فأنت السيد الصمد

    قال: ومثلوا بحذيفة فقطعوا مذاكيره ودسوها في فمه، وجعلوا لسانه في استه.

    وقال عقيل بن علفة المري يهجو عويف القوافي:

    ويوقد عوف للعشيرة ناره … فهلاّ على جفر الهباءة أوقدا

    وإن على جفر الهباءة هامة … تنادي بني بدر وعارا مخلدا

    وعض على أير حذيفة بعد ما … أبير على جفر الهباءة أسودا

    وقال قيس بن زهير:

    أقام على جفر الهباءة خير ميت … وأكرمه حذيفة ما يريم

    ولولا ظلمه ما زلت أبكي … عليه الدهر ما طلع النجوم

    ولكن الفتى حمل بن بدر … بغى والبغي منقصة وشوم

    أظنّ الحلم دل على قومي … وقد يستجهل الرجل الحليم

    ألاقي من رجال منكرات … فأنكرها وما أنا بالظلوم

    ومارست الرجال ومارسوني … فمعوج عليّ ومستقيم

    واستصغر عيينة بن حصن فخلّوه.

    وقال قيس بن زهير أيضا:

    شفاني السيف من حمل بن بدر … وسيفي من حذيفة قد شفاني

    وإن أك قد شفيت بهم غليلي … فلم أقطع بهم إلا بناني (١)