أمر مصر في خلافة علي ومقتل محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة رضي الله عنهم

24 paragraphs · vol. 4, p. 159

  1. ومحمد بن أبي حذيفة رضي الله عنهم

    قال أبو مخنف وغيره: استشهد أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم اليمامة وترك ابنه محمد بن أبي حذيفة، فكفله عثمان بن عفان ومانه (١) وأحسن تربيته، وكان محمد بن أبي حذيفة قد تنسك وأقبل على العبادة وذلك بعد أن حدّه عثمان في الشراب فيما يقال، فقال لعثمان: إني قد رغبت في غزو البحر؛ فاذن لي في إتيان مصر. فأذن له، فلما قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وأعظموه ومالوا إليه، وكان خروجه إليها مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي - أو بعده في السنة التي شخص عبد الله فيها - وغزا محمد بن أبي حذيفة في البحر مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح في سنة أربع وثلاثين، فصلى ابن سعد بن أبي سرح يوما؛ فكبّر محمد بن أبي حذيفة من خلفه تكبيرة أفزعته فنهاه وقال: إنك حدث أحمق ولولا ذلك لقاربت (٢) بين خطاك وكان ابن أبي حذيفة يعيبه ويعيب عثمان بتوليته إياه، ويقول: استعمل عثمان رجلا أباح

    vol. 4, p. 160رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح ونزل فيه ﴿وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ (١) وكان محمد بن أبي بكر شخص إلى مصر، مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فكان يعين ابن أبي حذيفة على ذلك ويساعده عليه، فكتب عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان بن عفان يشكوهما ويذكر أنهما قد انغلا عليه المغرب وافسداه، فقال عثمان: اللهم إني ربيته رحمة له وصلة لقرابته حتى لقد كنت أنكت المخ فأخصّه به دون نفسي وولدي.

    vol. 4, p. 159
  2. وكتب إلى ابن سعد في جواب ما كتب إليه: «أما محمد بن أبي بكر فإنه يوهب لأبي بكر ولعائشة أم المؤمنين، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وتربيتي وهو فرخ قريش» . فكتب إليه ابن أبي سرح: «إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلا أن يطير» . فبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم، ويحمل إليه كسوة، فأمر بذلك أجمع فوضع في المسجد، ثم قال: يا معشر المسلمين، ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه، فازداد أهل مصر طعنا على عثمان رضي الله تعالى عنه، وإعظاما لابن أبي حذيفة، واجتمعوا إليه فبايعوه على رئاستهم، فكتب إليه عثمان يذكره برّه به وتربيته إياه، وقيامه بشأنه، ويقول له: «إنك كفرت إحساني أحوج ما كنت إليّ بشكرك ومكافاتك» فلم يزل ابن ابي حذيفة يحرّض أهل مصر، ويؤلبهم على عثمان حتى سرّبهم إلى المدينة، فاجتمعوا عليه مع أهل المصرين، وكانوا أشدّهم في أمره، وشخص محمد بن أبي بكر معهم، فلما حوصر عثمان وثب محمد بن أبي حذيفة على عبد الله بن سعد، فطرده عن مصر؛ وصلى بالناس

    vol. 4, p. 161وتولى أمر مصر.

  3. فصار عبد الله بن سعد إلى فلسطين ثم لحق بمعاوية، ثم إنه صار بعد ذلك إلى إفريقية فقتل بها. ويقال: مات بفلسطين وكان قد أقام بها، وكان موته في آخر خلافة علي.

  4. وبويع علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان رضي الله عنهما فولّى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري مصر، وكان رجلا جوادا أريبا، فقال ابن أبي سرح: أبعد الله ابن أبي حذيفة؛ بغى على ابن عمّه وسرّ (١) أهل بيته وسعى عليه حتى وليّ بعده من لم يمتّعه بسلطان بلده حولا ولا شهرا ولم يره لذلك أهلا.

  5. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف لوط بن يحيى في اسناده قال:

    لما بويع علي دعا قيس بن سعد الأنصاري فولاه المغرب، فشخص إلى مصر ومعه أهل بيته حتى دخلها فقرأ على أهها كتابا من علي إليهم، ذكر فيه محمدا ﷺ وما خصّه الله به من نبوته، وأنزل عليه من كتابه، اكرم به المؤمنين من أتباعه، ثم ذكر أبا بكر وعمر؛ فوصف فضلهما وعدلهما وحسن سيرتهما وعلمهما وترحم عليهما. قال: «ثم وليّ بعدهما وال أحدث أحداثا، وجد الناس بها عليه مقالا، فلما نقموا غيّروا، ثم جاؤوني فبايعوني فاستهدي الله بالهدى واستعينه على التقوى» ، وأعلمهم توليته قيس بن سعد بن عبادة لما ظن عنده من الخير، ورجا من قصده وايثاره الحق في أموره، وتقدمه إليه في العدل والإحسان، والشدة على المريب، والرفق بالخاصة والعامة، وأمرهم

    vol. 4, p. 162بموازرته، ومكانفته، ومعاونته على الحق والعمل به.

  6. فقام الناس فبايعوا عليا، واستقاموا لقيس إلا رجلا يقال له: يزيد بن الحارث، وكان معتزلا في قرية هناك، فبعث إلى قيس: إنا لا نبايعك ولا ننتزي عليك في سلطانك، فابعث عاملك فإن الأرض أرضك، ولكنا نتوقف حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس.

  7. ووثب مسلمة بن مخلد الساعدي من الأنصار؛ فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه، فأرسل إليه قيس ويحك أعليّ تثب؟ فو الله ما أحبّ أن أقتلك ولي ملك مصر والشام. فكفّ، فتاركه، وجبى قيس الخراج وليس أحد ينازعه.

  8. وسار علي إلى الجمل، وقيس بمصر، وصار من البصرة إلى الكوفة وهو بمكانه، فكان أثقل خلق الله على معاوية، فكتب إليه قبل خروجه إلى صفين: «إنكم نقمتم على عثمان إثرة رأيتموها وأشياء سوى ذلك أنكرتموها، وأنتم تعلمون أن دمه لم يكن لكم حلالا، فركبتم عظيما وجئتم أمرا إدّا، فأما صاحبك فقد استيقنّا أنه الذي ألّب الناس عليه وأغراهم به وحملهم على قتله، فهو ينتفي من ذلك مرة ويقرّ به أخرى» . ودعاه إلى الطلب بدم عثمان، فكتب إليه قيس: «قد فهمت كتابك، وأما قتل عثمان فإني لم أقاربه ولم أتّطف به، وأما صاحبي فلم أطلع منه على ما ذكرت، وأما ما دعوتني إليه فإن لي فيه نظرا وفكرة، وأنا كاف ولن يأتيك عني شيء تكرهه» .

  9. ثم كتب إليه معاوية كتابا آخر؛ فأجابه قيس عنه ولم يقاربه فيما أراد من الالتواء على عليّ؛ والطلب بدم عثمان، فكتب إليه معاوية: «يا يهودي بن

    vol. 4, p. 163اليهودي». فأجابه قيس: «يا وثن بن الوثن، دخلتم في الإسلام كارهين، وخرجتم منه طائعين» .

  10. فلما يئس منه؛ كتم ما كتب به إليه وأظهر أن قيسا قد أجابه إلى المبايعة، ومتابعته على ما أراد، والدخول معه في أمره، فكتب على لسانه:

    «للأمير معاوية؛ من قيس بن سعد، أما بعد فإن قتل عثمان كان حدثا في الإسلام عظيما. وقد نظرت لنفسي وديني فلم أره يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برّا تقيا، فنستغفر الله لذنوبنا ونسأله العصمة لديننا، وقد ألقيت إليك بالسلم، وأجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم» .

  11. فشاع في الناس ان قيسا قد صالح معاوية وسالمه، وسار به الركبان إلى العراق؛ وبلغ ذلك عليا، فاستشار عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في أمره فأشار عليه بعزله، فإنه ليروّي في ذلك، ويصدّق بما بلغه مرة، ويكذّب أخرى، حتى ورد عليه كتاب من قيس بخبر الكناني وأهل القرية التي هو فيها، وبخبر ابن مخلد، وما رأى من متاركتهم والكف عنهم. فقال له ابن جعفر: مره يا أمير المؤمنين بقتالهم لتعرف حاله في مواطاة القوم على ما تركوا من بيعتك، ويصح لك حق ما بلغك أو غير ذلك، ففعل وكتب إليه بذلك، فأجابه قيس: «إني قد عجبت من سرعتك إلى محاربة من أمرتني بمحاربته من عدوك، ومتى فعلت ذلك لم آمن أن يتساعد أعداؤك ويترافدوا ويجتمعوا من كل مكان فيغلظ الأمر، وتشتدّ الشوكة» .

    فقال له ابن جعفر: ألم يصح لك الآن الأمر؟ فولّ محمد بن أبي بكر، مصر يكفك أمرها، واعزل قيسا فإنه بلغني انه يقول: إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء - وكان ابن جعفر أخا محمد بن أبي بكر

    vol. 4, p. 164لأمه أسماء بنت عميس تزوجها جعفر ثم خلف عليها أبو بكر - فعزل قيسا وولّى محمدا، فلما ورد محمد مصر؛ غضب قيس وقال: والله لا أقيم معك طرفة عين، وانصرف إلى المدينة، وقد كان مرّ في طريقه برجل من بني القين فقراه وأحسن ضيافته وأمر له بأربعة آلاف درهم فأبى أن يقبلها وقال: لا آخذ لقراي ثمنا. وكان قيس أحد الأسخياء الأجواد.

  12. فلما ورد المدينة أتاه حسّان بن ثابت شامتا - وكان عثمانيا - فقال له:

    نزعك عليّ وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم ولم يحسن لك الشكر؛ فقال له: يا أعمى القلب والعين لولا أن أوقع بين قومي وقومك شرّا لضربت عنقك؛ اخرج عني. وكان حسان من بني النجار من الخزرج.

  13. ثم ان قيس بن سعد؛ خرج وسهل بن حنيف جميعا حتى قدما على عليّ بالكوفة؛ فخبره الخبر وصدقه، وشهد معه صفين، وشهدها سهل أيضا.

  14. ولما قدم محمد بن أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - مصر قرأ عهده على أهلها؛ ونسخته.

  15. «هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين؛ إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر، أمره بتقوى الله وطاعته في خاص أمره وعامه، سره وعلانيته، وخوف الله ومراقبته في المغيب والمشهد، وباللين للمسلم والغلظة على الفاجر، وانصاف المظلوم، والتشديد على الظالم، والعفو عن الناس والإحسان [إليهم] ما استطاع فإن الله يجزي المحسنين، ويثيب المصلحين.

  16. وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كان يجبى عليه من قبل، ولا ينقص منه ولا يبتدع فيه.

  17. وأمره أن يلين حجابه ويفتح بابه، ويواسي بين الناس في مجلسه ووجهه

    vol. 4, p. 165ونظره، وأن يحكم بالعدل ويقيم القسط ولا يتّبع الهوى ولا يأخذه في الله لومة لائم».

  18. وكتب عبيد الله بن أبي رافع.

    قالوا: وكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية: «من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر - وبعضهم يقول: العاوي، والغاوي أثبت - سلام على أهل طاعة الله ممن هو سلم لأهل ولاية الله.

  19. أما بعد فإن الله بجلاله وقدرته وعظمته خلق خلقا بلا ضعف كان منه، ولا حاجة به إلى خلقه، ولكنه خلقهم عبيدا وجعل منهم شقيا وسعيدا وغويّا ورشيدا، ثم اختارهم بعلمه واصطفاهم بقدرته فانتحل منهم وانتجب محمدا ﷺ ، فبعثه رسولا وهاديا ودليلا ونذيرا وبشيرا وسراجا منيرا، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أول من أجاب وأناب ووافق وأسلم وسلّم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب، فصدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم، ووقاه كل هول. واساه بنفسه في كل حال وحارب حربه وسالم سلمه، حتى برز سابقا لا نظير له ممن اتبعه، ولا مشارك له في فضله، وقد أراك تساميه وأنت أنت، وهو السابق المبرّز في كل خير، أطيب الناس ذرية وأفضل الناس زوجة، وخير الناس ابن عم، أخوه الشاري نفسه يوم مؤتة، وعمه سيد الشهداء يوم أحد، وأبوه الذاب عن رسول الله ﷺ ، وأنت اللعين بن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله ورسوله الغوائل، وتحالفان عليه القبائل، وتبذلان فيه المال، وتحالفان فيه الرجال، على ذلك مات أبوك، وعليه خلفته وأنت، والشاهد عليه من تؤوي وتلحي من رؤوس أهل النفاق وبقية الأحزاب وذوي الشناءة لرسول الله ﷺ وأهل بيته،

    vol. 4, p. 166والشاهد لعلي سبقه القديم وفضله المبين، وأنصار الدين الذين ذكروا في القرآن، فهم حوله عصائب، وبجنيبتيه كتائب يرجون الفضل في اتبّاعه ويخافون الشقاء في خلافه، فكيف تعدل نفسك بعليّ وهو كان أول الناس لرسول الله ﷺ اتباعا، وآخرهم به عهدا، يشركه في أمره، ويطلعه على سرّه، وأنت عدوه وابن عدوه، فتمتع بباطلك وليمدد لك عمرو في غوايتك، فكأن قد أنقضى أجلك، ووهن كيدك فتستبين لمن تكون العاقبة.

  20. واعلم أنك يا معاوية إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده ومكره، ويئست من روحه، وهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور، وبالله ورسوله وأهل بيته عنك الغنى، والسّلام على من تاب وأناب».

  21. فأجابه معاوية:
  22. من معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر الزاري على أبيه.

  23. سلام على من اتبع الهدى وتزود التقوى.

  24. أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله وما اصطفى له رسوله، مع كلام لفقته وصنعته لرايك فيه تضعيف ولك فيه تعنيف، ذكرت حق ابن أبي طالب وسوابقه وقرابته من رسول الله ونصرته إياه، واحتججت عليّ بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد إلها صرف عنك ذلك الفضل وجعله لغيرك، فقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا نرى حق ابن أبي طالب لنا لازما وفضله علينا مبرزا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده، وأتمّ له وعده وافلج حجته، وأظهر دعوته؛ قبضه الله إليه، فكان أبوك - وهو صديقه - وعمر - وهو فاروقه - أول من أنزله منزلته عندهما، فدعواه إلى أنفسهما فبايع لهما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرّهما حتى مضيا وانقضى أمرهما، ثم قام عثمان ثالثا يسير