[موقف الحسين بن على من صلح الحسن ومعاوية]

18 paragraphs · vol. 4, p. 363

  1. وكان لزيد ابن يقال له عيسى، مات بالكوفة.

    vol. 4, p. 363
  2. وأما علي بن علي بن الحسين فكان يلقب الأفطس وله عقب.

  3. حدثني بكر بن الهيثم، حدثني علي بن عبد الله المديني عن سفيان بن عيينة، عن ابراهيم بن ميسرة، عن طاوس عن ابن عباس قال: استشارني الحسين في الخروج فقلت: والله لولا أن يزري ذلك بي وبك لنشبت يدي في رأسك. فقال: والله لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي هذه الحرمة غدا.

  4. حدثني يوسف بن موسى، ثنا حكام، أنبأ عمرو بن معروف عن ليث عن مجاهد قال: قال علي وهو بالكوفة: كيف أنتم إذا أتاكم أهل بيت نبيكم يحمل قويهم ضعيفهم؟. قالوا: نفعل ونفعل. فحرّك رأسه ثم قال:

    توردون ثم تعردون (١) ، ثم تطلبون البراءة ولا براءة لكم.

    قالوا: وكان الحسين بن علي منكرا لصلح الحسن معاوية فلما وقع ذلك الصلح دخل جندب بن عبد الله الأزدي والمسيب بن نجبة الفزاري، وسليمان بن صرد الخزاعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي على الحسين وهو قائم في قصر الكوفة يأمر غلمته بحمل المتاع ويستحثهم، فسلموا عليه فلما رأى ما بهم من الكآبة وسوء الهيئة، تكلم فقال: إن أمر الله كان قدرا مقدورا، إن أمر الله كان مفعولا. وذكر كراهته لذلك الصلح وقال: كنت طيّب النفس بالموت دونه ولكن أخي عزّهم علي وناشدني فأطعته وكأنما يحزّ أنفي بالمواسي ويشرّح قلبي بالمدى، وقد قال الله عز وجل : ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا﴾

  5. ﴿شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١) . وقال: ﴿وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) .

    فقال له جندب: والله ما بنا إلاّ أن تضاموا وتنتقصوا، فأمّا نحن فإنا نعلم أن القوم سيطلبون مودّتنا بكل ما قدروا عليه، ولكن حاشا لله أن نؤازر الظالمين ونظاهر المجرمين ونحن لكم شيعة ولهم عدو.

    وقال سليمان بن صرد الخزاعي: إن هذا الكلام الذي كلمك به جندب هو الذي أردنا أن نكلمك به كلنا. فقال: رحمكم الله صدقتم وبررتم.

    vol. 4, p. 364
  6. وعرض له سليمان بن صرد وسعيد بن عبد الله الحنفي بالرجوع عن الصلح فقال: هذا ما لا يكون ولا يصلح. قالوا: فمتى أنت سائر؟ قال:

    غدا إن شاء الله. فلما سار خرجوا معه، فلما جاوزوا دير هند نظر الحسين إلى الكوفة فتمثل قول زميل بن أبير الفزاري، وهو ابن أم دينار:

    فما عن قلى فارقت دار معاشر … هم المانعون باحتى وذماري

    ولكنه ما حمّ لا بدّ واقع … نظار ترقّب ما يحمّ نظار

    قالوا: ولما بايع الحسن معاوية ومضى، تلاقت الشيعة بإظهار الحسرة والندم على ترك القتال والإذعان بالبيعة، فخرجت إليه جماعة منهم فخطؤوه في الصلح وعرضوا له بنقض ذلك، فأباه وأجابهم بخلاف ما أرادوه عليه، ثم إنهم أتوا الحسين فعرضوا عليه ما قالوا للحسن وأخبروه بما ردّ عليهم فقال: قد كان صلح وكانت بيعة كنت لها كارها فانتظروا مادام هذا الرجل

    vol. 4, p. 365حيا فإن يهلك نظرنا ونظرتم، فانصرفوا عنه فلم يكن شيء أحب إليهم وإلى الشيعة من هلاك معاوية؛ وهم يأخذون أعطيتهم ويغزون مغازيهم.

    قالوا: وشخص محمد بن بشر الهمداني وسفيان بن ليلى الهمداني إلى الحسن وعنده الشيعة الذين قدموا عليه أولا فقال له سفيان كما قال له بالعراق: السّلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال له: إجلس لله أبوك. والله لو سرنا إلى معاوية بالجبال والشجر ما كان إلا الذي قضي.

  7. ثم أتيا الحسين فقال: ليكن كل أمري منكم حلسا من أحلاس بيته مادام هذا الرجل حيا، فإن يهلك وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا ويؤتينا رشدنا ولا يكلنا إلى أنفسنا ف ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١) .

    قالوا: وكان حجر بن عدي أول من ذمّ الحسن على الصلح، وقال له قبل خروجه من الكوفة: خرجنا من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نذمه، وأعطينا الدّنيّة ورضينا بالخسيسة وطلب القوم أمرا، وطلبنا أمرا، فرجعوا بما أحبوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين.

    فقال له: يا حجر، ليس كل الناس يحب ما أحببت، إني قد بلوت الناس فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لأقدمت.

  8. وأتى الحسين فقال له: يا أبا عبد الله شريتم العز بالذل، وقبلتم القليل بترك الكثير، أطعني اليوم واعصني سائر الدهر، دع رأي الحسن واجمع شيعتك، ثم ادع قيس بن سعد بن عبادة وابعثه في الرجال، وأخرج

    vol. 4, p. 366أنا في الخيل فلا يشعر ابن هند إلا ونحن معه في عسكره فنضاربه حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين، فإنهم الآن غارون .. فقال: إنا قد بايعنا وليس إلى ما ذكرت سبيل.

    قالوا: فلما توفى الحسن بن علي اجتمعت الشيعة ومعهم بنو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وأم جعدة أم هانئ بن أبي طالب في دار سليمان بن صرد، فكتبوا إلى الحسين كتابا بالتعزية وقالوا في كتابهم: إن الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك.

  9. وكتب إليه بنو جعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه، وحبهم لقدومه وتطلعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يرضى هديه، ويطمأنّ إلى قوله، ويعرف نجدته وبأسه، فأفضوا إليهم بما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان والبراءة منه، ويسألونه الكتاب إليهم برأيه.

  10. فكتب إليهم: إني لأرجو أن يكون رأي أخي رحمه الله في الموادعة ورأيي في جهاد الظلمة رشدا وسدادا، فالصقّوا بالأرض، واخفوا الشخص، واكتموا الهوى واحترسوا من الأظناء مادام ابن هند حيا، فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي إن شاء الله.

  11. وكان رجال من أهل العراق ولثمان (١) أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين يجلّونه ويعظمونه ويذكرون فضله ويدعونه إلى أنفسهم ويقولون: إنّا لك عضد ويد ليتخذوا الوسيلة إليه وهم لا يشكّون في أن معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسين أحدا.

  12. فلما كثر اختلاف الناس إليه، أتى عمرو بن عثمان بن عفان مروان بن الحكم وهو إذ ذاك عامل معاوية على المدينة فقال له: قد كثر اختلاف الناس إلى حسين، و والله إني لأرى أن لكم منه يوما عصيبا.

    vol. 4, p. 367
  13. فكتب مروان ذلك إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: بأن اترك حسينا ما تركك ولم يظهر عداوته ويبدي صفحته، واكمن عنه كمون الثرى إن شاء الله والسّلام.

  14. وكتب معاوية إلى الحسين: أما بعد فقد أنهيت إلى عنك أمور إن كانت حقا فإني لم أكن أظنها بك رغبة عنها، وإن كانت باطلا فأنت أسعد الناس بمجانبتها وبحظ نفسك تبدأ، وبعهد الله توفي، فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك، فإني متى أنكرتك تنكرني، ومتى تكدني أكدك، فاتق الله يا حسين في شقّ عصا الأمة، وأن تردهم في فتنة.

  15. فكتب إليه الحسين كتابا غليظا يعدّ عليه فيه ما فعل في أمر زياد وفي قتل حجر، ويقول له: إنك قد فتنت بكيد الصالحين مذ خلفت: فكدني ما بدا لك.

  16. وكان آخر نص الكتاب: والسّلام على من اتبع الهدى.

  17. فكان معاوية يشكو ما كتب به الحسين إليه إلى الناس، فقيل له:

    اكتب إليه كتابا تعيبه وأباه فيه، فقال: ما عسيت فيه أن أقول في أبيه إلا أن أكذب. ومثلي لا يعيب أحدا بالباطل، وما عسيت أن أقول في حسين ولست أراه للعيب موضعا إلا أني قد أردت أن أكتب إليه فأتوعده وأتهدده، ثم رأيت ألا أجيبه.

  18. ولم يقطع معاوية عن الحسين شيئا كان يصله ويبره به، وكان يبعث