خبر محمد ابن الحنفية وابن الزبير وعبد الملك بن مروان.

51 paragraphs · vol. 4, p. 469

Page 2 of 2

  1. فقام ابن عباس فدخل على ابن الزبير فقال له: ما ينقضي عجبي من تنزّيك على بني عبد المطلب، تخرجهم من حرم الله وهم والله أولى به وأعظم نصيبا فيه منك، إن عواقب الظلم لتردّ إلى وبال.

    فقال ابن الزبير: ما منك أعجب ولكن من نفسي حين أدعك تنطق عندي ملء فيك، فقال ابن عباس: والله ما نطقت عند أحد من الولاة أخسّ منك، قد والله نطقت غلاما عند رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، ونطقت رجلا عند عمر وعثمان وعلي يروني أحقّ من نطق فيستمع لرأيي، وتقبل مشورتي، وكل هؤلاء خير منك ومن أبيك.

    فقال: والله لئن كنت لي ولأهل بيتي مبغضا، لقد كتمت بغضك وبغض أهل أبيك مذ أربعون سنة. فقال ابن عباس: ذلك والله أبلغ إلى جاعرتيك (١) ، بغضي والله ضرك واثمك إذ دعاك إلى ترك الصلاة على النبي ﷺ في خطبك فإذا عوتبت على ذلك قلت إن له أهيل سوء، فإذا صليت عليه تطاولت أعناقهم وسمت رؤوسهم.

    فقال ابن الزبير: اخرج عني فلا تقربني. قال: أنا أزهد فيك من أن أقربك، ولأخرجنّ عنك خروج من يذمّك ويقليك. فلحق بالطائف فلم

    vol. 4, p. 483يلبث يسيرا حتى توفي فصلى عليه ابن الحنفية، فكبّر عليه أربعا وضرب على قبره فسطاطا.

    vol. 4, p. 482
  2. ولم يزل ابن الحنفية بالطائف حتى أقبل الحجاج بن يوسف من عند عبد الملك إلى ابن الزبير، فلما حصره عاد ابن الحنفية إلى الشعب.

  3. وكتب إليه عبد الملك بعد مقتل مصعب بن الزبير وبعثته الحجاج: أما بعد فإذا أتاك كتابي فاخرج إلى الحجاج عاملي فبايعه. فكتب إليه: إني لا أبايع حتى يجتمع الناس عليك فاذا اجتمعوا كنت أول من يبايع.

  4. فلما قتل عبد الله بن الزبير، وهو يومئذ بالشعب أيضا سرح أبا عبد الله الجدلي بكتاب منه إلى عبد الملك يسأله فيه الأمان لنفسه وأصحابه، وبعث اليه الحجاج يأمره بالبيعة فأبى وقال: قد كتبت الى عبد الملك كتابا، فإذا جاءني جوابه بما سألته بايعت.

    قال: أو تشترط على أمير المؤمنين الشروط لتبايعنّي طائعا أو كارها؟ ! فأتاه عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال له: ما تريد من رجل ما نعلم في زماننا مثله. أمسك عنه حتى يأتيه كتاب ابن عمه.

  5. وقد كان كتاب عبد الملك أتى الحجاج قبل قتل ابن الزبير يأمره فيه بالكف عن ابن الحنفية والرفق به، فأمسك الحجاج حتى قدم على ابن الحنفية رسوله أبو عبد الله الجدلي بجواب كتابه ببسط الأمان وتصديق قوله ووصف ما هو عليه في إسلامه وعفافه وفضله وقرابته وعظيم حقه، وقال له: لعمري لئن ألجأتك الى الذهاب في الأرض خائفا لقد ظلمتك وجفوتك، وقطعت رحمك، فبايع الحجاج على بركة الله، وأمره بالقدوم عليه آمنا مأمونا وفي الرحب والسّعة، والى الكرامة والاثرة والمواساة.

  6. فخرج الى الحجاج فبايعه لعبد الملك، وأشخصه الحجاج إليه في جماعة منهم عبد الله بن عمرو بن عثمان، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وعروة بن الزبير، فلما قدم على عبد الملك أعظمه وأكرمه وبره وأقبل عليه، فحسده الحجاج على ما رأى من احتفاء عبد الملك به فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد أردت أن أضرب عنقه لولا تقدمك إلي في أمره لتأخره وتثاقله عن البيعة.

    فقال له عبد الملك: مهلا يا حجاج. فسأله ابن الحنفية أن ينزع عنه سلطانه فقال: إنه لا سلطان له عليك ولا لأحد من الناس دوني، ولك في كل سنة رحلة ترفع إلي فيها حوائجك فأقضيها لك.

    vol. 4, p. 484
  7. ويقال إنه قال: أخلني يا أمير المؤمنين. فقال: إنه ليس دون الحجاج سر. قال: فاعدني عليه فإنه يكلفني الغدوّ والرواح اليه ويعدي عليّ غرمائي قبل بيع الثمرة. فقال عبد الملك: لا سلطان لك عليه دون بلوغ الثمرة، ولا على عبد الله بن جعفر فإنهما ينتظران الغلة، أو صلتنا.

  8. ثم انصرف من عند عبد الملك وكان معه جماعة من أصحابه منهم عامر بن واثلة أبو الطفيل، ومحمد بن نشر، ومحمد بن يزيد بن مزعل حتى قدموا المدينة.

  9. حدثني أبو الحسن المدائني عن ابن جعدبة عن ابن كيسان قال: قال عبد الملك لابن الحنفية حين قدم عليه وهما خلوان: أتذكر فعلتك يوم الدار؟ فقال: أنشدك الله والرحم يا أمير المؤمنين. فقال: والله ما ذكرتها ولا أذكرها.

  10. وكان محمد سمع مروان قال لعلي يوم الدار: قطع الله الليلة أثرك، فأخذ محمد بحمائل سيف مروان فرجع ففرق بينهما.

    vol. 4, p. 485
  11. ويقال ان الحجاج وجه ابن الحنفية الى عبد الملك وافدا فأكرمه وبره، ثم رده الى المدينة وقال: فد إليّ في كل عام، وإن الحجاج لم يشخصه معه.