وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر وهو المنصور
54 paragraphs · vol. 5, p. 243
Page 2 of 2
- vol. 5, p. 260
وحدثني أبو مسعود وغيره قالوا: قدم إسحاق الأزرق، صاحب الدار ببغداد عند القنطرة العتيقة، وهو مولى المنصور، عليه بامرأتين كان أشخصه لحملهما، إحداهما فاطمة بنت محمد الطلحية، والأخرى أمة الكريم بنت عبد الرحمن بن عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العاص، ويقال العالية بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقالت له ريسانة قيّمة
vol. 5, p. 261نسائه: يا أمير المؤمنين ان الطلحية قد استحقبتك واستبطأت برّك وأنكرت وصاحبتها تركك الدعاء لهما، فقال: أما ترين ما نحن فيه، وكان إبراهيم بن عبد الله قد خرج بالبصرة، ثم أنشد:
قوم اذا حاربوا شدّوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت باطهار
وقال: ما أنا بناظر إلى امرأة حتى أدري أرأسي لإبراهيم أو رأس إبراهيم لي، وكانت عليه جبة قد اتّسخ جيبها، فقيل له: لو نزعتها وغيّرتها، فقال: لا والله أو أدري أهي لي أم لإبراهيم.
-
المدائني قال: قال عبد الله بن الربيع الحارثي: قال لي أبو العباس ذات يوم: إني أريد أن أبايع لأبي جعفر أخي، فأخبرت أبا جعفر بذلك فأمر لي بكسوة ومال، فقلت: أصلح الله الأمير، إن لك مؤونة ولعله ان يأتيك من أنا أعذر لك منه، فأمر بردّ ذلك، وقمت فانصرفت وراح ورحت إلى أبي العباس، فدخل عليه وجلست غير بعيد، فطال تناجيهما، ثم ارتفعت أصواتهما بقول أبو العباس: بلى والله، وبقول المنصور: لا والله، ثم خرج أبو جعفر فأخذ بيدي فسألته عن تحالفهما، فقال: ليس هذا وقت اخبارك وغمز بيدي، فلما أفضى الأمر إليه وقتل أبا مسلم دخلت عليه وهو طيب النفس فقال: ألقوا لأبي الربيع وسادة، فثنيت لي وسادة وجلست، فقال: ألا أخبرك بالأمر الذي سألتني عنه يوم دخلت على أبي العباس فتحالفنا؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، قال: تذاكرنا الدعوة، فقلت:
أتذكر إذ كنا نرمي وأبو مسلم يردّ علينا النبل، فقال إبراهيم: ما أكيسه ويقتله عبد الله! فقلت: بلى، قال: فأنت عبد الله وأنت تقتله، فقلت:
vol. 5, p. 262لا والله، قال: بلى والله، فلما خالف عبد الله بن علي وجهته إليه فقلت هو يقتله، فلما سلم منه وصنع ما صنع قلت أنا عبد الله، أقتله، فقتلته.
-
حدثني أبو مسعود الكوفي، حدثني إسحاق بن عيسى وجماعة من العباسيين، أن المنصور قال: رأيت فيما يرى النائم، وأنا بالشراة، كأنّا حول الكعبة فنادى مناد من جوف الكعبة: أبو العباس، فنهض فدخل الكعبة ثم خرج وبيده لواء قصير على قناة قصيرة فمضى، ثم نودي:
عبد الله، فنهضت أنا وعبد الله بن علي نبتدر، فلما صرنا على درجة الكعبة دفعته عن الدرجة فهوى ودخلت الكعبة، وإذا رسول الله ﷺ جالس فعقد لي لواء طويلا على قناة طويلة، وقال خذه بيدك حتى تقاتل به الدجال.
-
وحدثني عبد الله بن أبي هارون الكاتب قال: وردت على المنصور خريطة من صاحب أرمينية ليلا فلم يوصلها الربيع الحاجب إلا مصبحا، فقال له: يا بن اللخناء، والله لهممت أن أضرب عنقك، أتحبس عني خريطة صاحب الثغر الأعظم ساعة واحدة فضلا عن ليلة! وسخط عليه يوما، ثم رضي عنه وقال: لا تعد.
-
وحدثني المدائني قال: قال المنصور: من أحب أن يحمد بغير مرزئة فليحسّن خلقه ولينبسط بشره.
-
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي، قال: قدم وفد من أهل المدينة على أبي جعفر، وفيهم عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فدخلوا عليه فساءل عبد الرحمن عن حالهم فأخبره بما كان من الوليد من أخذ أموالهم، فأمر بردّها عليهم.
- vol. 5, p. 263
حدّثني الحرمازي، حدثني عبد الله بن صالح، عن شيخ له، قال:
كان زياد بن عبيد الله الحارثي، خال أبي العباس، مع خالد بن عبد الله القسري بالعراق وولي شرطنه، ثم كان مع يوسف بن عمر بعده، ومع يزيد بن عمر بن هبيرة، فلما ولي أبو العباس قال له يزيد بن عمر: والله لأضربن عنقك فقد سررت بأمر بني العباس ودولة ابن اختك، وكان معه بواسط، فلما وقع الصلح خرج حتى قدم على أبي العباس فقال له: أبطأت عني يا خال، فأخبره بقصته، ثم ولاه مكة والمدينة بعد داود بن علي، وابنه موسى بن داود، فلما توفي أبو العباس بعث إليه المنصور بعهده فغدّر (١) فيما كان يأمره به في عبد الله بن حسن وفي طلب ابنه، فعزله وأغرمه ثم ضمّه إلى المهدي حين وجهه إلى الري، فلما سار ثلاث مراحل تغدى المهدي ثم صار إلى فسطاطه فأتي بقدح فيه عسل قد خيض له فشربه ونام، فطلبه المهدي فوجد ميتا فبكى عليه وأمر فحفر له وصلى عليه ودفنه، فكان يقال انه سمّ ووجد منتفخا، وذلك باطل والثبت أنه مات فجأة.
-
حدثنا المدائني قال: حدّث المنصور بأن عجلان بن سهيل الباهلي سمع رجلا قال، وقد مرّ هشام بن عبد الملك: قد مرّ الأحول، فقال له:
يا بن اللخناء أتسمّي أمير المؤمنين بالنّبز، وعلاه بسوطه، ثم قال: لولا رحمتي لك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع معه المحيا والممات.
-
وحدثني سليمان بن أبي شيخ قال: قدم ابن أنعم المحدّث على المنصور فقال له المنصور: لقد استرحت من وقوفك بباب هشام وذوي هشام،
vol. 5, p. 264فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت في تلك المواضع شيئا يكره إلاّ وقد رأيت في طريقي إليك ما هو أعظم منه، فقال المنصور: ويحك إنا لا نجد من نوليه أعمالنا ممّن نرتضيه، فقال: بلى والله يا أمير المؤمنين لو طلبتهم لوجدتهم، إنما الملك بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها.
قال: وأقبل المنصور يوما راجعا من ركوبه يريد قصره، فلما صار على بابه رأى فرج بن فضالة المحدّث جالسا فلم يقم له، فلما دخل القصر دعا به فقال: ما منعك من القيام حين رأيتني؟ قال: منعني من ذلك أني خفت أن يسألني الله لم فعلت، ويسألك لم رضيت، وقد كره رسول الله ﷺ ذلك، فسكت المنصور، وخرج فرج.
-
وحدثني محمد بن حبيب عن أبي فراس قال: قال المنصور لهشام بن عروة: أتذكر يا أبا المنذر حين دخلت إليك أنا وإخوتي مع أبي الخلائف وأنت تشرب سويقا، فإنّا لما خرجنا قال لنا أبونا: يا بنيّ استوصوا بهذا الشيخ فإنه لا يزال في قومكم عمارة ما بقي مثله، فقال: ما أذكر ذلك. فلما خرج هشام قيل له: ذكرّك أمير المؤمنين شيئا يتوسل بدونه، فقال: لم أذكر ما ذكرني، ولم يعودني الله في الصدق إلاّ خيرا.
قالوا: ودخل عليه سوّار بن عبد الله العنبري فقال: السّلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السّلام ورحمة الله وبركاته، ادن أبا عبد الله، فقال: أدنو على ما مضى عليه الناس أم على ما أحدثوا؟ قال: على ما مضى، فدنا ومدّ يده، فصافحه ثم جلس.
قال: وكتب المنصور إلى سوّار في بعض الأمور، فكان في ذلك إضرار بقوم، فلم ينفّذ سوّار الكتاب، فاشتدّ ذلك على المنصور، فكتب إليه
vol. 5, p. 265سوار: إنّ عدل سوّار مضاف إليك، وزين لخلافتك، فسكن غضبه وأمسك عن ذلك الأمر.
-
وحدّثني الحسن بن علي الحرمازي قال: نظر المنصور إلى بعض القضاة، وبين عينيه سجّادة فقال له: لئن كنت أردت الله بالسجود فما ينبغي لنا أن نشغلك عنه، وان كنت إنما أردتنا بهذه السجادة فينبغي لنا أن نحترس منك.
-
وحدّثنا أبو مسعود الكوفي قال: كان يحيى بن عروة رضيع المنصور، وهو مولى لهم، فصيره أبو جعفر على ثقله عام حجّ، فلما دعا عبد الله بن علي إلى نفسه حمل ثقل أبي جعفر وجواريه وصار إلى عبد الله بن علي، فلما هرب استخفى يحيى، ثم ظفر به المنصور، فقطع بالسيوف.
-
حدّثني أبو مسعود الكوفي قال: كانت عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية عند هشام، وكانت أجمل الناس، وكانت إذا رأت أم حكيم بنت يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص امرأة هشام أيضا عنده قالت لها:
كيف أنت يا أمه؟ فيضحك هشام من قولها ويعجبه ظرفها، وأم حكيم هذه التي يقول فيها الوليد بن يزيد:
علّلاني بعاتقات الكروم … واسقياني بكأس أمّ حكيم (١)
-
فلما صار عبد الله بن علي إلى الشام خطب عبدة، فأبت عليه التزويج فأمر بها فبقر بطنها، فكان المنصور إذا ذكر فعله بها لعنه. قال: وجعلت عبدة حين أتي بها ليبقر بطنها وتقتل تنشد:
فقل للشامتين بنا أفيقوا … سيلقى الشامتون كما لقينا