باب في أخبار الربيع
16 paragraphs · vol. 5, p. 281
- vol. 5, p. 281
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي وهشام بن محمد وغيرهما، قالوا:
كان عيسى بن روضة - وهي أمة وأبوه نجيح - عبد لآل طلحة، فرآه المنصور بالكوفة في حلقة المسجد وذلك قبل خلافة أبي العباس، فقال: لئن ملكنا لنشتريّنه فإني لم أر ألسن ولا أظرف منه مع عقل كامل، فلما ولي أبو العباس سأله أن يشتريه فاشتراه بمائة ألف درهم، فكان حاجب المنصور حتى ظهر منه على تشيّع فعزله عن حجابته.
-
حدثني أبو فراس الشامي قال: كان حاجب المنصور عيسى بن روضة مولاه، ومعه مرزوق أبو الخصيب مولاه، فلما نحّي ابن روضة أو مات صيّر أبا الخصيب مكانه، وكان الربيع مع أبي الخصيب يكون فلما مات أبو الخصيب صار الربيع مكانه.
-
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، قال: كان أبو فروة من أراشة من بليّ سبيّا أخذ من جبل الخليل بالشام فيما يقال، قال: والثبت أنه كان من سبي عين التمر فأعتقه رجل من بني ضبّة.
vol. 5, p. 282وقال الهيثم والمدائني: كان أبو فروة من سبي عين التمر فابتاعه ناعم الأسدي، ثم ابتاعه منه عثمان بن عفان فأعتقه وجعله يحفر القبور، فلما وثب الناس بعثمان قال له: يا أثمان ردّ المذالم (١) ، فقال له عثمان: أنت أوّلها، ابتعتك من مال الصدقة لتحفر القبور فتركت ذلك. وكنّى أبا فروة لانه أدخل المدينة وعليه فروة.
-
فحدثت عن أحمد بن ابراهيم بن اسماعيل، عن محمد بن صبيح الأبيضي، قال: كان يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة يتيما في حجر جدته، وكانت لجدته جارية نفيسة، فغشيها يونس يوما بغير علم جدته فأحبلها فولدت الربيع، أبا الفضل بن الربيع، وربيع هو صاحب المنصور، فجحدته جدته وجحده يونس، فلما شبّ باعته جدته فاشتراه زياد بن عبيد الله الحارثي عامل أبي العباس على المدينة وأهداه إلى أبي العباس، ثم صار إلى المنصور، فلما استحجبه استمال بني أبي فروة وبرّهم وأرغبهم فشهدوا أنه ابن يونس وأنه كان قد أقرّ به.
-
حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي، قال: كان لهشام بن عمرو مولى قبيصة بن ذؤيب قدر في نفسه وفعال جميل، وكانت بنو أميّة تجيزه وكان سخيّا مطعاما للطعام، فطلب عينة في بعض أيامه وبلغ ذلك عبد الله بن أبي فروة مولى عثمان فقال لقهرمان هشام هذا: بلغني أن أبا عمرو يطلب عينة وعندنا مال فخذ حاجتك منه قرضا إلى متى شئت واكتمه اسمي، فأخبر القهرمان هشاما بذلك ولم يزل يقسم عليه فأخبره بأن ابا فروة صاحبه،
vol. 5, p. 283فقال: إنا نحضر أبواب السلطان وغيره فنتساوى وإن كان له عليّ دين ذللت له وعلاني فخذ لي من غيره مالا.
-
وكان عبد الله كاتب مصعب بن الزبير وأنيسه، وكان عبد الله بن أبي فروة سريا يفعل افعالا شريفة ويعمّ بمعروفه من انقطع إليه وغيرهم فشهد بعض دور السّلطان ومطرت السّماء فنظر إلى جلسائه فقال: يا غلام هات لنا مماطر، فأتى بمماطر خزّ بعدتهم وكانوا نحوا من عشرين.
قال: وامسك رجل بركابه يوما، فقال: ألك حاجة؟ قال: لك على أبي ألف دينار وقد ترك مالا ولي إخوة، فقال: صدقت قد عرفتك، أعطوه الصك، والمال لك دون إخوتك.
-
وحدثني الحسن بن علي الحرمازي عن القاسم بن سهل النوشجاني، ان زياد بن عبيد الله الحارثي، خال أبي العباس، ابتاع الربيع في خمسين غلاما بالمدينة وهو عامل المنصور عليها وأهداهم إليه فصيّره مع أبي الخصيب ثمّ ضمه إلى ياسر صاحب وضوئه، وهو يومئذ ابن ثمان عشرة سنة. وحج المنصور في تلك السنة فكان ياسر إذا وضع للمنصور الماء عند نزوله لحاجته لم يرم حتى يفرغ المنصور من الاستنجاء، واعتلّ ياسر فصيّر الربيع يقوم مقامه في الخدمة، فكان إذا وضع الماء للمنصور تنحى عنه فإذا تحرك صار إلى الابريق فأخذه، فقال له: ويحك يا غلام ما أكيسك وأخفك على قلبي، وسأله عن سنيه فزاد فيها ليتكبر بذلك، فأعجبه ما رأى منه، ورأى المنصور في طريقه كتابا على حائط فقرأه فإذا هو:
وما لي لا أبكي وأنشد فاقتي … إذا صدر الرعيان عن كل منهل
vol. 5, p. 284وفي أسفله: آه، آه، آه، فجعل المنصور يردد نظره في ذلك وينكره، فقال الربيع: ان أذن لي أمير المؤمنين تكلمت، فقال: تكلم، فقال: اتبع البيت تأوها وحكاية للبكاء، فأعجبه ما رأى من فطنته فقال:
قاتلك الله، وأعتقه وصيره مكان ياسر، ثم رأى تقليده أمر حجابته فكان مع أبي الخصيب فلما مات صيّره مكانه. قال: فدخل بعض الهاشميين على المنصور يوما فذكر أباه فترحم عليه، فقال له الربيع: مه، اتترحمّ على أبيك وأنت تخاطب أمير المؤمنين؟ فقال: انك لو عرفت حلاوة الآباء ومواقعهم من القلوب لم تنكر عليّ ما قلت. وكان الفضل بن الربيع حاجب الرشيد، وكان يدعوه العباسي.
-
وحدثني الحرمازي أو غيره أن المنصور أمر رجلا ولاه عملا بالقصد، فقال: عليك بالقصد والسداد فإنه كان يقال الظمأ الفاضح خير من الري الفاضح.
-
حدثني العمري قال: مرّ المنصور في بعض السكك وكانت مضيقة بالبناء فأمر بهدم ما ضيقت به من ذلك البناء وبلغ الهدم دار أبي دلامة فدخل على المنصور فقال:
يا بن عم النبي زارك زور … قد دنا هدم داره وبواره
فهو كالماخض التي اعتا … دها الطّلق فقرّت وما يقرّ قراره
كيف يخشى البوار شاعر قوم … هرمت في مديحهم أشعاره
لكم الأرض كلها فأعيروا … عبدكم ما احتوى عليه جداره
وحدثني أبو مسعود قال: أمر المنصور الربيع أن يحضر أبا دلامة القصر ويأخذه بصلاة الظهر والعصر والمغرب فأنشأ يقول:
vol. 5, p. 285ألم تريا ان الامام ألزّني … بمسجده والقصر مالي وللقصر
يكلفني الأولى جميعا وعصرنا … فويلي من الأولى وويلي من العصر
لقد كان في أهلي مساجد جمّة … ولكنّ هذا الأمر قدر من القدر
ويحبسني عن مجلس استلذّه … وأكرم فيه بالسماع وبالخمر
وماذا عليه أرشد الله أمره … لو ان خطايا العالمين على ظهري
فقال: صدق لعنه الله، دعوه.
قال المدائني: وماتت ابنة للمنصور، فرأى المنصور ابا دلامة عند قبرها فقال: ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: التي حفر لها يا أمير المؤمنين، فقال: ويلك الا قلت كما قال الفرزدق حين سأله البصري ورآه عند قبر النوار امرأته عن مثل ما سألتك فقال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة! فقال أبو دلامة: إنّا لا نحب المعاد من الكلام.
-
وحدثني الحرمازي، قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشد:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم … قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم … إلى السماء فأنتم أكرم الناس
فقال المنصور: لقد غدا بك أمر، قال: نعم، ولدت لي البارحة ابنة فقلت فيها:
فما ولدتك مريم أمّ عيسى … ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمّك أمّ سوء … إلى لبّاتها وأب لئيم
فتبسم المنصور وأمر له بأربعة آلاف درهم.
-
وحدثني أبو العالية البصري قال: أنشد المنصور أبو دلامة قوله:
vol. 5, p. 286قالت تبغ لنا نخلا ومزرعة … كما لجيراننا نخل ومزدرع
خادع خليفتنا عن ذاك في لطف … إن الخليفة للسّؤال ينخدع
فقال لعبد الملك بن حميد: أقطعه ألف جريب نصفها عامر ونصفها غامر.
فقال: بأبي أنت وما الغامر؟ قال: الذي لا يناله الماء إلاّ بالكلفة والنفقة، قال: أبو دلامة: فإني قد أقطعت عبد الملك بن حميد بادية بني أسد وصحراء بزيقيا وصحراء أنقف (١) ، فضحك المنصور وأمر ان تجعل الألف جريب عامرة كلها، فقال له: جعلني الله يا أمير المؤمنين فداك ايذن لي في تقبيل رجلك، فقال: لست أفعل، فقال: والله أصلحك الله ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم من هذا.
-
وحدثني أبو أحمد سلموية بن عمرو النحوي قال: أشار أبو عبد الله الكاتب على المهدي بنزول الرافقة وأراد أن يبعده من المنصور فكتب أبو دلامة:
إن الخليفة والمهدي إذ نأيا … فنحن في حيث لا ماء ولا شجر
ولا نهار ولا ليل يطيب لنا … ولا تضيء لنا شمس ولا قمر
الله يعلم أني ناصح لكم … فيما أقول وأني حية ذكر
أرى وأسمع ما لا تسمعان به … من الحسود وفي في الحاسد الحجر
فرد المنصور المهدي إليه ولم يأذن له في نزول الرافقة.
-
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب، قال: كان المنصور يقول:
ما شيء أجلب لقلب من كلام يصاب به موضعه، ويروى ذلك أيضا عن ابن المقفع.
- vol. 5, p. 287
حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي قال: قال المنصور لابن عياش المنتوف: لو تركت لحيتك لطالت، أما ترى عبد الله بن الربيع ما أحسنه، فقال: يا أمير المؤمنين أنا أحسن منه، فقال ابن الربيع: اما ترى هذا الشيخ يا أمير المؤمنين ما أكذبه! فقال ابن عياش: يا أمير المؤمنين مر بجزّ لحيته ويقام إلى جانبي حتى ينظر أيّنا أحسن.
-
وحدثني عمر بن بكير، عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، قال: قال المنصور للأعلم الهمداني: ما مالك؟ قال: ما أكف به وجهي ولا أعود بفضله على صديق، فقال: لقد ألطفت المسألة، وأمر له بخمسة آلاف درهم.
-
وحدثني عمر عن الهيثم، قال: قال المنصور لسفيان: ما أسرع الناس إلى قومك، فقال:
إن العرانين تلقاها محسّدة … ولن ترى للئام الناس حسّادا