جواب الحسين

81 paragraphs · vol. 6, p. 128

Page 1 of 3

  1. فكتب إليه الحسين: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أنّه بلغتك عنّي أمور ترغب عنها، فإن كانت حقا لم تقارّني عليها، ولن يهدي إلى الحسنات ويسدّد لها إلاّ الله، فأمّا ما نمي إليك فإنّما رقّاه الملاقون المشّاؤون بالنمائم المفرّقون بين الجميع، وما أريد حربا لك ولا خلافا عليك، وأيم الله لقد تركت ذلك وأنا أخاف الله في تركه، وما أظنّ الله راضيا عنّي بترك محاكمتك إليه، ولا عاذري دون الإعذار إليه فيك وفي أوليائك القاسطين الملحدين،

    vol. 6, p. 129حزب الظالمين وأولياء الشياطين، ألست قاتل حجر بن عديّ وأصحابه المصلّين العابدين، الذين ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ظلما وعدوانا، بعد إعطائهم الأمان بالمواثيق والأيمان المغلّظة؟ أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله ﷺ الذي أبلته العبادة وصفّرت لونه وأنحلت جسمه؟! أولست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، وزعمت أنّه ابن أبيك وقد قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (١) ، فتركت سنّة رسول الله ﷺ وخالفت أمره متعمّدا، واتّبعت هواك مكذّبا، بغير هدى من الله، ثمّ سلّطته على العراقين فقطع أيدي المسلمين وسمل أعينهم، وصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من الأمّة وكأنّها ليست منك، وقد قال رسول الله ﷺ : «من ألحق بقوم نسبا ليس لهم فهو ملعون» ، أولست صاحب الحضرمييّن الذين كتب إليك ابن سميّة أنّهم على دين عليّ، فكتبت إليه:

    اقتل من كان على دين عليّ ورأيه، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين عليّ دين محمّد ﷺ الذي كان يضرب عليه أباك، والذي انتحالك إيّاه أجلسك مجلسك هذا، ولولا هو كان أفضل شرفك تجشّم الرحلتين في طلب الخمور، وقلت: انظر لنفسك ودينك والأمّة واتّق شقّ عصا الألفة وأن تردّ الناس إلى الفتنة، فلا أعلم فتنة على الأمّة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظرا لنفسي وديني أفضل من جهادك، فإن أفعله فهو قربة إلى ربّي، وإن أتركه فذنب أستغفر الله منه في كثير من تقصيري، وأسأل الله

    vol. 6, p. 130توفيقي لأرشد أموري؛ وأمّا كيدك إيّاي فليس يكون على أحد أضر منه عليك، كفعلك بهؤلاء النفر الذين قتلتهم ومثّلت بهم بعد الصلح من غير أن يكونوا قاتلوك ولا نقضوا عهدك، إلاّ مخافة أمر لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوه، أو ماتوا قبل أن يدركوه، فأبشر يا معاوية بالقصاص، وأيقن بالحساب، واعلم أنّ لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وليس الله بناس لك أخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على الشبهة والتهمة، وأخذك الناس بالبيعة لابنك، غلام سفيه يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ولا أعلمك إلاّ خسرت نفسك، وأوبقت دينك، وأكلت أمانتك، وغششت رعيّتك، وتبوّأت مقعدك من النار ف ﴿بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (١) .

    vol. 6, p. 128
  2. المدائني قال، قال معاوية لصحار بن عيّاش العبدي: يا أزرق، قال: البازي أزرق، قال: يا أحمر، قال: الذهب أحمر، قال: يا صحار ما هذه البلاغة في عبد القيس؟ قال: شيء يعتلج في صدورنا فنلفظه كما يلفظ البحر الزبد، قال: فما رأس البلاغة؟ قال: أن تقول فلا تخطئ وتعجل فلا تبطئ؛ ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، ومنّا أعقل (٢) أهل زمانه، اشترط على رسول الله ﷺ حين أسلم الجنّة؛ ومنّا الذي قال له رسول الله ﷺ : «فيك خصلتان يحبّهما الله ورسوله الأناة والحلم» (٣) ؛ ومنّا أزهد أهل زمانه هرم بن حيّان؛ ومنّا أشجع أهل زمانه حكيم بن جبلة العبدي الذي

    vol. 6, p. 131قطعت رجله فرمى بها قاطعه فقتله ثمّ توسّده، فقيل له: من بك يا أبا نجيد؟ فقال: وسادي؛ ومنّا أبلغ الناس في زمانه صعصعة بن صوحان؛ ومنّا الحارث بن مرّة، حمل في غزاة على خمسمائة دابّة؛ ومنّا عبد الله بن سوّار خرج في أربعة آلاف إلى ثغر السند ولم يوقد أحد في عسكره نارا لطعام حتّى أتى البلاد، ورأى في عسكره نارا فسأل عنها فقيل امرأة ولدت فاتّخذ لها خبيص، فأمر أن يطعم أهل العسكر كلّهم الخبيص ثلاثة أيام، ومنّا أرمى أهل زمانه عمرو بن مساور النكري؛ ومنّا أيمن الناس في زمانه شعرا:

    الممزّق، غزا النعمان بن المنذر بلاد عبد القيس فسايره وحدّثه وأنشده فأعجبه فكلّمه فيهم فعدل عنهم.

  3. حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش عن أبي الهيثم الرحبي قال: قال لي عبد الملك بن عمير وأنا أماشيه عند الباب الصغير بدمشق: مررنا بقبر معاوية فوقف عليه عبد الملك بن مروان فقيل له: لمن القبر؟ فقال: لرجل كان والله ما علمته يسكته الحلم وينطقه العلم، إذا أعطى أغنى، وإذا حارب أفنى، ثمّ عجّل له الدهر ما أخّر لغيره، إنّا لله ما يصنع الزمان، هذا قبر معاوية.

  4. حدثني حفص عن الهيثم وغيره قالوا: أتي معاوية بشابّ قد سرق فأمر بقطع يده فقال:

    يدي يا أمير المؤمنين أعيذها … بعفوك أن تلقى مكانا يشينها

    ولا خير في الدنيا وكانت حبيبة … إذا ما شمال فارقتها يمينها

    ولو قد أتى الأخبار قومي لقلّصت … إليك المطايا وهي خوص عيونها

    vol. 6, p. 132ودنت أمّه وهي تبكي فقالت: يا أمير المؤمنين، واحدي اعف عنه، عفا الله عنك، فقال: ويحك إنّ هذا حدّ من حدود الله، فقالت: اجعل تركه يا أمير المؤمنين من ذنوبك التي تستغفر الله منها، فخلّى سبيله وتصدّق بمائة ألف درهم.

  5. وروى المدائني عن أبي بكر الهذلي أنّه قال: وقف عبد الملك بن مروان على قبر معاوية ومعه محمّد بن جبير بن مطعم، فرأى على القبر ثمامة (١) تهتزّ، فقال عبد الملك: يرحمك الله أبا عبد الرحمن. ثمّ قال لابن جبير: يا أبا سعيد ما كان علمك به؟ قال: كان والله ممّن ينطقه العلم ويسكته الحلم، فقال عبد الملك: كذلك كان وولّى وهو يقول:

    وما الدهر والأيّام إلاّ كما أرى … رزيئة مال أو فراق حبيب (٢)

  6. المدائني عن مسلمة قال: قال رجل من ولد أميّة بن خلف الجمحي لمعاوية: انّا تركنا الحقّ وعليّ يدعونا إليه، وبايعناك على ما تعلم، فلمّا تسهّلت لك الأمور جعلت الدنيا لأربعة: سعيد بن العاص، وعمرو بن العاص السهمي، ومروان بن الحكم، والمغيرة بن شعبة، وتركتنا لا في عير ولا في نفير، فأطرق معاوية طويلا ثمّ قال: يا بن أخي إنّي ميّلت بين

    vol. 6, p. 133معاتبتك وتركك فوجدت معاتبتك أبقى لك، إنّي أراك شديد التقحّم رحب الذراع بالقول، ولست كلّما شئت وجدت من يحمل لك سفهك.

  7. المدائني عن عيسى بن يزيد قال: قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان، فقالت عائشة بنت عثمان بن عفّان: وا أبتاه: وبكت فقال معاوية: ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة تحتها حقد، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، ومع كلّ إنسان سيف وهو يرى أنصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا يكون أو لنا، ولأن تكوني ابنة عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين.

  8. المدائني عن عقبة الأصمّ عن عبد الله بن بريدة قال: كان معاوية يؤتى بالثريدة تكاد تستر الذي يواكله فيأكل ويدعو إلى طعامه عدّة بعد عدّة فيأكل معهم جميعا.

  9. المدائني عن عامر بن الأسود قال: كان معاوية يأكل في اليوم أربع أكلات آخرهنّ أعضلهنّ وأشدّهنّ، ويتعشّى فيأكل ثردة عليها بصل كثير.

  10. حدثنا أبو صالح الفرّاء ومحمّد بن حاتم وإسحاق قالوا: حدثنا الحجّاج بن محمّد الأعور حدثنا شعبة عن أبي حمزة قال: سمعت ابن عبّاس يقول: مرّ بي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان فاختبأت منه خلف باب، فدعاني فحطأني (١) حطأة ثم بعثني إلى معاوية؛ فرجعت إليه فقلت: هو يأكل، ثمّ بعثني إليه فقلت: هو يأكل بعد، فقال النبي ﷺ : «لا أشبع الله بطنه» ؛ قال أبو حمزة: فكان معاوية بعد ذلك لا يشبع.

  11. المدائني عن أبي أيّوب عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين أنّ النبي ﷺ بعث إلى معاوية ليكتب له شيئا فقال الرسول: هو يأكل ثمّ أعاده فقال: هو يأكل، فقال: «لا أشبع الله بطنه» .

    vol. 6, p. 134
  12. حدثني مظفّر بن مرجّى حدثني هشام بن عمّار حدثنا عبد العزيز بن السائب عن أبيه عن ابن عمر قال: كنت جالسا عند النبيّ ﷺ فقال:

    «الآن يطلع علينا من هذا الفجّ رجل من أهل الجنّة، فطلع معاوية، فقلت: هو هذا؟ قال: نعم هو هذا» .

  13. وحدثني إسحاق وبكر بن الهيثم قالا حدثنا عبد الرزّاق بن همّام أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت عند النبيّ ﷺ فقال: «يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت على غير ملّتي، قال: وكنت تركت أبي قد وضع له وضوء، فكنت كحابس البول مخافة أن يجيء، قال: فطلع معاوية فقال النبيّ ﷺ : هو هذا» (١) .

  14. وحدثني عبد الله بن صالح حدثني يحيى بن آدم عن شريك عن ليث عن طاووس عن عبد الله بن عمرو قال: كنت جالسا عند النبيّ ﷺ فقال:

    «يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت يوم يموت على غير ملّتي، قال:

    وكنت تركت أبي يلبس ثيابه فخشيت أن يطلع، فطلع معاوية».

  15. وحدثني مظفّر بن مرجّى حدثنا شبّابة بن سوّار حدثنا يوسف بن زياد التميمي عن محمّد بن شعيب عن عقبة بن رويم اللخمي قال: دعا رسول

    vol. 6, p. 135الله ﷺ لمعاوية فقال: «اللهمّ اهده واهد به وعلّمه الكتاب والحساب وقه العذاب» .

  16. وحدثني أبو بكر الأعين عن شبّابة في هذا الإسناد بنحوه.

  17. حدثني عليّ بن إبراهيم السوّاق حدثنا عليّ بن حيّان حدثنا محمّد بن عبد العزيز بن أبان حدثنا اسماعيل بن عيّاش عن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل فقال: يا محمّد ائتمنني الله على وحيه وائتمنك وائتمن معاوية بن أبي سفيان» .

  18. وحدثني عليّ بن إبراهيم حدثنا عليّ بن حيّان حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي حدثنا عبد الملك بن يزيد الواسطي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: أهدى جعفر بن أبي طالب لرسول الله ﷺ أربع سفرجلات فأعطى معاوية منهنّ ثلاثا وقال: «القني بهنّ في الجنّة» .

  19. حدثني عليّ بن إبراهيم عن عليّ بن حيّان عن أبي داود الطيالسي عن حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: دخلت على رسول الله ﷺ ومعاوية يصبّ على يديه الماء، فلما فرغ من وضوئه أخذ كفّا من ماء فضرب به وجه معاوية ثمّ قال: «يا بن أبي سفيان كأنّي بك في الجنّة» .

  20. حدثني عليّ بن إبراهيم حدثنا داود بن عبد الله الترمذي عن حمّاد بن منصور المنقري عن عبد الله بن كثير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أتيت النبيّ ﷺ في منزل أمّ حبيبة في يومها، فدقّ معاوية الباب فأذن له فدخل وعلى أذنه قلم لم يمطّ به (١) ، فقال النبي ﷺ : «ما هذا على أذنك؟

    vol. 6, p. 136قال: قلم أعددته لله ولرسوله، فقال النبيّ ﷺ : أما إنّه جزاك الله عن نبيّك خيرا، والله ما استكتبتك إلاّ بوحي من السماء».

  21. حدثنا يوسف بن موسى وأبو موسى إسحاق الفروي قالا: حدثنا جرير بن عبد الحميد حدثنا إسماعيل والأعمش عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» ؛ فتركوا أمره فلم يفلحوا ولم ينجحوا.

  22. حدثني خلف بن هشام البزّاز حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال، قال رسول الله ﷺ : «معاوية في تابوت مقفل عليه في جهنّم» .

  23. حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل وأبو صالح الفرّاء الأنطاكي قالا: حدثنا حجّاج بن محمّد حدثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أنّ رجلا من الأنصار أراد قتل معاوية، فقلنا له: لا تسلّ السيف في عهد عمر حتّى تكتب إليه، قال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه» ، قال: ونحن قد سمعناه ولكن لا نفعل حتّى نكتب إلى عمر، فكتبوا إليه فلم يأتهم جواب الكتاب حتّى مات.

  24. حدثنا خلف حدثنا عبد الوارث بن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى أمّ سلمة أنّ النبيّ ﷺ كان جالسا فمرّ أبو سفيان على بعير ومعه معاوية وأخ له، أحدهما يقود البعير والآخر يسوقه، فقال رسول الله ﷺ : «لعن الله الحامل والمحمول والقائد والسائق» .

  25. وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن عبيد الله بن موسى قال: ذكر معاوية عند الأعمش فقالوا: كان حليما، فقال الأعمش: كيف يكون حليما وقد قاتل عليّا وطلب - زعم - بدم عثمان من لم يقتله، وما هو ودم عثمان، وغيره كان أولى بعثمان منه؟!

    vol. 6, p. 137
  26. وحدثّت عن شريك عن الأعمش أنّه قال: كيف يعدّ معاوية حليما وقد قاتل عليّ بن أبي طالب؟

  27. وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود عن يحيى عن عبد الله بن المبارك قال: ها هنا قوم يسألون عن فضائل معاوية، وبحسب معاوية أن يترك كفافا.

  28. المدائني عن عبد الله بن فائد عن أبي بكر الهذلي قال: قال الحسن: لو سلك معاوية بالناس غير سبيل الاحتمال والبذل والمدارة لاختطف اختطافا.

  29. وحدثنا يوسف وإسحاق قالا: جرير عن الأعمش عن أبي وائل قال:

    كنت مع مسروق بالسلسلة فمرّت به سفائن فيها أصنام من صفر تماثيل الرجال، فسألهم عنها فقالوا: بعث بها معاوية إلى أرض السند والهند تباع له، فقال مسروق: لو أعلم أنّهم يقتلونني لغّرقتها، ولكنّي أخاف أن يعذّبوني ثم يفتنوني، والله ما أدري أيّ الرجلين معاوية، أرجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتعّ من الدنيا أم رجل زيّن له سوء عمله.

  30. وحدثني إبراهيم بن العّلاف البصري قال، سمعت سلاّما أبا المنذر يقول: قال عاصم بن بهدلة حدثني زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على المنبر فاضربوا عنقه» .

  31. وروى الحكم بن ظهير عن عاصم عن زرّ عن عبد الله بن مسعود بمثله.

    vol. 6, p. 138
  32. وحدثني الحرمازي عن محمّد بن الحسن بن زيالة قال: سمع الزبير بن خبيب رجلا من الطالبّيين يقول أمصّ معاوية، فقال له الزبير، وهو أشدّ لمعاوية بغضا وعداوة من الطالبيّين: أي رحمك الله ليس هكذا يقال، إنّما يلعنه من عاداه أو يكفّره، فأمّا أن يمصّه فلا، هو يرتفع عن ذلك.

  33. المدائني قال، قال معاوية لابن عبّاس: ما حالت الفتنة بيني وبين أحد كان أعزّ عليّ فقدا وأحبّ إليّ قربا منك، فالحمد لله الذي قتل عليّا، فقال ابن عبّاس: أو غير هذا، تدع لي ابن عمي وأدع لك ابن عمك؟ قال: ذاك لك، ثمّ قال: أخبرني عن أبي سفيان، قال: اللهمّ إنّه تجر فأربح وأسلم فأفلح، وكان رأس الشرك حتّى انقضى، فقال: يا بن عبّاس في علمك ما تسرّ به جليسك ولولا أن أقارضك الثناء لأخبرتك عن نفسك.

  34. المدائني قال: لمّا مات المغيرة بن شعبة قال زياد: لم يبق للمعضلات إلاّ معاوية ورجل آخر، يعني نفسه.

    وقال هشام بن عمّار، قال معاوية بن حديج: أتيت عمرو بن العاص وقد ثقل فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي أكثر من رزئي، فما بقاء الكبير الفاني على هذا؟ فلمّا مات قال معاوية: مات ربع رأي الناس وإربهم. وقال المغيرة بن شعبة: ذهب نصف دهاء قريش، أراد أن النصف الباقي معاوية ولم يعدّ زيادا.

  35. المدائني قال: قال عمرو بن العاص: أنا للبديهة، ومعاوية للأناة، والمغيرة للمعضلات، وزياد لصغار الأمور وكبارها.

    vol. 6, p. 139
  36. المدائني قال: لمّا مات المغيرة بن شعبة قال معاوية: لله رأي دفن مع المغيرة؛ وقال معاوية حين مات ابن عامر بن كريز: بمن أباهي بعد ابن عامر؟ وقال معاوية حين أتاه موت سعيد بن العاص: ما مات من ترك مثل عمرو بن سعيد، وقال: قد مات من هو أكبر منّي ومن أنا أكبر منه وأنشد:

    إذا سار من خلف امرئ وأمامه … وأجمع يوما رحلة فهو ظاعن

    حدثني محمّد بن سعد عن الواقدي قال: كانوا يقولون إنّ أبا سفيان بن حرب رجل شحيح بخيل له مال، وإنّما سوّد لرأيه وعظّم لماله، وهلك في أيّام عثمان وله ثمان وثمانون سنة؛ وكانوا يقولون: إنّ معاوية كان ذا رأي وسخاء.

    وقال الواقدي: حدثني أصحابنا عن ابن جعدبة وغيره قالوا: كان لعبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب أرض إلى جانب أرض لمعاوية، وكان وكيل معاوية بالمدينة النّضير مولاه، فعمد إلى أرض عبد الرحمن فضمّها إلى أرض معاوية وقال: هذه لأمير المؤمنين، فقال عبد الرحمن: عندي البّينة أنّ أبا بكر بن أبي قحافة قطعها لي مقتل أبي باليمامة، فقال النضير: هذه قطيعة أمير المؤمنين، فخاصمه إلى مروان بن الحكم فقال: اصطلحا، وكره أن يجزم القضاء على معاوية، فأتى عبد الرحمن بن زيد الشام فلمّا صار إلى باب معاوية ألفاه جالسا بالخضراء بدمشق، فقال لأبي يوسف: استأذن لي على أمير المؤمنين، فاعتلّ عليه، فرفع صوته فقال: ما لي بدّ من الوصول إليه، فإنّا إلى أن توصل أرحامنا وتثمّر لنا أموالنا أحوج منّا إلى أن يؤخذ منّا ما في

    vol. 6, p. 140أيدينا، فسمعه معاوية فقال: أدخله، فدخل فسلّم وقال: إنّ وكيلك بالمدينة تعدّى عليّ، وعمد إلى ما قطع لي خليفة رسول الله ﷺ وأجازه لي عمر فألجأه إلى أرضك، وزعم أنّ عنده كتابا من عثمان بأنّه قطعه لك، وكيف يقطع لك عثمان حقا هو لي؟ فقال معاوية: تركت أرضك لم تعمرها حتّى عملتها، فلمّا غرست فيها خمسة آلاف ودّية قلت: قطيعة أبي بكر، وقد روي عن عمر أنّه بلغه أنّ قوما يتحجّرون الأرض ثمّ يدعونها عطلا فيجيء آخرون فيزرعونها، أنّها لمن زرعها، فقال: والله ما قلت الحقّ يا معاوية فأنصفني، فقال: عليّ بالقاضي، وهو فضالة بن عبيد الأنصاري ثمّ الزرقي، فلم يأته وقال: في بيته يؤتى الحكم، فصار معاوية وعبد الرحمن إليه، فألقيت لهما وسادة وقيل اجلسا عليها، فتكلّم عبد الرحمن بقوله الأوّل، وتكلّم معاوية بقوله الأوّل، فرأى فضالة أنّ القول قول عبد الرحمن والحقّ معه، فقضى به، فقال معاوية: نقبل ما قلت، أرأيت ما غرست فيها؟ قال: يقوّم ذلك لك، فإن شاء عبد الرحمن دفع إليك قيمة غراسك، وإن شاء ضمّنك قيمة الأرض. فقال عبد الرحمن: قد أنصفت، فقال فضالة: يا أمير المؤمنين أو بمثل زيد بن الخطّاب وعمر يفعل هذا بعقبهما؟ ! فقال معاوية: فالغراس له، وما مدّ إليه يده من أرضي فهو له صلة لرحمه، وكتب له بذلك إلى وكيله وقضى دينه وألحقه في شرف العطاء وقال: أنت مستحقّ لذلك يا بن أخي الفاروق والشهيد، وأعطاه مالا، فقال فضالة لمعاوية حين مضى عبد الرحمن: والله لو فعلت غير هذا فقدم على أهل مدينة الهجرة وبقيّة الناس فشكاك لكان في ذلك ما لا يحسن

    vol. 6, p. 141ولا يجمل، فقال معاوية: جزاك الله على المعاونة على الحقّ خيرا، وانصرف ابن زيد فأخذ ماله.

  37. حدثني محمّد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال:

    خطب معاوية فقال: أيّها الناس والله لنقل الجبال الراسيات أيسر من اتّباع أبي بكر وعمر في سيرتهما، ولكنّي سالك بكم طريقا تقصر عمن تقدّمني ولا يدركني فيها من بعدي.

  38. حدثني الحرمازي عن جهم بن حسّان قال: دخل عبد الرحمن بن سيحان على سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه فقال له سعيد أأنت القائل:

    إنّا لنشربها حتّى تميل بنا … كما تمايل وسنان بوسنان

    فقال: معاذ الله ولكنّي أقول:

    عمدت بحلفي للمعالي وللذرى … ولم تلفني كالنّسي في ملتقى الحرب

    إذا ما حليف الذلّ أقعى مكانه … ودبّ كما يمشي الكسير على العتب

    وهصت (١) … الحصى لا أرهب الذلّ قائما

    إذا أنا راخى لي خناقي بنو حرب

    فقال له ابنه عمرو الأشدق: اضربه، فقال: هذا حليف معاوية؛ فلمّا لقي سعيد معاوية قال له معاوية: أأمرك أحمقك أن تضرب حليفي؟! والله لو ضربته لضربتك، فقال سعيد: اللهم غفرا، قد ضربت حليفك عمرو بن جبلة، فقال معاوية: إنّي آكل لحمي ولا أوكله؛ وكان حليفا لحرب.

  39. المدائني عن أبي اليقظان قال: قدم (١) سحبان وائل الباهلي على معاوية فخطب ببابه، فقال له: يا سحبان أنت السحّ (٢) ، فقال:

    لقد علم الوفد العراقيّ أنّني … إذا قلت عند الباب أيّ خطيب

    المدائني عن عبد الله بن أبي سعيد أنّ معاوية قال لجلسائه: أيّكم ينشد قصيدة أنصف فيها صاحبها ولم يخفّ لقومه؟ فلم يأتوا بشيء، فقال:

    يا غلام هات تلك الرقعة، فقرأ عليهم من قصيدة للمفضّل العبدي:

    بكلّ قرارة منّا ومنهم … بنان فتى وجمجمة فليق

    فأشبعنا الضباع وأشبعوها … فراحت كلّها تئق تفوق

    قتلنا الفارس الوضّاح منهم … كأنّ فروع لمّته العذوق (٣)

    وقد قتلوا به منّا غلاما … كريما لم تخوّنه العروق

    فأبكينا نساءهم وأبكوا … نساء ما يسوغ لهنّ ريق (٤)

    vol. 6, p. 142
  40. حدثني محمّد بن مصفّى الحمصي عن بقيّة بن الوليد قال: بلغنا أنّ عمرو بن سعيد بن العاص وفد على معاوية بعد موت أبيه فقال له: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إليّ ولم يوص بي، قال: فما كانت وصيتّه؟ قال: أن أقضي دينه وألاّ يفقد إخوانه منه إلاّ وجهه، فقال معاوية: انّ ابن سعيد هذا لأشدق.