[ما قيل في عبد الملك وأخباره]

21 paragraphs · vol. 8, p. 217

  1. وحدّثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: مرض حسّان بن مالك بن بحدل، ومنظور بن زيد بن أفعى الكلبي أحد بني حارثة بن عبد ود، فعادهما عبد الملك وقال:

    فما لي في دمشق ولا قراها … مبيت إن عرضت ولا مقيل

    وما لي بعد حسّان سمير … وما لي بعد منظور خليل

    وهذا أثبت وأصحّ.

    vol. 8, p. 217
  2. المدائني عن زيد بن عياض بن جعدبة قال: حجّ عبد الملك، فلقيه عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم الشاعر، فلما سلّم عليه قال: ويحك أما ترعوي من فتونك، لقد علمت قريش أنك من أطولها صبوّة، وأبطأها توبة، وجفاه فقال عمر: يا أمير المؤمنين بئست التحية من ابن العم لابن عمه على طول النوى. وقيل له: يا أمير المؤمنين سلّم عليك ابن أبي ربيعة، وهو فتى قريش وشاعرها فلقيته بالغلظة والجفوة، فلو دعوته فآنست وحشته، وبسطته، فدعاه، فدخل عليه، وجارية تغمز رجله، وأخرى تغمز رأسه، فقال له: إني كنت ضجرا فأسمعتك ما لم أكن أحبّ أن اقول مثله لك فسلني حوائجك، فقال: يا أمير المؤمنين قد علمت قريش أني من أكثرها مالا وأحسنها حالا، وأنضها عينا، وأقلها دينا، وأعظم حوائجي بقاؤك. ثمّ انصرف، فقيل له: يا أبا الخطاب دعاك أمير المؤمنين، فعرض عليك الحوائج فلم تسأله شيئا؟ فقال: إنه أجلس القمر عند رجله، والشمس عند رأسه، ثم قال: تصدق، وما كان ذاك ليكون أبدا.

    vol. 8, p. 218قال القاسم بن سلام: يقال أن معاوية أو عبد الملك قال: ما غضبي على من أملك فأنا أقدر عليه وما غضبي على من لا أملك ويدي لا تناله.

  3. وحدثني عمر بن بكير عن هشام ابن الكلبي عن ابن مسكين المديني عن أبيه قال: حج عبد الملك فمرّ بمنزل حبّى المدينيّة بالمدينة، وكان فتيان قريش يجلسون إليها فيتحدّثون عندها، فأشرفت عليه ونظر إليها وهي تدعو له، فوقف وقال: يا حبّى أنا عبد الملك، فقالت: قد علمت فبأبي أنت وأمي، الحمد لله الذي أراني وجهك قبل موتي، كيف أنت يا سيدي؟ قال:

    بخير يا حبى كيف ماؤك المبرد، ومن كان يغشاك من فتيان قريش؟ قالت:

    بخير يا أمير المؤمنين، أقتلت أخاك عمرو بن سعيد؟ قال: نعم والله ويعز عليّ، ولكنّه أراد قتلي، قالت: فلا أحاله، فأمر لها بخمسمائة دينار وأهدت له أشياء فقبلها.

  4. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش عن الشعبي قال:

    دخل محمد بن أسامة بن زيد على عبد الملك فقال له: ابن كم كان أبوك حين عقد له النبي ﷺ على الجيش؟ قال ابن سبع عشرة سنة، قال: فهؤلاء يعيبوننا حين عقدنا للوليد وهو ابن بضع وعشرين سنة.

  5. المدائني قال: قال عبد الملك: ظلم الناس عروة بن الورد حين قدّموا عليه حاتم طيّئ في السخاء، لقد كان سخيّا حازما.

  6. حدثني أبو محمد النحوي المعروف بالتوّزي عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: نازع رجل من قريش رجلا من بني تميم، فقال التميمي: أما قريش فلها فضلها ولكن منّا الأحنف بن قيس أحلم الناس، وإياس بن قتادة أحمل الناس، حمل دماء الأزد، وفارس العرب الحريش بن

    vol. 8, p. 219هلال، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فقال: قد كان الأحنف حليما، وكان إياس حمولا، وأمّا الحريش فإن عبّاد بن الحصين أولى بما وصفه به منه.

  7. المدائني إن عبد الملك حجّ فنزل بالمدينة دار مروان، فمرّ الحجّاج بخالد بن يزيد بن معاوية وهو قاعد في المسجد وعلى الحجّاج سيف مجلجل وهو يخطر، فقال رجل لخالد: من هذا الخطّار؟ قال خالد: بخ بخ هذا عمرو بن العاص، فقال الحجّاج: أقلت هذا عمرو بن العاص؟ ما يسرني أنّ العاص ولدني ولكنّي إلى الأشياخ من ثقيف والعقائل من قريش، وأنا الذي جمعت مائة ألف سيف بسيفي هذا وكلّهم يشهد أنّ أباك كان يشرب الخمر، ويضمر الكفر. ثمّ ولّى وهو يقول: بخ بخ هذا عمرو بن العاص.

  8. حدثني محمد بن حبيب مولى بني هاشم عن أبي فراس السلمي عن هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: ولّى عبد الملك الحجاج مكّة سنتين ثمّ ضمّ إليه المدينة وكان يتولاها قبله طارق ثمّ ولاه العراق، فاستخلف على مكة عبد الرحمن بن نافع بن الحارث بن جبالة بن عمير الخزاعي، وكان نافع قد ولي مكة لعمر بن الخطاب، وولى المدينة عبد الله بن قيس بن مخرمة بن عبد المطّلب بن عبد مناف، فأمّا عبد الله بن قيس فعزله عبد الملك، وقال للحجّاج: وليته وهو من أحمق أهل بيت من قريش؟ وولى المدينة يحيى بن الحكم بن أبي العاص وأقر عبد الرحمن بن نافع على مكة ما شاء الله عز وجل .

    وقال أبو الحسن المدائني: كان الحجّاج على مكّة سنتين، وكان طارق على المدينة ثم ضمّها عبد الملك إلى الحجّاج فاستخلف عليها عبد الله بن قيس بن مخرمة، ثم ولّى الحجّاج العراق فاستخلف على مكة والمدينة عبد

    vol. 8, p. 220الله بن قيس بن مخرمة، فبعث عبد الملك على مكّة نافع بن علقمة بن صفوان الكنانّي، وولى المدينة يحيى بن الحكم، ثمّ ولّى عبد الملك المدينة أبان بن عثمان، وولّى عبد الملك اليمامة يزيد بن هبيرة المحاربي، ثمّ إبراهيم بن عربي، وولّى الموصل يوسف بن الحكم بن أبي العاص، ولمّا مات عبد العزيز بمصر ولاها عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك.

    وقال المدائني: بلغ عبد الملك أنّ بعض عماله يقبل الهدايا فأشخصه إليه، فقال له: أقبلت هدية مذ وليت؟ قال: يا أمير المؤمنين بلادك عامرة، وخراجك زاج وافر، ورعيتك على أفضل حال، قال: أجب عمّا سألتك عنه؟ قال: نعم قد قبلت، فقال لئن كنت قبلت هديّة ولم تعوض عليها إنّك للئيم ولئن كنت أنلت مهديها ما كافأته به من مال المسلمين، أو قلدته من عملك ما لم تكن لتقلده إيّاه قبل هديته إنك لخائن جائر، ولئن كنت عوضت المهدي إليك من مالك ما أتهمك عند من ائتمنك، وأطمع فيك أهل عملك إنك لأحمق، وإنّ من أتى أمرا لم يخل فيه من لؤم أو حمق لحقيق أن لا يصطنع ثمّ عزله.

  9. المدائني قال: وفد إلى عبد الملك رجل من أهل المدينة كان يألفه أيّام تنسكه فأذن له وأدخل إليه أسراء فأمر بضرب أعناقهم قبل أن يناظرهم فقال له الرّجل: يا أمير المؤمنين لقد أقست الخلافة قلبك بعد أن كنت رؤوفا، قال: كلا إن الخلافة لم تقس قلبي، ولكنّه أقساه احتمال الضغن بعد الضغن.

  10. المدائني قال: خاض جلساء عبد الملك في قتل عثمان فقال رجل منهم:

    يا أمير المؤمنين في أي سنّك كنت يوم قتل عثمان؟ قال: دون المحتلم، قال: فما

    vol. 8, p. 221بلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه.

    وقال: قدم على عبد الملك عقيل بن علّفة المريّ فقال له عبد الملك:

    ما أحسن أموالكم عندكم؟ قال: ما ناله أحدنا عن صاحبه تفضلا، قال: ثمّ أيها؟ قال: مواريثنا، قال: فما أسرّها لكم؟ قال ما استفدناه فأكسبنا نعما، وأفادنا عزّا، قال: فما مبلغ عزكم؟ قال: لم يطمع فينا ولم تؤمن بوادرنا، قال:

    فما مبلغ جودكم؟ قال: أحبّ أموالنا إلينا ما اعتقدنا به منّه وأبقي لنا ذكرا، قال: فما بلغ من حفاظكم؟ قال: يدافع الرّجل منا عن جاره كدفاعه عن نفسه، قال: عبد الملك مثلك فليصف قومه.

  11. المدائنيّ قال: قدم المساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي على الوليد بن عبد الملك، وأمّه ولادة بنت العبّاس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة، فنزل على رجل من قومه يدعى برزا فأقام أشهرا فلم يصنع الوليد به خيرا، فارتحل وقال:

    ثلاثة أشهر في دار برز … أرجي نائلا عند الوليد

    فلا تشكي الكلال بدار برز … ولكن إن نجوت فلا تعودي

    وإن ضنّ الوليد كما زعمتم … فما نال الضنانة من بعيد

    فبلغت أبياته عبد الملك، فبعث في أثره فرده وقال له: أمن قبلنا جاءته الضنانة، أم من قبلكم؟ قال: لا بل من قبلنا، فقال له عبد الملك: هات حاجتك، قال: عليّ ثلاثة عشر ألف درهم للتجار فقضاها عنه وقال للوليد:

    أكانت هذه تفقرك لو دفعتها إليه قبل أن تسمع ما سمعت؟!.

  12. حدثني العمريّ عن الهيثم بن عدي عن ابن عيّاش قال: كان على شرط عبد الملك ابن أبي كبشة السكسكيّ، ثمّ أبو نائل رياح الغسانيّ، ثمّ عبد الله بن زيد الحكميّ، ثمّ كعب بن حامد العبسيّ، فمات وهو على شرطه، وكان على حرسه الريّان فمات، فصيّر مكانه خالد بن الريّان، وكان كاتبه على الخراج والجند سرجون الرومي، وعلى رسائله أبو الزعيزعة مولاه، وعلى الخاتم قبيصة بن ذؤيب فمات قبيصة سنة ستّ وثمانين، ويكنى أبا إسحق فصيّر مكانه عمرو بن الحارث مولى بني عامر بن لؤي.

    قالوا: وكتب عبد الملك إلى الحجّاج بعد يوم دير الجماجم أن يعطي النّاس عطاءهم، فكتب إليه: «إنّهم نكثوا العهد، ونقضوا البيعة، وفارقوا الجماعة، وطعنوا على الأئمة» ، فكتب إليه: «إنما تجب طاعتنا عليهم، بأن نعطيهم حقوقهم» .

    vol. 8, p. 222
  13. المدائني قال: أتي عبد الملك بأسارى، فهمّ بقتلهم فقال له رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين أذكرك آلاء الله عندك بالعفو، فعفا عنهم، وأمر بتخليتهم.

  14. المدائنيّ قال: أراد الحجّاج قتل من بقي في ديوان ابن الأشعث من أصحابه حين ظفر بهم، فقال له قتيبة بن مسلم: أصلح الله الأمير إنّ الله قد أعطاك ما تحبّ من الظفر، فأعطه ما يحبّ من العفو، فبلغ ذلك عبد الملك، فقال: لله درّ قتيبة لقد أبلغ في الموعظة، ولقد أحسن الحجّاج في القبول.

  15. المدائني عن مسلمة قال: كتب الحجّاج إلى عبد الملك إنّه بلغني أنّ أمير المؤمنين عطس فشمته من حضر، فأجابهم أن يهديكم الله ويصلح بالكم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.

  16. المدائني عن أبي اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: قام رجل من أهل اليمن إلى عبد الملك وهو يخطب، فقال: إنّ محمد بن يوسف - يعني أخا الحجّاج، وكان على اليمن - يسفك الدّم الحرام، ويأخذ المال الحرام، فقال:

    اجلس فجلس، ثمّ قام فقال مثل مقالته، فقال له: ويحك اجلس فجلس، ثمّ قام فقال مثل مقالته فقال له عبد الملك: لقد هممت أن أقتلك، قال:

    ما قمت هذا المقام إلا وبطن الأرض أحبّ إليّ من ظهرها إني سمعت أنّه تكون نبوّة، ثم خلافة ورحمة، ثمّ ملك وجبرية، فقد ذهبت النبوة والخلافة، وهذه الجبرية.

    vol. 8, p. 223
  17. المدائني قال: قال عبد الملك بن مروان لأميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد: مالك ولابن حرثان؟ قال: إنّه أتى حدّا فأقمته عليه، قال: أفلا درأت عنه بالشبهة؟ قال: كان الأمر أظهر من ذلك، قال: أما والله لقد أوجعك ولوددت أنّك كنت سلمت منه، وما سرّني أنّي هجيت، وأنّ لي مثل كل شيء أصبحت أملكه، وكان الذي قال فيه ابن حرثان:

    أضاع أمير المؤمنين ثغورنا … وأطمع فينا المشركين ابن خالد

    وبات على حور الحشايا (١) … ممهدا

    يعانق أمثال المها في المجاسد

    وبتنا قياما في الحديد وتارة … سجودا نناجي ربّنا في المساجد

    إذا هتف العصفور ريع فؤاده … وليث حديد الضرس عند الثرائد

    وقال أبو اليقظان: حدثنا جويرية بن أسماء قال: كان لعبد الملك بيت مال لا يدخله إلا مال طيب لم يظلم فيه مسلم ولا معاهد وقد عرف وجوهه،

    vol. 8, p. 224فكان يشتري منه الإماء اللاتي يتخذهنّ أمهات أولاد ويتزوج منه، ويقول لا أستحل إلا طيبا فإنّ ذلك في الأولاد.

  18. المدائني قال: كان عبد الملك يلبس جبّة ورداء، ويجلس للنّاس، وينظر في أمورهم، ويقف على بنيه في الكتاب فيقول للمعلم: أحسن تأديبهم ويكلمهم، قال: وقال عبد الملك لإسماعيل بن مهاجر، مؤدب مسلمة، ويزيد، وعنبسة: علم بنيّ القرآن، وخذهم بمكارم الأخلاق، وحثهم على صلة الأرحام، ووقّرهم في الملإ، وأخفهم في السر، فإن الأدب أملك بالغلام من الحسب، وتهددهم بي، وأدبهم دوني ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يفهموه فإنّ ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم.

  19. المدائني عن بكر بن عبد العزيز قال: قال عبد الملك لإسماعيل (١) مؤدب بنيه: علم بنيّ الصدق حتى إن قتل أحدهم قتيلا اعترف به على نفسه، والصق بابن عاتكة - يعني - يزيد فإنّ مهر أمه من عرق جبيني. قال:

    وكان مع سعيد بن عبد الملك معبد الجهني.

  20. المدائني عن علي بن حماد قال: قام رجل إلى عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين قطعت إليك القفر لأمر ضاق به الصدر، قال: وما هو؟ قال: ابني بثغر كذا، وقد اشتد إليه شوقي، وطال توقي، قال: فكتب في رده فأقفل.

  21. المدائني عن عبد الحليم الأشج عن أبي قرة أن عبد الملك خطب زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقالت: والله لا يتزوجني أبو الذّبّان،