٤ - سورة النساء
251 paragraphs · vol. 9, p. 237
Page 5 of 7
- vol. 9, p. 258
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا تَسْمِيَةُ الْقَاتِلِ، وَأَمَّا الْمَقْتُولُ فَرَوَى الثَّعْلَبِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوَهُ وَاللَّفْظُ لِلْكَلْبِيِّ، أَنَّ اسْمَ الْمَقْتُولِ مِرْدَاسُ بْنُ نَهَيْكٍ مِنْ أَهْلِ فَدَكَ، وَأَنَّ اسْمَ الْقَاتِلِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَنَّ اسْمَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ غَالِبُ بْنُ فَضَالَةِ اللَّيْثِيُّ، وَأَنَّ قَوْمَ مِرْدَاسٍ لَمَّا انْهَزَمُوا بَقِيَ هُوَ وَحْدَهُ، وَكَانَ أَلْجَأَ غَنَمَهُ بِجَبَلٍ، فَلَمَّا لَحِقُوهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَجَعُوا نَزَلَتِ الْآيَةُ، وَكَذَا
vol. 9, p. 259أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ، وَفِي آخِرِ رِوَايَةِ قَتَادَةَ: لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ السَّلَامُ بِهَا يَتَعَارَفُونَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ فِي مِرْدَاسٍ وَهَذَا شَاهِدٌ حَسَنٌ.
-
وَوَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ آخَرُ، فَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ، فَمَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمٌ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا، وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عَامِرٍ، وَمُحَلِّمٍ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذِهِ عِنْدِي قِصَّةٌ أُخْرَى، وَلَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: (قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ) هُوَ مَقُولُ عَطَاءٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا مِنْ عَلَامَاتِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَحِلَّ دَمُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ أَمْرُهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ تَحِيَّتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَةً. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ السَّلَمِ عَلَى اخْتِلَافِ ضَبْطِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الِانْقِيَادُ، وَهُوَ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ فِي اللُّغَةِ الِانْقِيَادُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَفَاصِيلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
١٨ - بَاب ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
-
٤٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ - وَكَانَ أَعْمَى - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾
-
٤٥٩٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ "
-
٤٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ : " ادْعُوا فُلَانًا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوْ الْكَتِفُ فَقَالَ اكْتُبْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ:
vol. 9, p. 260يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا ضَرِيرٌ فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ "
-
٤٥٩٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ ح و حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْر"
-
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَاخْتَلَفَتِ الْقِرَاءَةُ فِي: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْقَاعِدُونَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحٍ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) كَذَا قَالَ صَالِحٌ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَخَالَفَهُمَا مَعْمَرٌ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.
-
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ) أَيِ ابْنِ أَبِي الْعَاصِ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ الَّذِي صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ خَلِيفَةً.
-
قَوْلُهُ: (فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رِوَايَةُ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَهُوَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ. قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ السَّمَاعِ عَدَمُ الصُّحبَةِ، وَالْأَوْلَى مَا قَالَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ: لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ عَامِ أُحُدٍ، وَقِيلَ: عَامَ الْخَنْدَقِ، وَثَبَتَ عَنْ مَرْوَانَ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا طَلَبَ الْخِلَافَةَ فَذَكَرُوا لَهُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَيْسَ ابْنُ عُمَرَ بِأَفْقَهَ مِنِّي، وَلَكِنَّهُ أَسَنُّ مِنِّي، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ. فَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِعَدَمِ صُحْبَتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ سَمَاعُهُ مِنْهُ مُمْكِنًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَى أَبَاهُ إِلَى الطَّائِفِ فَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا عُثْمَانُ لَمَّا اسْتُخْلِفَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ مَقْرُونَةً بِالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَنَبَّهْتُ هُنَاكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهَا مُرْسَلَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
-
قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِي رِوَايَةِ قَبِيصَةَ الْمَذْكُورَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: كُنْتُ أَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنِّي لَقَاعِدٌ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ، فَوَضَعَ فَخِذَهُ عَلَى فَخِذِي، قَالَ زَيْدٌ: فَلَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَطُّ أَثْقَلَ مِنْهَا، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الَّذِي فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا: لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ادْعُ لِي فُلَانًا، فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ وَالْكَتِفُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ فِي الْبَابِ أَيْضًا: دَعَا زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: لَمَّا نَزَلَتْ كَادَتْ أَنْ تَنْزِلَ لِتَصْرِيحِ رِوَايَةِ خَارِجَةَ بِأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ بِحَضْرَةِ زَيْدٍ.
-
قَوْلُهُ: (فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) فِي رِوَايَةِ قَبِيصَةَ الْمَذْكُورَةِ: فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ: جَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَقَدْ نَبَّهَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَمْرٌو، وَأَنَّ اسْمَ أَبِيهِ زَائِدَةُ وَأَنَّ أُمَّ مَكْتُومٍ أُمُّهُ. قُلْتُ: وَاسْمُهَا عَاتِكَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ خَبَرِهِ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ.
-
قَوْلُهُ: (وَهُوَ يُمِلُّهَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ هُوَ مِثْلُ يُمْلِيهَا، يُمْلِي وَيُمْلِلْ بِمَعْنًى، وَلَعَلَّ الْيَاءَ مُنْقَلِبَةٌ مِنْ إِحْدَى اللَّامَيْنِ.
-
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مَعَكَ لَجَاهَدْتُ) أَيْ: لَوِ اسْتَطَعْتُ، وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ إِشَارَةً إِلَى الِاسْتِمْرَارِ وَاسْتِحْضَارًا
vol. 9, p. 261لِصُورَةِ الْحَالِ، قَالَ: وَكَانَ أَعْمَى، هَذَا يُفَسِّرُ مَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: فَشَكَا ضَرَارَتَهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ: فَقَالَ: أَنَا ضَرِيرٌ وَفِي رِوَايَةِ خَارِجَةَ: فَقَامَ حِينَ سَمِعَهَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وَكَانَ أَعْمَى - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مِمَّنْ هُوَ أَعْمَى وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ قَبِيصَةَ: فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنْ بِي مِنَ الزَّمَانَةِ مَا تَرَى؛ ذَهَبَ بَصَرِي.
-
قَوْلُهُ: (أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي) أَيْ: تَدُقَّهَا.
-
قَوْلُهُ: (ثُمَّ سُرِّيَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ: كُشِفَ.
-
قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فِي رِوَايَةِ قَبِيصَةَ: ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: فَوَاللَّهِ، لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ كَانَ فِي الْكَتِفِ.
-
قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ السَّبِيعِيُّ.
-
قَوْلُهُ: (عَنِ الْبَرَاءِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سِنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَأَبُو سِنَانٍ اسْمُهُ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، وَهُوَ ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ كَذَا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَمِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَأَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشِ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَمِسْعَرٍ ثَمَانِيَّتُهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
-
قَوْلُهُ: (ادْعُوا فُلَانًا) كَذَا أَبْهَمَهُ إِسْرَائِيلُ فِي رِوَايَتِهِ وَسَمَّاهُ غَيْرُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
-
قَوْلُهُ: (وَخَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ) كَذَا فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الَّتِي قَبْلَهَا: دَعَا زَيْدًا فَكَتَبَهَا، فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَيُجْمَعُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ جَاءَ أَنَّهُ قَامَ مِنْ مَقَامِهِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى جَاءَ مُوَاجِهَهُ فَخَاطَبَهُ.
-
قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا) قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُقَالُ: إِنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ وَرَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ الْقَلَمُ.
-
قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَقْتَصِرِ الرَّاوِي فِي الْحَالِ الثَّانِي عَلَى ذِكْرِ الْكَلِمَةِ الزَّائِدَةِ، وَهِيَ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فَإِنْ كَانَ الْوَحْيُ نَزَلَ بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فَقَطْ، فَكَأَنَّهُ رَأَى إِعَادَةَ الْآيَةِ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى يَتَّصِلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَحْيُ نَزَلَ بِإِعَادَةِ الْآيَةِ بِالزِّيَادَةِ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ بِدُونِهَا، فَقَدْ حَكَى الرَّاوِي صُورَةَ ال حَالِ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ فَفِيهَا: ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وَفِي حَدِيثِ الْفَلَتَانِ - بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ وَبِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ - ابْنِ عَاصِمٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَقَالَ الْأَعْمَى: مَا ذَنْبُنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَخَافَ أَنْ يَنْزِلَ فِي أَمْرِهِ شَيْءٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْكَاتِبِ: اكْتُبْ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَوَقَعَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾
-
الْحَدِيثُ الْثَالِثُ: قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَأَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ بِأَنَّهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ لِقَوْلِهِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثُمَّ رَأَيْتُ فِي أَصْلِ النَّسَفِيِّ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، لِأَنَّ ابْنَ رَاهْوَيْهِ لَا يَقُولُ فِي شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ حَدَّثَنَا.
-
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ أَنَّهُ الْجَزَرِيُّ.
-
قَوْلُهُ: (أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ) أَمَّا مِقْسَمٌ فَتَقَدَّمَ
vol. 9, p. 262ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فَهُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ وَلَهُ هُوَ رُؤْيَةٌ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ.
-
قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ مُغَايِرٌ لِحَدِيثَيْ سَهْلِ وَالْبَرَاءِ فَقَالَ: الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِي الشَّيْءِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا مِثْلَهُ، وَزَادَ: لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَيَانِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَنَا رُخْصَةٌ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا، وَمِنْ قَوْلِهِ: دَرَجَةً إِلَخْ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ نَحْوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: دَرَجَةً وَوَقَعَ عِنْدَهُ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ وَهُوَ الصَّوَابُ فِي ابْنِ جَحْشٍ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخُوهُ، وَأَمَّا هُوَ فَاسْمُهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.
-
ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قَالَ: عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَحَاصِلُ تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، وَأَمَّا أُولُو الضَّرَرِ فَمُلْحَقُونَ فِي الْفَضْلِ بِأَهْلِ الْجِهَادِ إِذَا صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً؛ أَيْ: مِنْ أُولِي الضَّرَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ أَيْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَنَسٍ، وَلَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنِ اسْتِوَاءِ أُولِي الضَّرَرِ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ؛ لِأَنَّهَا اسْتَثْنَتْ أُولِي الضَّرَرِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ، فَأَفْهَمَتْ إِدْخَالَهُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتِوَاؤُهُمْ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ لَا فِي؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِالْجِهَادِ فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اتِّخَاذُ الْكَاتِبِ، وَتَقْرِيبُهُ، وَتَقْيِيدُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابَةِ.
-
١٩ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ
٤٥٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَأْتِي السَّهْمُ يرمى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ.
-
[الحديث ٤٥٩٦ - طرفه في: ٧٠٨٥]
- vol. 9, p. 263
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وَلَيْسَ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَفْظُ: بَابُ.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُوَ ابْنُ شُرَيْحٍ الْمِصْرِيُّ، يُكَنَّى أَبَا زُرْعَةَ.
-
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) هُوَ ابْنُ لَهِيعَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، عَنِ الْمُقْرِئِ، عَنْ حَيْوَةَ وَحْدَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْمُقْرِئِ كَذَلِكَ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ الْأَسَدِيُّ يَتِيمُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
-
قَوْلُهُ: (قُطِعَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ.
-
قَوْلُهُ: (بَعْثَ) أَيْ: جَيْشَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أُلْزِمُوا بِإِخْرَاجِ جَيْشٍ لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى مَكَّةَ.
-
قَوْلُهُ: (فَاكْتُتِبْتُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ عَلَى ال بِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
-
قَوْلُهُ: (أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ) سُمِّيَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةِ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ، قَيْسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ سُفْيَانَ، وَعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَذَكَرَ فِي شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ، فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّةَ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَهُمْ شَكٌّ، وَقَالُوا: غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ فِيهِمُ الْحَارِثَ بْنَ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَالْعَاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَكَذَا ذَكَرَهُمَا ابْنُ إِسْحَاقَ.