١٨٧٤ - أحمد بن حنبل
727 paragraphs · vol. 9, p. 192
Page 10 of 19
- vol. 9, p. 242
وسمعت أبي أبا حاتم يقول أتيت أبا عبد الله بعدما ضرب بثلاث سنين أو نحوها فجرى ذكر الضرب فقلت له ذهب عنك ألم الضرب؟ فأخرج يديه وقبض كوعيه اليمين واليسار وقال هذا كأنه يقول خلع وإنه يجد منهما ألم ذلك.
-
وبه قال بن أبي حاتم حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر قال قال أحمد بن حنبل قيل لي اكتب ثلاث كلمات ويخلى سبيلك فقلت هاتوا قالوا اكتب الله قديم لم يزل قال فكتبت فقالوا اكتب كل شيء دون الله مخلوق وقالوا اكتب الله رب القرآن قلت أما هذه فلا ورميت بالقلم فقال بشر بن الحارث لو كتبها لأعطاهم ما يريدون.
-
وبه قال وقال إبراهيم بن الحارث العبادي - وكان رافقنا في بلاد الروم - قال حضر أحمد بن حنبل أبو محمد الطفاوي فذكر له حديث فقال أبو عبد الله أخبرك بنظير هذا لما أخرج بنا جعلت أفكر فيما نحن فيه حتى إذا صرنا إلى الرحبة أنزلنا بظاهرها فمددت بصري فإذا بشيء لم أستثبته فلم يزل يدنو وإذا أعرابي جعل يتخطى تلك المحامل حتى صار إلي فوقف علي فسلم ثم قال أنت أحمد بن حنبل؟ فسكت تعجباً!! ثم أعاد فسكت فبرك على ركبتيه فقال أنت أبو عبد الله أحمد بن حنبل؟ فقلت نعم فقال أبشر واصبر فإنما هي ضربة هاهنا وتدخل الجنة هاهنا ثم مضى.
- vol. 9, p. 243
فقال الطفاوي يا أبا عبد الله إنك محمود عند العامة فقال أحمد الله على ديني إنما هذا دين لو قلت لهم كفرت فقال الطفاوي أخبرني بما صنعوا بك؟ قال لما ضربت بالسياط جعلت أذكر كلام الأعرابي ثم جاء ذاك الطويل اللحية يعني عجيفاً - فضربني بقائم السيف ثم جاء ذاك فقلت قد جاء الفرج يضرب عنقي فأستريح فقال له بن سماعة يا أمير المؤمنين اضرب عنقه ودمه في رقبتي فقال بن أبي داود لا يا أمير المؤمنين لا تفعل فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس صبر حتى قتل فاتخذه الناس إماماً وثبتوا على ما هم عليه ولكن أطلقه الساعة فإن مات خارجاً من منزلك شك الناس في أمره وقال بعضهم أجاب وقال بعضهم لم يجب فقال الطفاوي وما عليك لو قلت؟ قال أبو عبد الله لو قلت لكفرت.
-
وبه قال بن أبي حاتم سمعت أبا زرعة يقول دعا المعتصم بعم أحمد ثم قال للناس تعرفونه؟ قالوا نعم هو أحمد بن حنبل قال فانظروا إليه أليس هو صحيح البدن؟ قالوا نعم ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخاف إن يقع شيء لا يقام له قال ولما قال قد سلمته إليكم صحيح البدن هدأ الناس وسكنوا.
-
قلت ما قال هذا مع تمكنه في الخلافة وشجاعته إلا عن أمر كبير كأنه خاف إن يموت من الضرب فتخرج عليه العامة ولو خرج عليه عامة بغداد لربما عجز عنهم.
-
وقال حنبل لما أمر المعتصم بتخلية أبي عبد الله خلع عليه مبطنة وقميصاً وطيلساناً وقلنسوة وخفاً فبينا نحن على باب الدار والناس في الميدان والدروب وغيرها وغلقت الأسواق إذ خرج أبو عبد الله على دابة من دار المعتصم في تلك الثياب وأحمد بن أبي داود عن يمينه وإسحاق بن إبراهيم - يعني نائب بغداد - عن يساره فلما صار في الدهليز قبل إن يخرج قال لهم بن أبي داود اكشفوا رأسه فكشفوه يعني من الطيلسان وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس فقال لهم إسحاق خذوا به ها هنا يريد دجلة فذهب به إلى الزورق وحمل إلى دار إسحاق بن إبراهيم فأقام عنده إلى إن صليت الظهر وبعث إلى والدي وإلى جيراننا ومشايخ المحال فجمعوا وأدخلوا عليه فقال لهم هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه وإلا فليعرفه.
-
وقال بن سماعة - حين دخل الجماعة - لهم هذا أحمد بن حنبل وإن أمير المؤمنين ناظره في أمره وقد خلى سبيله وها هو ذا فأخرج على فرس لإسحاق بن إبراهيم عند غروب الشمس فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس وهو منحن فلما ذهب لينزل
vol. 9, p. 244احتضنته ولم أعلم فوقعت يدي على موضع الضرب فصاح فنحيت يدي فنزل متوكئاً علي وأغلق الباب ودخلنا معه ورمى بنفسه على وجهه لا يقدر إن يتحرك إلا بجهد ونزع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع وتصدق بثمنه.
-
وكان المعتصم أمر إسحاق بن إبراهيم إن لا يقطع عنه خبره وذلك أنه ترك فيما حكي لنا عند الإياس منه.
-
وبلغنا إن المعتصم ندم وأسقط في يده حتى صلح فكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا كل يوم يتعرف خبره حتى صح وبقيت إبهاماه منخلعتين يضربان عليه في البرد فيسخن له الماء ولما أردنا علاجه خفنا إن يدس أحمد بن أبي دواد سماً إلى المعالج فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا.
-
وسمعته يقول كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعاً وقد جعلت أبا إسحاق يعني - المعتصم - في حل ورأيت الله يقول "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون إن يغفر الله لكم" النور: ٢٢، وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح (٢٦٩) قال أبو عبد الله وما ينفعك إن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟!! قال حنبل قال أبو عبد الله قال برغوث - يعني يوم المحنة - يا أمير المؤمنين هو كافر حلال الدم اضرب عنقه ودمه في عنقي وقال شعيب كذلك أيضاً تقلد دمي فلم يلتفت أبو إسحاق إليهما وقال أبو عبد الله لم يكن في القوم أشد تكفيراً لي منهما وأما بن سماعة فقال يا أمير المؤمنين إنه من أهل بيت شرف لهم قدم ولعله يصير إلى الذي عليه أمير المؤمنين فكأنه رق عندها وكان إذا كلمني بن أبي دواد لم ألتفت إلى كلامه وإذا كلمني أبو إسحاق ألنت له القول قال فقال في اليوم الثالث أجبني يا أحمد فإنه بلغني أنك تحب الرئاسة وذلك لما أوغروا قلبه علي وجعل برغوث يقول قال الجبري كذا وكذا
vol. 9, p. 245كلام هو الكفر بالله فجعلت أقول ما أدري ما هذا إلا إني أعلم أنه أحد صمد لا شبه له ولا عدل وهو كما وصف نفسه فسكت.
-
وقال لي أبو إسحاق يا أحمد إني لأشفق عليك كشفقتي على ابني هارون فأجبني والله لوددت إني لم أكن عرفتك يا أحمد الله الله في دمك.
-
فلما كان في آخر ذلك قال لعنك الله لقد طمعت إن تجيبني ثم قال خذوه واسحبوه فأخذت ثم خلعت وجيء بعقابين وأسياط وكان معي شعر من شعر النبي ﷺ ثم صيرت بين العقابين فقلت يا أمير المؤمنين الله الله إن رسول الله ﷺ قال "لا يحل دم امرئ يشهد إن لا إله إلا الله وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاث" (٢٧٠) يا أمير المؤمنين فيم تستحل دمي؟ الله الله لا تلق الله وبيني وبينك مطالبة اذكر يا أمير المؤمنين وقوفك بين يدي الله تعالى كوقوفي بيت يديك وراقب الله فكأنه أمسك فخاف بن أبي دواد إن يكون منه عطف أو رأفة فقال إنه كافر بالله ضال مضل.
-
قال حنبل لما أردنا علاجه خفنا إن يدس بن أبي دواد إلى المعالج فيلقي في دوائه سماً فعملنا الدواء والمرهم عندنا فكان في برنية (٢٧١) فإذا داواه رفعناها قال وكان إذا أصابه البرد ضرب عليه وقال لقد ظننت إني أعطيت المجهود من نفس.
-
محنة الواثق: قال حنبل لم يزل أبو عبد الله بعد إن برئ من الضرب يحضر الجمعة والجماعة ويحدث ويفتي حتى مات المعتصم وولي ابنه الواثق فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى أحمد بن أبي دواد وأصحابه فلما اشتد الأمر على أهل بغداد وأظهرت القضاة المحنة بخلق القرآن وفرق بين فضل الأنماطي وبين امرأته وبين أبي صالح وبين امرأته كان أبو عبد الله يشهد الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع ويقول تؤتى الجمعة لفضلها والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة.
- vol. 9, p. 246
وجاء نفر إلى أبي عبد الله وقالوا هذا الأمر قد فشا وتفاقم ونحن نخافه على أكثر من هذا وذكروا بن أبي دواد وأنه على إن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في المكاتب القرآن كذا وكذا فنحن لا نرضى بإمارته فمنعهم من ذلك وناظرهم.
-
وحكى أحمد قصده في مناظرتهم وأمرهم بالصبر قال فبينا نحن في أيام الواثق إذ جاء يعقوب ليلاً برسالة الأمير إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله يقول لك الأمير إن أمير المؤمنين قد ذكرك فلا يجتمعن إليك أحد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها فاذهب حيث شئت من أرض الله قال فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق وكانت تلك الفتنة وقتل أحمد بن نصر الخزاعي ولم يزل أبو عبد الله مختفياً في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هلك الواثق.
-
وعن إبراهيم بن هانئ قال اختفى أبو عبد الله عندي ثلاثاً ثم قال اطلب لي موضعاً قلت لا آمن عليك قال افعل فإذا فعلت أفدتك فطلبت له موضعاً فلما خرج قال اختفى رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام ثم تحول.
-
العجب من أبي القاسم علي بن الحسن الحافظ كيف ذكر ترجمة أحمد مطولة كعوائده ولكن ما أورد من أمر المحنة كلمة مع صحة أسانيدها فإن حنبلاً ألفها في جزءين وكذلك صالح بن أحمد وجماعة.
-
قال أبو الحسين بن المنادي حدثني جدي أبو جعفر قال لقيت أبا عبد الله فرأيت في يديه مجمرة يسخن خرقة ثم يجعلها على جنبه من الضرب فقال يا أبا جعفر ما كان في القوم أرأف بي من المعتصم.
-
وعن أبي عبد الله البوشنجي قال حدث أحمد ببغداد جهرة حين مات المعتصم فرجعت من الكوفة فأدركته في رجب سنة سبع وعشرين وهو يحدث ثم قطع الحديث لثلاث بقين من شعبان بلا منع بل كتب الحسن بن علي بن الجعد قاضي بغداد إلى بن أبي داود إن أحمد قد انبسط في الحديث فبلغ ذلك أحمد فقطع الحديث وإلى إن توفي.
-
فصل في حال الإمام في دولة المتوكل: قال حنبل ولي المتوكل جعفر فأظهر الله السنة وفرج عن الناس وكان أبو عبد الله يحدثنا ويحدث أصحابه في أيام المتوكل وسمعته يقول ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم إليه في زماننا.
- vol. 9, p. 247
قال حنبل ثم إن المتوكل ذكره وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم في إخراجه إليه فجاء رسول إسحاق إلى أبي عبد الله يأمره بالحضور فمضى أبو عبد الله ثم رجع فسأله أبي عما دعي له؟ فقال قرأ علي كتاب جعفر يأمرني بالخروج إلى العسكر يعني سر من رأى قال وقال لي إسحاق بن إبراهيم ما تقول في القرآن فقلت إن أمير المؤمنين قد نهى عن هذا قال وخرج إسحاق إلى العسكر وقدم ابنه محمداً ينوب عنه ببغداد.
-
قال أبو عبد الله وقال لي إسحاق بن إبراهيم لا تعلم أحداً إني سألتك عن القرآن فقلت له مسألة مسترشد أو مسألة متعنت؟ قال بل مسترشد قلت القرآن كلام الله ليس بمخلوق.
-
قال صالح بن أحمد قال أبي قال لي إسحاق بن إبراهيم اجعلني في حل من حضوري ضربك فقلت قد جعلت كل من حضرني في حل وقال لي من أين قلت إنه غير مخلوق؟ فقلت قال الله "ألا له الخلق والأمر" الأعراف: ٥٤، ففرق بين الخلق والأمر فقال إسحاق الأمر مخلوق فقال يا سبحان الله أمخلوق يخلق خلقاً؟!! قلت يعني إنما خلق الكائنات بأمره وهو قوله "كن" الأنعام: ٧٣، قال ثم قال لي عمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟ قلت عن جعفر بن محمد قال ليس بخالق ولا مخلوق.
-
قال حنبل ولم يكن عند أبي عبد الله ما يتحمل به أو ينفقه وكانت عندي مئة درهم فأتيت بها أبي فذهب بها إليه فأصلح بها ما احتاج إليه واكترى وخرج ولم يمض إلى محمد بن إسحاق بن إبراهيم ولا سلم عليه فكتب بذلك محمد إلى أبيه فحقدها إسحاق عليه وقال يا أمير المؤمنين إن أحمد خرج من بغداد ولم يأت مولاك محمداً فقال المتوكل يرد ولو وطئ بساطي - وكان أحمد قد بلغ بصرى (٢٧٢) - فرد فرجع وامتنع من الحديث إلا لولده ولنا وربما قرأ علينا في منزلنا.
-
ثم إن رافعاً رفع إلى المتوكل إن أحمد ربص علوياً في منزله يريد إن يخرجه ويبايع عليه قال ولم يكن عندنا علم فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصيف سمعنا الجلبة ورأينا النيران في دار أبي عبد الله فأسرعنا وإذا به قاعد في إزار ومظفر بن الكلبي صاحب الخبر وجماعة معهم فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل ورد على أمير المؤمنين إن عندكم علوياً ربصته لتبايع له وتظهره في كلام طويل ثم قال له مظفر ما تقول؟ قال ما أعرف من
vol. 9, p. 248هذا شيئاً وإني لأرى له السمع والطاعة في عسري ويسري ومنشطي ومكرهي وأثرة علي وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار في كلام كثير فقال مظفر قد أمرني أمير المؤمنين إن أحلفك قال فأحلفه بالطلاق ثلاثاً إن ما عنده طلبة أمير المؤمنين ثم فتشوا منزل أبي عبد الله والسرب والغرف والسطوح وفتشوا تابوت الكتب وفتشوا النساء والمنازل فلم يروا شيئاً ولم يحسوا بشي ورد الله الذين كفروا بغيظهم وكتب بذلك إلى المتوكل فوقع منه موقعاً حسناً وعلم إن أبا عبد الله مكذوب عليه وكان الذي دس عليه رجل من أهل البدع ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين وهو بن الثلجي (٢٧٣) .
-
فلما كان بعد أيام بينا نحن جلوس بباب الدار إذا يعقوب أحد حجاب المتوكل قد جاء فاستأذن على عبد الله فدخل ودخل أبي وأنا ومع بعض غلمانه بدرة (٢٧٤) على بغل ومعه كتاب المتوكل فقرأه على أبي عبد الله إنه صح عند أمير المؤمنين براءة ساحتك وقد وجه إليك بهذا المال تستعين به فأبى إن يقبله وقال مالي إليه حاجة فقال يا أبا عبد الله اقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به فإنه خير لك عنده فإنك إن رددته خفت إن يظن بك سوءاً فحينئذ قبلها فلما خرج قال يا أبا علي قلت لبيك قال ارفع هذه الإنجانة وضعها يعني البدرة تحتها ففعلت وخرجنا فلما كان من الليل إذا أم ولد أبي عبد الله تدق علينا الحائط فقالت مولاي يدعو عمه فأعلمت أبي وخرجنا فدخلنا على أبي عبد الله وذلك في جوف الليل فقال يا عم ما أخذني النوم قال ولم؟ قال لهذا المال وجعل يتوجع لأخذه وأبي يسكنه ويسهل عليه وقال حتى تصبح وترى فيه رأيك فإن هذا ليل والناس في المنازل فأمسك وخرجنا فلما كان من السحر وجه إلى عبدوس بن مالك وإلى الحسن بن البزار فحضرا وحضر جماعة منهم هارون الحمال وأحمد بن منيع وبن الدورقي وأبي وأنا وصالح وعبد الله وجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة فوجه منها إلى أبي كريب وللأشج وإلى من يعلمون حاجته ففرقها كلها ما بين الخمسين إلى المئة وإلى المئتين فما بقي في الكيس درهم.
-
فلما كان بعد ذلك مات الأمير إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد ثم ولي بغداد عبد الله
vol. 9, p. 249بن إسحاق فجاء رسول إلى أبي عبد الله فذهب إليه فقرأ عليه كتاب المتوكل وقال له يأمرك بالخروج يعني إلى سامراء. فقال أنا شيخ ضعيف عليل فكتب عبد الله بما رد عليه فورد جواب الكتاب إن أمير المؤمنين يأمره بالخروج فوجه عبد الله أجناداً فباتوا على بابنا أياماً حتى تهيأ أبو عبد الله للخروج فخرج ومعه صالح وعبد الله وأبي زميلة.
-
وقال صالح كان حمل أبي إلى المتوكل سنة سبع وثلاثين ثم إلى إن مات أبي قل يوم يمضي إلا ورسول المتوكل يأتيه.
-
وقال صالح وجه إسحاق إلى أبي الزم بيتك ولا تخرج إلى جماعة ولا جمعة والا نزل بك أيام أبي إسحاق.
-
وقال بن الكلبي أريد إن أفتش منزلك ومنزل ابنك فقام مظفر وبن الكلبي وامرأتان معهما ففتشوا ودلوا شمعة في البئر ونظروا ثم خرجوا فلما كان بعد يومين ورد كتاب علي بن الجهم إن أمير المؤمنين قد صح عنده براءتك وذكر نحواً من رواية حنبل.
-
قال حنبل فأخبرني أبي قال دخلنا إلى العسكر فإذا نحن بموكب عظيم مقبل فلما حاذى بنا قالوا هذا وصيف وإذا بفارس قد أقبل فقال لأبي عبد الله الأمير وصيف يقرئك السلام ويقول لك إن الله قد أمكنك من عدوك يعني بن أبي داود وأمير المؤمنين يقبل منك فلا تدع شيئاً إلا تكلمت به فما رد عليه أبو عبد الله شيئاً وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين ودعوت لوصيف ومضينا فأنزلنا في دار إيتاخ ولم يعرف أبو عبد الله فسأل بعد لمن هذه الدار؟ قالوا هذه دار إيتاخ قال حولوني اكتروا لي داراً قالوا هذه دار أنزلكها أمير المؤمنين قال لا أبيت ها هنا ولم يزل حتى اكترينا له داراً وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل والثلج والفاكهة وغير ذلك فما ذاق منها أبو عبد الله شيئاً ولا نظر إليها وكان نفقة المائدة في اليوم مئة وعشرين درهماً.
-
وكان يحيى بن خاقان وابنه عبيد الله وعلي بن الجهم يختلفون إلى أبي عبد الله برسالة المتوكل ودامت العلة بأبي عبد الله وضعف شديداً وكان يواصل ومكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يشرب ففي الثامن دخلت عليه وقد كاد إن يطفأ فقلت يا أبا عبد الله بن الزبير كان يواصل سبعة وهذا لك اليوم ثمانية أيام قال إني مطيق قلت بحقي عليك قال فإني أفعل فأتيته بسويق فشرب ووجه إليه المتوكل بمال عظيم فرده فقال له عبيد الله بن يحيى فإن أمير المؤمنين يأمرك إن تدفعها إلى ولدك وأهلك قال هم مستغنون فردها عليه فأخذها عبيد الله فقسمها على ولده ثم أجرى المتوكل على أهله وولده في
vol. 9, p. 250كل شهر أربعة آلاف فبعث إليه أبو عبد الله إنهم في كفاية وليست بهم حاجة فبعث إليه المتوكل إنما هذا لولدك فما لك ولهذا؟ فأمسك أبو عبد الله فلم يزل يجري علينا حتى مات المتوكل.
-
وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي كلام كثير وقال يا عم ما بقي من أعمارنا كأنك بالأمر قد نزل فالله الله فإن أولادنا إنما يريدون إن ياكلوا بنا وإنما هي أيام قلائل وإنما هذه فتنة قال أبي فقلت أرجو إن يؤمنك الله مما تحذر فقال كيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم؟ لو تركتموها لتركوكم ماذا ننتظر؟ إنما هو الموت فإما إلى جنة وإما إلى نار فطوبى لمن قدم على خير قال فقلت أليس قد أمرت ما جاءك من هذا المال من غير إشراف نفس ولا مسألة إن تأخذه؟ قال قد أخذت مرة بلا إشراف نفس فالثانية والثالثة؟ ألم تستشرف نفسك؟ قلت أفلم يأخذ بن عمر وبن عباس؟ فقال ما هذا وذاك! وقال لو أعلم إن هذا المال يؤخذ من وجهه ولا يكون فيه ظلم ولا حيف لم أبال.
-
قال حنبل ولما طالت علة أبي عبد الله كان المتوكل يبعث بابن ماسويه المتطبب فيصف له الأدوية فلا يتعالج ويدخل بن ماسويه فقال يا أمير المؤمنين ليست بأحمد علة إنما هو من قلة الطعام والصيام والعبادة فسكت المتوكل.
-
وبلغ أم المتوكل خبر أبي عبد الله فقالت لابنها أشتهي إن أرى هذا الرجل فوجه المتوكل إلى أبي عبد الله يسأله إن يدخل على ابنه المعتز ويدعو له ويسلم عليه ويجعله في حجره فامتنع ثم أجاب رجاء إن يطلق وينحدر إلى بغداد فوجه إليه المتوكل خلعة وأتوه بدابة يركبها إلى المعتز فامتنع وكانت عليه ميثرة نمور فقدم إليه بغل لتاجر فركبه وجلس المتوكل مع أمه في مجلس من المكان وعلى المجلس ستر رقيق فدخل أبو عبد الله على المعتز ونطر إليه المتوكل وأمه فلما رأته قالت يا بني الله الله في هذا الرجل فليس هذا ممن يريد ما عندكم ولا المصلحة إن تحبسه عن منزله فائذن له ليذهب فدخل أبو عبد الله على المعتز فقال السلام عليكم وجلس ولم يسلم عليه بالإمرة فسمعت أبا عبد الله بعد يقول لما دخلت عليه وجلست قال مؤدبه أصلح الله الأمير هذا هو الذي أمره أمير المؤمنين يؤدبك ويعلمك؟ فقال الصبي إن علمني شيئاً تعلمته قال أبو عبد الله فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره وكان صغيراً.
-
ودامت علة أبي عبد الله وبلغ المتوكل ما هو فيه وكلمه يحيى بن خاقان أيضاً وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا فأذن له في الانصراف فجاء عبيد الله بن يحيى وقت العصر فقال
vol. 9, p. 251إن أمير المؤمنين قد أذن لك وأمر إن يفرش لك حراقة (٢٧٥) تنحدر فيها فقال أبو عبد الله اطلبوا لي زورقاً أنحدر الساعة فطلبوا له زورقاً فانحدر لوقته.
-
قال حنبل فما علمنا بقدومه حتى قيل إنه قد وافى فاستقبلته بناحية القطيعة وقد خرج من الزورق فمشيت معه فقال لي تقدم لا يراك الناس فيعرفوني فتقدمته قال فلما وصل ألقى نفسه على قفاه من التعب والعياء.
-
وكان ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار امتنع من ذلك حتى لقد وصف له في علته قرعة تشوى فشويت في تنور صالح قعلم فلم يستعملها ومثل هذا كثير.