مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 33 of 79
- vol. 9, p. 201
وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم، وأحمدُ، وأكثرُ أهلِ العِلم: لا يَلْزمُهُم حتَّى يُجيزُوا بعدَ موتِهِ، وسواءٌ أجازُوا ذلكَ في مَرضِهِ أو صِحَّتِهِ، إذا كان ذلك في حياتِهِ (٦) .
-
وأجمعُوا أنَّهُم لو أجازُوا ذلكَ وهُو صحيحٌ، لم يَلْزمْهُم، وأجمعُوا أنَّهُم إذا أجازُوا ما أوصى به مُورِّثُهُم لوارِثٍ منهُم، أو أجازُوا وَصيَّتهُ بأكثرَ من الثُّلُثِ
vol. 9, p. 202بعدَ موتِهِ، لَزِمهُم ذلك، ولم يكُن لهم أن يَرْجِعُوا في شيءٍ منهُ، قُبِضَ أو لم يُقْبَض، وأنَّ هذا لا يُحتاجُ فيه إلى قَبْضٍ عندَ جميعِهِم.
-
فهذه أُصُولُ مَسائلِ الوَصايا، وأمّا الفُرُوعُ، فتتَّسِعُ جِدًّا، والحمدُ للّه على كلِّ حال.
-
وأمّا قولُهُ عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} الآيةَ [البقرة: ١٨١] ، فمعناهُ عندَ جماعةِ العُلماءِ: تبديلُ ما أوْصَى به المُتوفَّى، إذا كان ذلك مِمّا يجُوزُ إمضاؤُهُ، فإن أوصَى بما لا يجُوزُ، مِثلَ أن يُوصيَ بخَمْرٍ، أو خِنْزيرٍ، أو بشيءٍ من المعاصي، فهذا يجُوزُ تبديلُهُ، ولا يجُوزُ إمضاؤُهُ، كما لا يجُوزُ إمضاءُ ما زادَ على الثُّلثِ، أو لوارِث.
-
حدَّثنا أحمدُ بن سعيدِ بن بِشر (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن كَعْبٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، عن ابن (٢) ثوبان، عن أبيهِ، عن مَكْحُولٍ، قال: كان في وَصِيَّةِ أبي الدَّرداءِ: بسم الله الرَّحمنِ الرَّحيم، هذا ما أوْصَى به أبو الدَّرداءِ: أَنَّهُ يَشْهدُ أن لا إله إلّا الله، وَحدهُ لا شريكَ لهُ، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ، وأنَّ النّارَ حقٌّ، وأنَّ الله يبعثُ من في القُبُورِ، وأَنَّهُ يُؤمِنُ باللّه، وَيكفُرُ بالطّاغُوتِ، على ذلكَ يحيا ويمُوتُ إن شاءَ الله، وأوْصَى فيما رَزَقهُ الله بكذا وكذا، وأنَّ هذه وَصيَّتُهُ، إن لم يُغيِّرها قبلَ الموت (٣) .
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمد (٤) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بن حمدانَ، قال:
vol. 9, p. 203حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (١) : حدَّثنا هُشَيمٌ، عن مُجالِدٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: كتبَ عُمرُ في وَصيَّتِه: ألّا يُقرُّ لي عامِلٌ أكثرَ من سنةٍ، إلّا الأشْعَريَّ، يعني أبا موسى، فأقِرُّوهُ أربعَ سِنينَ.
قال أبو عُمر: لا يختلِفُ العُلماءُ أنَّ للإنسانِ أن يُغيِّر وَصِيَّتهُ ويرجِعَ فيما شاءَ منها، إلّا أنَّهُمُ اختَلفُوا من ذلك في المُدبَّرِ، فقال مالكٌ رحِمهُ الله: الأمرُ المُجتَمَعُ عليه عندَنا أنَّ للإنسانِ أن يُغيِّر من وصيَّتِهِ ما شاءَ، من عَتاقةٍ، وغيرِها، إلّا التَّدبير، ولهُ أن ينقُض وصيَّتهُ كلَّها، ويُبدِّلها بغيرِها، ويصنع من ذلك ما شاءَ إلّا التَّدبير، فإنَّهُ لا يتصرَفُ فيه (٢) .
قال أبو الفَرَج: المُدبَّرُ في العَتاقةِ، كالمُعتقِ إلى شَهْرٍ، لأنَّهُ أجلٌ آتٍ لا محالةَ.
-
وقد أجمعُوا أَنَّهُ لا يرجعُ في اليَمينِ بالعِتْقِ، والعِتقُ إلى أجَلٍ، فكذلك المُدبَّرُ.
وقال الثَّوريُّ، وسائرُ الكُوفيِّين: إذا قال الرَّجُل: إن مُتُّ، ففُلانٌ حُرٌّ، فليسَ لهُ أن يرجِعَ، وإن قال: إن مُتُّ من مَرَضي هذا، ففُلانٌ حُرٌّ: فإن شاءَ أن يبيعهُ باعَهُ، فإن لم يبِعهُ فماتَ، عتَقَ، فإن صحَّ، فلاشيءَ لهُ.
قال أبو عُمر: وإن قال الرَّجُلُ لعَبدِهِ: فُلانٌ حُرٌّ بعدَ موتي. وأرادَ الوصيَّةَ، فلهُ الرُّجُوعُ عندَ مالكٍ في ذلك، وإن قال: فُلانٌ مُدبَّرٌ بعد موتي: لم يكُن لهُ الرُّجُوعُ فيه، وإن أرادَ التَّدبير بقولِهِ الأوَّلِ: لم يرجِع أيضًا عندَ أكثرِ أصحابِ مالك (٣) .
-
واختلَفَ ابنُ القاسم وأشْهَبُ فيمَنْ قال: عبدي حُرٌّ بعدَ موتي، ولم يُرِدِ الوصيَّةَ ولا التَّدبير، فقال ابنُ القاسم: هُو وصيَّةٌ، وقال أشهبُ: هُو مُدبَّرٌ إن لم يُرِدِ الوصيَّةَ (٤) .
- vol. 9, p. 204
وأمّا الشّافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ، وأبو ثَوْر، فكلُّ هذا عندَهُم وصيَّةٌ، والمُدبَّرُ عندَهُم وصيَّةٌ يَرْجعُ فيها، والمُدبَّرُ وغيرُ المُّدَبَّرِ من سائرِ ما ينفُذُ بعد الموتِ في الثُّلُثِ من الوَصايا عندَهُم سواءٌ، يرجِعُ صاحِبُهُ في ذلكَ كلِّهِ، وفيما شاءَ منهُ، إلّا أنَّ الشّافِعيَّ قال: لا يكونُ الرُّجُوعُ في المُدبَّرِ، إلّا بأن يُخرِجَهُ من مِلْكِهِ ببيع أو هِبَة (١) . وليسَ قولُهُ: قد رجعتُ، رُجُوعًا، وإن لم يُخرِج المُدبَّرَ من مِلْكِهِ حتَّى يمُوتَ، فإنَّهُ يعتِقُ بموتِهِ. وقال في القديم: يرجِعُ في المُدبَّرِ بما يرجِعُ في الوَصِيَّةِ. وأجازَهُ المُزنيُّ (٢) ، قياسًا على إجماعِهِم على الرُّجُوع فيمَنْ أوصَى بعِتقِهِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا قال: قد رَجَعتُ في مُدبَّري فُلانٍ، فقد بطَلَ التَّدبيرُ، فإن ماتَ: لم يعتِقْ.
-
وحُجَّةُ الشّافِعيِّ ومن قال بقولِهِ، في أنَّ المُدبَّر وَصِيَّةٌ: إجماعُهُم على أَنَّهُ في الثُّلُثِ كسائرِ الوَصايا، وفي إجازَتِهِم وَطءَ المُدبَّرةِ ما يَنقُضُ قياسَهم المُدَبَّرَ (٣) على المُعتَقِ إلى أجَل.
-
وقد ثبتَ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - باع مُدبَّرًا (٤) ، وأنَّ عائشَةَ دبَّرت جاريةً لها ثُمَّ باعَتْها (٥) ، وهُو قولُ جابر، وابنِ المُنكدِرِ، ومُجاهِدٍ، وجماعةٍ من التّابِعينَ (٦) .
- vol. 9, p. 205
حديثٌ تاسِعٌ وثلاثُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فرضَ زَكاةَ الفِطْرِ من رَمَضانَ صاعًا من تَمر، أو صاعًا من شَعِيرٍ، على كلِّ حُرٍّ أو عَبْدٍ، ذَكَرٍ أو أُنثى، من المُسلِمينَ.
-
لم يُختَلف عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، ولا في مَتْنِهِ، ولا في قولِهِ فيه: "من المُسلِمينَ" (٢) ، إلّا قُتَيبةَ بن سَعِيدٍ وحدَهُ، فإنَّهُ رَوَى هذا الحديثَ عن مالكٍ، ولم يقُل فيه: "من المُسلِمينَ" (٣) . وسائرُ الرُّواةِ عن مالكٌ قالوا عنهُ فيه: "من المُسلِمينَ" . وكذلكَ هُو في "المُوطَّأ" عندَ جميعِهِم فيما عَلِمتُ.
-
وقد زعمَ بعضُ النّاس (٤) ، أنَّهُ لا يقولُ فيه أحدٌ: "من المُسلِمينَ" غيرُ مالكٍ، وذكَرَهُ أيضًا أحمدُ بن خالدٍ، عن ابن وضّاح (٥) ، وليسَ كما ظنَّ الظّانُّ،
vol. 9, p. 206وقد قالهُ غيرُ مالكٍ جماعةٌ، ولوِ انفردَ به مالكٌ، لكان حُجّةً يُوجِبُ حُكمًا عندَ أهلِ العِلم، فكيفَ ولم ينفرِد به؟
-
وقد رواهُ إسماعيلُ بن جعفرٍ، عن عُمرَ بن نافع، عن أبيهِ، عن ابن عُمرَ (١) .
-
ورواهُ سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيُّ، عن عُبيدِ الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عُمرَ. ورواهُ كثيرُ بن فَرْقدٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ. ويونُسُ بن يزيد، عن نافع، عن ابن عُمرَ. كلُّهُم قالوا فيه: "من المُسلِمين" .
-
وذكَرَ أحمدُ بن خالدٍ: أنَّ بعضَ أصحابِهِ حدَّثهُ عن يوسُفَ بن يعقُوب القاضي، عن سُليمانَ بن حَرْبٍ، عن حمّادِ بن زَيْدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ بهذا الحديثِ، وقال فيه: "من المُسلِمينَ" .
قال أبو عُمر: هذا عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ خَطأٌ على أيُّوبَ لا شكَّ فيه، والمحفُوظُ عن أيُّوبَ فيه من رِوايةِ: حمّادِ بن زَيْدٍ، وإسماعيلَ ابن عُليَّةَ (٢) ، وحمّادِ بن سَلَمةَ (٣) ، وسلّام بن أبي مُطِيع (٤) ، وعبدِ الله بن شَوْذب (٥) ، وعبدِ الوارثِ بن سَعيد (٦) ، وسُفيانَ بن عُيَينةَ؛ كلُّهُم رواهُ عن أيُّوبَ، لم يَقُل فيه: "من المُسلِمينَ" عنهُ واحدٌ منهُم. وأحمدُ بن خالدٍ ثِقةٌ مأمُونٌ رضًا، وإنَّما جاءَ هذا من بعضِ أصحابِهِ الذي حدَّثهُ، واللّه أعلمُ.
- vol. 9, p. 207
وأمّا عُبيدُ الله بن عُمرَ، فلم يقُلْ فيه: "من المُسلِمينَ" عنهُ أحدٌ فيما عَلِمتُ أيضًا غيرُ سعيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيِّ.
-
ورواهُ عن عُبيدِ الله بن عُمر: يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ، وبِشرُ بن المُفضَّل، وعيسى بن يونُس، وأبو أُسامةَ (١) ، ومحمدُ بن عُبيدٍ الطَّنافِسيُّ، لم يقُل واحدٌ منهُم فيه عنهُ: "من المُسلِمين" .
-
ورواهُ ابنُ جُرَيج (٢) ، وابنُ أبي ليلى (٣) ، وابنُ أبي روّادٍ، عن نافع، فلم يقولُوا فيه: "من المُسلِمينَ" .
-
فأمّا حديثُ أيُّوبَ: فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا حمّادُ، يعني ابنَ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَدَقةَ رَمَضان على الذَّكرِ والأُنثى، والحُرِّ والمملُوكِ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعيرٍ. قال عبدُ الله: فعدَلَ النّاسُ نِصفَ صاع من بُرٍّ، بصاع من تمرٍ. قال: وكان عبدُ الله يُعطي التَّمرَ، فأعوَزَ أهلَ المدينةِ التَّمرُ عامًا، فأعْطَى الشَّعيرَ (٤) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا مُسدَّدٌ وسُليمانُ بن داودَ العتكيُّ، قالا: حدَّثنا حمّادٌ، عن
vol. 9, p. 208أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَرَ مِثلهُ حرفًا بحرفٍ إلى آخِرِهِ، ليس فيه: "من المُسلِمينَ" .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُمفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "صَدَقةُ الفِطْرِ صاعٌ من تمرٍ، أو صاعٌ من شَعِيرٍ" . قال ابنُ عُمر: فلمّا كان مُعاويةُ عدَلَ النّاسُ نِصفَ صاع بُرٍّ، بصاع شَعِيرٍ. قال نافعٌ: فكان عبدُ الله بن عُمرَ يُخرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ عن الصغيرِ من أهلِهِ والكبيرِ، والحُرِّ والعَبْد (١) .
قال أبو عُمر: هكذا قال ابنُ عُيَينةَ، عن أيُّوبَ في الحديثِ: قال ابنُ عُمرَ: فلمّا كان مُعاويةُ. وقال ابنُ أبي روّادٍ فيه، عن نافع: فلمّا كان عُمرُ. ويأتي ذلك في هذا البابِ إن شاءَ الله.
-
وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢) : أخبرنا عِمرانُ بن موسى، عن عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا أَيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زَكاةَ رمضانَ على الحُرِّ والعبدِ، والذَّكرِ والأُنثى، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعِيرٍ، فعدَلَ النّاسُ به نِصفَ صاع من بُرٍّ.
-
وكلُّ من رَواهُ عن أيُّوبَ لم يقُل فيه: "من المُسلِمينَ" إلّا ما ذَكَرهُ أحمدُ بن خالدٍ، فاللّهُ أعلمُ مِمَّن جاءَ الوَهمُ في ذلك.
- vol. 9, p. 209
وأمّا حديثُ عُبيدِ الله بن عُمر: فحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١) . وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ وبِشرُ بن المُفضل، قالا: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ (٢) ، قال: حدَّثني نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ فرضَ صَدَقةَ الفِطرِ صاعًا من شَعيرٍ، أو تمرٍ، على الصَّغيرِ والكبيرِ، والحُرِّ والمملُوكِ. زاد بِشرٌ (٣) : والذَّكَرِ والأُنثى. قال أبو داود: وهُو صحيحٌ في حديثِ أيُّوبَ وعُبيدِ الله: الذَّكرُ والأُنثى (٤) .
قال أبو عُمر: قد سقطَ لقوم عن أيُّوبَ، ولِقوم عن عُبيدِ الله في هذا الحديثِ: الذَّكَرِ والأُنثى. ولكِن من حفِظَ، حُجَّةٌ على من لم يحفظ.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥) : أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا عيسى بن يوُنس، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَدَقةَ الفِطْرِ على الصَّغيرِ والكبيرِ، والذَّكَرِ والأُنثى، والحُرِّ والعَبْدِ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعيرٍ.
-
أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي العَنْبسِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبَيدٍ، عن عُبيدِ الله، عن نافع،
vol. 9, p. 210عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فرضَ زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ، صغيرٍ أو كَبير (١) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا الهيثمُ بن خالدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حُسينُ بن عليٍّ الجُعفيُّ، عن زائدةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي روّادٍ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: كان النّاسُ يُخرِجُونَ صَدَقةَ الفِطْرِ على عَهْدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من شَعيرٍ، أو تمرٍ، أو سُلْتٍ، أو زبيبٍ. قال عبدُ الله: فلمّا كان عُمرُ، وكَثُرتِ الحِنْطةُ، جعلَ عُمرُ نِصفَ صاع حِنْطةٍ مكان صاع من تلكَ الأشياءِ.
قال أبو عُمر: لم يَقُل أحدٌ من أصحابِ نافع عنهُ في هذا الحديثِ فيما علِمتُ: أو سُلْتٍ، أو زبيبٍ، إلّا عبدَ العزيزِ بن أبي روّادٍ، وقال فيه: فلمّا كان عُمرُ، وكثُرتِ الحِنطةُ، جعلَ نِصفَ صاع مكان تِلك الأشياءِ. وابنُ عُيينةَ يقولُ فيه: فلمّا كان مُعاويةُ. وقولُ ابن عُيَينةَ عِندي أولى، واللّه أعلمُ؛ لأنَّهُ أحْفَظُ وأثبتُ من ابن أبي رَوّادٍ.
-
وأمّا من ذكَرَ في هذا الحديثِ: "من المُسلِمينَ" ، كما قال مالكٌ:
فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ البَغْداديُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيُّ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال:
vol. 9, p. 211فرضَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زَكاةَ الفِطْرِ من رمضانَ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعِيرٍ، على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ، ذَكَرٍ أو أُنثى من المُسلِمينَ (١) .
-
وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (٢) . وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣) . قالا: أخبرنا يحيى بن محمدِ بن السَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَهْضَم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن عُمرَ بن نافع، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا من تَمْرٍ أو صاعًا من شَعِيرٍ، على الحُرِّ والعبدِ، والذَّكرِ والأُنثى، والصَّغيرِ والكبيرِ من المُسلِمينَ، فأمَرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خُرُوج النّاسِ إلى الصَّلاةِ.
قال أبو داود: رواهُ عبدُ الله العُمريُّ، عن نافع، فقال فيه: على كلِّ مُسلِم (٤) . ورواهُ سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيُّ، عن عُبيدِ الله، عن نافع، فقال: فيه: "من المُسلِمينَ" . قال: والمشهُورُ، عن عُبيدِ الله، ليس فيه: "من المُسلِمينَ" .
-
وأخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حَمْزةَ، قال:
vol. 9, p. 212حدَّثنا أبو جَعْفرٍ الطَّحاويُّ (١) أحمدُ بن محمدِ بن سَلامةَ بن سَلَمة الأزديُّ، قال: حدَّثنا فهدُ بن سُليمان وطاهِرُ بن عَمرِو بن الرَّبيع بن طارِقٍ الِهلاليُّ، قالا: حدَّثنا عَمرُو بن الرَّبيع بن طارِقٍ، قال: أخبرني يحيى بن أيُّوبَ، عن يوُنسَ بن يزيدَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، مِثلَ حديثِ مالكٍ سَواءً.
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُفَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحيم وعبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ ومحمدُ بن يحيى بن عبدِ العزيزِ ومحمدُ بن محمدِ بن أبي دُلَيم، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الله بن بُكير (٢) ، عن اللَّيثِ، عن كَثيرِ بن فَرْقَد (٣) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "زَكاةُ الفِطْرِ على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ من المُسلِمينَ، صاعٌ من تَمْرٍ، أو صاعٌ من شَعِيرٍ" (٤) .
-
أمّا رِوايةُ قتيبةَ بن سعيدٍ لهذا الحديثِ، عن مالكٍ: فحدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضل (٥) الخفّافُ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخضِرِ الأسيُوطيُّ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (٦) ؛ قالا جميعًا: أخبرنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن
vol. 9, p. 213نافع، عن ابن عُمرَ، قال: فرضَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَدَقةَ الفِطْرِ على الذَّكَرِ والأُنثى، والحُرِّ والمملُوكِ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعيرٍ. زاد أحمدُ بن شُعَيبٍ في حديثِهِ: قال: فعدَلَ النّاسُ إلى نِصفِ صاع بُرٍّ. وزاد الفِرْيابيُّ (١) في حديثِهِ: قال: وكان ابنُ عُمرَ يُخرِجُ عن غِلمانٍ لهُ وهُم غُيَّبٌ.
-
هكذا رَوَى هذا الحديثَ قُتيبةُ، عن مالكٍ، لم يقُل فيه: "من المُسلِمينَ" . وزادَ عنهُ ألفاظًا لم يذكُرها غيرُهُ عنهُ في "المُوطَّأ" من قولِ ابن عُمر وفِعْلِهِ، وأظُنُّهُ خُلِطَ عليه حديثُ مالكٍ بحديثِ غيرِهِ، واللّه أعلمُ، والمحفُوظُ فيه عن مالكٍ: "من المُسلِمينَ" (٢) .
-
وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ مَعانٍ اختلَفتِ العُلماءُ في بعضِها، وأجمعُوا على بعضِها.
-
فأوَّلُ ذلكَ: أنَّهُمُ اختلفُوا في زَكاةِ الفِطْرِ: هل هي فرضٌ واجِبٌ، أو سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، أو فِعلُ خَيْرٍ مندُوبٌ إليه؟
-
فجُمهُورُ العُلماءِ وجماعةُ الفُقهاءِ، على أنَّها فرضٌ واجِبٌ، فَرَضهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، كما قال ابنُ عُمرَ. وقال قائلُونَ: هي سنةٌ مُؤَكَّدةٌ ولا يَنْبغي تركُها. وقال بعضُهُم: هي فِعْلُ خيرٍ، وقد كانت واجِبةً، ثُمَّ نُسِخت. رُوِيَ هذا عن قَيْسِ بن سَعْد (٣) .
-
أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤) : أخبرنا محمدُ بن عبدِ الله بن المُباركِ. وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ،
vol. 9, p. 214قال: أخبرنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جريرٍ، قال: حدَّثنا أبو كُريب. قالا: حدَّثنا وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن سَلَمةَ بن كُهَيل (١) ، عن القاسم بن مخُيَمِرةَ، عن أبي عمّارٍ الهَمَدانيِّ، عن قَيْسِ بن سَعدٍ، قال: أمَرَنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بصَدَقةِ الفِطْرِ قبلَ أن تَنْزِلَ الزَّكاةُ، فلمّا نَزَلتِ الزَّكاةُ، لم يأمُرْنا، ولم يَنْهَنا، ونحنُ نفعلُهُ.
-
وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢) : أخبرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن الحَكَم بن عُتَيبةَ، عن القاسم بن مُخَيمِرةَ، عن عَمرِو بن شُرَحبيل، عن قَيْسِ بن سعدِ بن عُبادةَ، قال: كُنّا نصُومُ عاشُوراءَ، ونُؤَدِّي صَدَقةَ الفِطْرِ، فلمّا نزلَ رَمَضانُ، ونزلتِ الزَّكاةُ، لم نُؤمَر به، ولم نُنهَ عنهُ، ونحنُ نفعَلُهُ.
قال أبو جعفرٍ الطَّبَريُّ: أجمَعَ العُلماءُ جميعًا، لا اختِلافَ بينِهم، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ بصدقةِ الفِطْرِ، ثُمَّ اختلفُوا في نَسْخِها، فقال قَيْسُ بن سعدِ بن عُبادَةَ: كان النَّبيُّ عليه السَّلامُ يأمُرُنا بها قبلَ نُزُولِ الزَّكاةِ، فلمّا نزلت آيةُ الزَّكاةِ لم يأمُرْنا بها ولم يَنْهنا عنها، ونحنُ نفعلُهُ. قال: وقال جُلُّ أهلِ العِلم: هي فرضٌ، لم يَنْسخها شيءٌ. قال: وهُو قولُ مالكٍ، والأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، والشّافِعيِّ، وأبي حَنِيفةَ، وأبي يوسُف ومحمدٍ، وأبي ثورٍ.
قال الطَّبريُّ: حدَّثنا بقولِ مالكٍ: يونُسُ، عن أشْهَب، عن مالكٍ، قال: هي فرضٌ. وفي سماع زيادِ بن عبدِ الرَّحمنِ من مالكٍ، قال: مالكٌ سُئلَ عن تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: ٤٣] : هي التي قُرِنت بالصَّلاةِ؟
vol. 9, p. 215قال: فسمِعتُهُ يقولُ: هي زكاةُ الأموالِ كلِّها، من الذَّهَبِ، والوَرِقِ، والثِّمارِ، والحُبُوبِ، والمواشي، وزكاةُ الفِطرِ، وتلا: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (١) [التوبة: ١٠٣] .