مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 58 of 79
- vol. 9, p. 490
والمحفُوظُ في هذا الحديثِ، أنَّ دُعاءَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم -للمُحلِّقينَ ثلاثًا، وللمُقصِّرين مرَّةً- إنَّما جَرَى يومَ الحُدَيبيةِ، حين صُدَّ عن البيتِ، فنحرَ وحلَقَ، ودَعا للمُحلِّقينَ.
-
وهذا معرُوفٌ مشهُورٌ محفُوظٌ من حديثِ ابن عُمرَ (٣) ، وابن عبّاس (٤) ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وأبي هريرةَ، وحُبْشيِّ بن جُنادةَ (٥) ، وغيرِهِم.
- vol. 9, p. 491
أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي إبراهيمَ الأنصاريِّ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الخُدريُّ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَسْتغفِرُ يومَ الحُدَيْبيةِ للمُحلِّقينَ ثلاثًا، وللمُقصِّرين مرَّةً.
-
أخبرنا (٢) أحمدُ بن سعيدِ بن بِشرٍ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بن قاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الأصْبَهانيُّ، قال: حدَّثنا يونُسُ بن حَبيبٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالِسيُّ، قال (٣) : حدَّثنا هشالم، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي إبراهيمَ الأنْصاريِّ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابَهُ حَلَقُوا رُؤُوسَهُم يومَ الحُدَيْبيةِ، إلّا عُثمانَ بن عفّانَ وأبا قَتادةَ، واستغفَرَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- للمُحلِّقينَ ثلاثًا، وللمُقصِّرينَ مرَّةً.
-
ووجَدَتُ في أصْلِ سَماع أبي بخَطِّهِ رحِمهُ الله: أنَّ محمدَ بن أحمدَ بن قاسم بن هِلالٍ حَدَّثهُم، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمانَ الأعْناقيُّ، قال: حدَّثنا نَصْرُ بن مَرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا يحيى بن زَكَريّا بن أبي زائدةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن أبي نَجيح، عن مجُاهِدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: حلَقَ رِجالٌ يومَ الحُدَيبيةِ، وقصَّرَ آخرُونَ، فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "رحِمَ الله المُحلِّقينَ" ، قالوا: يا رسُولَ الله، والمُقصِّرين؟ قال: "رحِمَ الله المُحلِّقِينَ" ،
vol. 9, p. 492قالوا: يا رسُولَ الله، والمُقصِّرينَ (١) ؟ قال: "رحِمَ الله المُحلِّقينَ" ، قالوا: يا رسُولَ الله، والمُقصِّرينَ (٢) ؟ قال: "والمُقصِّرينَ" . قالوا: فما بالُ المُحلِّقين ظاهرتَ لهم بالتَّرحُّم؟ قال: "لم يشُكُّوا" (٣) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُف، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زياد (٤) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الجبّارِ العُطارِديُّ، قال: حدَّثنا يونُسُ بن بُكيرٍ، قال: أخبرنا ابنُ إسحاق، فذكر بإسنادِهِ مِثلهُ (٥) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٦) : حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ، عن
vol. 9, p. 493عُمارةَ بن القَعْقاع، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-،
فذكرهُ بمعناه.
-
فقد ثبتَ أنَّ ذلك كان عامَ الحُدَيبيةِ حينَ حُصِرَ النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- ومُنِعَ من النُّهُوضِ إلى البيتِ، وصُدَّ عنهُ.
-
وهذا مَوْضِعٌ اختلَف فيه العُلماءُ، فقال منهُم قائلُونَ: إذا نحَرَ المُحصَرُ هَدْيَهُ، فليسَ عليه أن يحلِقَ رأسهُ؛ لأنَّهُ قد ذهبَ عنهُ النُّسُكُ كلُّهُ.
-
واحتجُّوا بأنَّهُ لمّا سقَطَ عنهُ بالإحصارِ جميعُ المناسِكِ، كالطَّوافِ بالبيتِ، والسَّعيِ بين الصَّفا والمرور، وذلك مِمّا يحِلّ به المُحرِمُ من إحرامِهِ، لأنَّهُ إذا طافَ بالبيتِ، حلَّ لهُ أن يحلِقَ، فيحِلّ لهُ بذلكَ الطِّيبُ واللِّباسُ، فلمّا سقطَ عنهُ ذلك كلُّهُ بالإحصارِ، سقطَ عنهُ سائرُ ما يحِلُّ به المُحرِمُ، من أجلِ أَنَّهُ محُصرٌ.
-
ومِمَّن قال بهذا القولِ، واحتجَّ بهذه الحُجَّةِ: أبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحسنِ، قالا: ليسَ على المُحصَرِ تقصيرٌ ولا حِلاقٌ (١) .
وقال أبو يوسُف: يحلِقُ المُحصَرُ، فإن لم يحلِقْ، فلا شيءَ عليه.
-
وخالفهُما آخرُونَ، فقالوا: يحلِقُ المُحصَرُ رأسَهُ بعدَ أن ينحرَ هَدْيَهُ، وذلكَ واجِب عليه، كما يجِبُ على الحاجِّ والمُعتمِرِ سواءً.
-
ومن الحُجَّةِ لهم: أنَّ الطَّوافَ بالبيتِ، والسَّعيَ بين الصَّفا والمرور، ورَمْيَ الجِمارِ، قد مُنِعَ من ذلك كلِّهِ المُحصَرُ، وقد صُدَّ عنهُ، فسقَطَ عنهُ ما قد حيلَ بينهُ وبينهُ، وأمّا الحِلاقُ، فلم يُحَلْ بَيْنهُ وبينهُ، وهُو قادِر على أن يفعلَهُ، وما كان قادِرًا على أن يَفْعلَهُ فهو غيرُ ساقِطٍ عنهُ، وإنَّما يسقُطُ عنهُ ما حِيلَ بينهُ وبين عَملِهِ.
-
وقد رُوي عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ، ما يَدُلُّ على
vol. 9, p. 494أنَّ حُكْمَ الحَلْقِ باقٍ على المُحصَرينَ، كما هُو على من قد وصلَ إلى البيتِ سَواءً، لدُعائهِ للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقصِّرينَ واحدةً، وهُو الحُجَّةُ القاطِعةُ (١) .
-
وإلى هذا ذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ، الحِلاقُ عندَهُم نُسُكٌ يجِبُ على الحاجِّ الذي قد أتمَّ حجَّهُ، وعلى من فاتَهُ الحجُّ، والمُحْصَرِ (٢) بعدُوٍّ، والمُحصَرِ بمرَض.
-
وقد حكى ابنُ أبي عِمرانَ، عن ابن سماعةَ، عن أبي يوسُفَ في "نَوادِرِهِ" : أنَّ عليه الحِلاقَ، أوِ التَّقصيرَ، لا بُدَّ لهُ منهُ.
-
واختَلَف قولُ الشّافِعيِّ في هذه المسألةِ على قولين، أحدُهما: أنَّ الحِلاقَ للمُحصَرِ من النُّسُكِ. والآخرُ: ليسَ من النُّسُك.
-
واختلَفَ العُلماءُ في المُحصَرِ، هل لهُ أن يحلِقَ، أو يحِلُّ بشيءٍ من (٣) الحِلِّ قبلَ أن ينحَرَ ما اسْتَيسرَ من الهدي؟
فقال مالكٌ (٤) : السُّنّة الثّابِتةُ التي لا اختِلافَ فيها عندَنا، أَنَّهُ لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يأخُذَ من شَعْرِهِ حتّى ينحَرَ هَدْيَهُ، قال اللهُ في كِتابِه: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: ١٩٦] . ومعنى هذا من قولِهِ فيمَنْ أتمَّ حَجَّهُ، لا في المُحصَرِ؛ لأنَّهُ قد تَقدَّم قولُهُ في المُحصَرِ: أَنَّهُ لا هَدْيَ عليه إن لم يكُن ساقَهُ معَهُ.
-
والحِلاقُ عندَهُ للحاجِّ وللمُعْتَمِرِ سُنَّةٌ، وعلى تارِكِهِ الدَّمُ، والتَّحلُّلُ في مَذهبِهِ عندَ أصحابِهِ لا يتعلَّقُ بالحِلاق لم، وإنَّما التَّحلُّلُ الرَّميُ، أو ذهابُ زمانِهِ، أو طوافُ الإفاضَةِ، فمن (٥) تحلَّل في الحِلِّ من المُحصَرينَ، كان حِلاقُهُ فيه، ومن تحلَّل في الحَرَم، كان حِلاقُهُ فيه.
- vol. 9, p. 495
والاختيارُ أن يكونَ الحِلاقُ بمِنًى، فإن لم يَكُن فبِمَكَّةَ، وحيثُما حلَقَ أجزأهُ من حِلٍّ وحَرَم.
-
ويجِبُ حِلاقُ جميع الرَّأسِ، أو تَقْصيرُ جميعِهِ، والحِلاقُ أفْضَلُ.
-
إلّا أنَّ النِّساءَ لا يجُوزُ لهنَّ غيرُ التَّقصيرِ، وحِلاقُهُنَّ مَعْصيةٌ عندَهُ، إن لم يكُن لضرُورةٍ.
-
ويجُوزُ للمَريضِ أن يحلِقَ، ويَفْتدي، ولا (١) يَنْقُضُ ذلك إحرامَهُ.
-
وجميعُ محُرَّماتِ الحجِّ لا يُفسِدُها إلّا الجِماعُ.
-
وقد ذكَرْنا أحكامَ الفِديةِ على مَن حلقَ رأسَهُ من مَرضٍ وغير، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، والحمدُ لله.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: إذا حلَّ المُحصرُ قبلَ أن ينحَرَ هَدْيَهُ، فعليه دمٌ، ويعُودُ حَرامًا كما كان، حتّى ينحرَ هَدْيَهُ، وإن أصابَ صيدًا قبلَ أن ينحرَ الهَدْي، فعليه الجزاءُ (٢) . قالوا: وسواءٌ (٣) المُوسِرُ في ذلك والمُعسِرُ، لا يحِلُّ أبدًا حتّى ينحرَ، أو يُنحَرَ عنهُ. قالوا: وأقلُّ ما يُهْديهِ شاةٌ، لا عمياءَ، ولا مقطُوعةِ الأُذُنينِ، وليسَ هذا عندَهُم موضِعَ صيام، ولا إطعام.
-
وقال الشّافِعيُّ (٤) في المُحصرِ إذا أعسَرَ بالهديِ، فيه قولانِ، أحدُهُما (٥) : لا يحِلُّ أبدًا إلّا بهدي. والقولُ الآخر: أنَّهُ مأمُور بأن يأتيَ بما قدرَ عليه، فإن لم يَقْدِرْ على شيءٍ، خرجَ ممّا عليه، وكان عليه أن يأتيَ به إذا قدرَ عليه. قال:
vol. 9, p. 496ومن قال هذا قال: يحِلُّ مكانَهُ، ويذبحُ إذا قدرَ، فإن قدرَ على أن يكونَ الذَّبحُ بمَكَّةَ، لم يُجزِئهُ أن يذبحَ إلّا بها، وإن لم يقدِرْ ذبَحَ حيثُ قدرَ. قال: ويُقالُ: لا يجزئه إلّا هديٌ، ويُقالُ: إذا لم يجِد هديًا، كان عليه الإطعامُ أوِ الصِّيامُ، فإن لم يجِد واحدًا من هذه الثَّلاثة، أتى بواحدٍ منها إذا قدرَ.
وقال (١) في العبدِ: لا يجزئهُ إلّا الصَّومُ إذا أُحصِرَ، تُقوَّمُ لهُ الشّاةُ دراهِمَ، ثُمَّ الدَّراهِمُ طعامًا، ثُمَّ يصُومُ عن كلِّ مُدٍّ يومًا. قال: والقولُ في إحلالِهِ قبلَ الصَّوم واحدٌ من قولينِ، أحدُهُما: يحِلُّ. والآخرُ: لا يحِلُّ حتّى يصُوم. والأوَّلُ أشبهُهُما بالقياسِ؛ لأنَّهُ أُمِرَ بالإحلالِ للخوفِ، فلا يُؤمَرُ بالإقامةِ على خَوْفٍ، والصَّومُ يُجزِئُهُ.
-
هذا كلُّهُ، قولُهُ بمصرَ، رواهُ المُزنيُّ والرَّبيعُ عنهُ.
-
وقال ببغدادَ في العبدِ يُعطيهِ سيِّدُهُ في التَّمتُّع والقِرانِ هَدْيًا: ذكرَ فيها الوَجْهينِ جميعًا. قال: وفيها قولٌ آخرُ: إن أَذِنَ لهُ بالتَّمتُّع، ليسَ يلزمُهُ الدَّمُ. رواهُ الحسنُ بن محمدٍ الزَّعفرانيُّ عنهُ.
-
وذكر الرَّبيعُ عنهُ في المُحصَرِ: أَنَّهُ لو ذبَحَ ولم يحلِقْ حتّى زالَ خوفُ العدُوِّ، لم يَكُن لهُ الحِلاقُ، وكان عليه الإتمامُ؛ لأنَّهُ لم يحِلَّ حتّى صارَ غيرَ محصُور. قال: وهذا قولُ من قال: لا يَكمُلُ إحلالُ المُحرِم إلّا بحِلاقٍ. قال: ومن قال: يَكمُلُ إحلالُهُ قبلَ الحِلاقِ، والحِلاقُ أوَّلُ (٢) الإحلالِ، فإنَّهُ يقولُ: إذا ذبحَ فقد حلَّ، وليسَ عليه أن يَمْضيَ إلى وجهِهِ إذا ذبَحَ.
- vol. 9, p. 497
حديثٌ رابع خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قَفَلَ من غَزْوٍ، أو حَجٍّ، أو عُمرةٍ، يُكبِّرُ على كلِّ شَرفٍ من الأرضِ ثلاثَ تَكْبيراتٍ، ثُمَّ يقولُ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وهُو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ، آيِبُونَ تائبُونَ عابِدُونَ ساجِدُونَ، لربّنا حامِدُونَ، صدَقَ اللهُ وعدَهُ، ونصَرَ عبدَهُ، وهزَمَ الأحزابَ وحدَهُ" .
-
وهذا الحديثُ عندَ سالم، عن ابن عُمرَ (٢) ، كما هُو عِند نافع. وقال فيه عُبيدُ الله، عن نافع، عن ابن عُمرَ: كان رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قفَلَ من الجُيُوشِ، أوِ السَّرايا، أوِ الحجِّ، أوِ العُمرةِ. ثُمَّ ذكر مِثلَهُ سَواءً (٣) . (٤)
-
وفي هذا الحديثِ: الحَضُّ على ذِكرِ الله وشُكرِهِ للمُسافِرِ على أوَبْتِهِ ورَجْعتِهِ.
-
وشُكرُ الله تباركَ وتعالى والثَّناءُ عليه بما هُو أهلُهُ واجِبٌ، وذِكرُ الله حَسَنٌ على كلِّ حالٍ، والحمدُ لله الكبيرِ المُتعال (٥) .
- vol. 9, p. 498
حديثٌ خامس خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أناخَ بالبَطْحاءِ التي بذي الحُلَيفةِ، فصلَّى بها. قال نافعٌ: وكان عبدُ الله بن عُمرَ يَفْعلُ ذلك.
قال أبو عُمر: وهذا عندَ مالكٍ وغير من أهلِ العِلْم مُسْتَحَبٌّ مُسْتَحسَنٌ مرغُوبٌ فيه، كما يستحِبُّونَ أن لا يكونَ إهْلالُ المُحْرِم من ذي الحُلَيفةِ وغيرِها، إلّا بإثرِ صَلاةٍ؛ لأنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كذلك كان إحرامُهُ بإثرِ صَلاةٍ صلّاها يَومئذٍ.
-
وليس شيءٌ ملامِمّا في هذا الحديثِ من سُنَنِ الحجِّ، ومناسِكِهِ التي يجِبُ فيها على تارِكِها فِديةٌ، أو دمٌ عندَ أهلِ العِلم، ولكِنَّهُ حَسَنٌ كما ذكرتُ لكَ عندَ جَميعِهِم، إلّا ابن عُمرَ، فإنَّهُ جَعلهُ سُنَّةً.
-
وهذه البَطْحاءُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ، يُعرِّفُها أهلُ المدينةِ بالمُعرَّسِ.
وقال مالكٌ في "المُوطَّأ" (٢) : لا يَنْبغي لأحَدٍ أن يُجاوِزَ المُعرَّسَ إذا قفَلَ راجِعًا إلى المدينةِ حتّى يُصلِّي [فيه، وإن مرَّ به في غيرِ وَقْتِ صلاةٍ، فلْيقم حتّى تحلَّ الصَّلاةُ، ثمَّ يُصلِّي] (٣) بهِ ما بَدا لهُ؛ لأنَّهُ بَلَغني أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عرَّسَ به.
وقال أبو حَنِيفةَ: من مرَّ بالمُعرَّسِ من ذي الحُلَيفةِ راجِعًا من مَكَّةَ، فإن أحَبَّ أن يُعرِّسَ به حتّى يُصلِّي فعَلَ، وليسَ عليه ذلك بواجِب (٤) .
وقال محمدُ بن الحسنِ مُحتجًّا لهُ: بَلَغنا أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عرَّسَ به، وأنَّ ابنَ عُمرَ أناخَ به. وليسَ ذلك عندَنا من الأمرِ الواجِب، إنَّما هُو مِثلُ المنازِلِ التي نزلَ بها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- من مَنازِلِ طريقِ مكَّةَ. وبَلَغنا أنًّ ابنَ عُمرَ كان يتَّبِعُ آثارهُ
vol. 9, p. 499تلكَ، فينزِلُ بها، فلذلكَ فعلَ مِثلَ ذلك بالمُعرَّسِ، لا أنَّهُ كان يَراهُ واجِبًا على النّاسِ، ولو كان واجِبًا لقالَ فيه رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُهُ للنّاسِ ما يقِفُونَ عليه.
وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ: ليسَ نُزُولُهُ -صلى الله عليه وسلم- بالمُعرَّسِ، كسائرِ مَنازِلِ طريقِ مكَّةَ؛ لأنَّهُ كان يُصلِّي الفَرِيضةَ حَيْثُ أمْكَنهُ، والمُعرَّسُ إنَّما كان يُصلِّي فيه (١) نافِلةً، ولا وجهَ لمن زهَّدَ النّاسَ في الخيرِ. قال: ولو كان المُعرَّسُ كسائرِ المنازِلِ، ما أنكَرَ ابنُ عُمرَ على نافع ما تَوهَّمهُ عليه من التَّأخُّرِ عنهُ.
قال: وحدَّثنا أبو ثابتٍ، عن ابن أبي حازِم، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، أنَّ ابنَ عُمرَ سَتقهُ إلى المُعرَّسِ، وأبْطَأ عليه نافعٌ، فقال لهُ: ما حبَسكَ؟ قال: فأخبرتُهُ، فقال: ظَننتُ أنَّكَ أخذتَ الطَّريقَ الأُخرَى، ولو فعلتَ لأوجَعتُكَ ضربًا.
-
وروى اللَّيثُ، عن نافع مِثلَهُ.
قال إسماعيلُ: وحدَّثنا إبراهيمُ بن الحجّاج، عن عبدِ العزيزِ بن المُختارِ، عن موسى بن عُقبةَ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَزَلَ في المُعرَّسِ من ذي الحُلَيفةِ في بَطْنِ الوادي، فقيل لهُ: إنَّكَ ببطحاءَ مُبارَكة (٢) .
قال أبو عُمر: وأمّا المُحصَّبُ، فمَوْضِعٌ قُربَ مكَّةَ في أعْلَى المدينة (٣) ، نزَلهُ أيضًا رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان مالكٌ وغيرُهُ يستحِبُّونَ النُّزولَ به، والمبيتَ والصَّلاةَ فيه، وجعلَهُ بعضُ أهلِ العِلْم من المناسِكِ التي يَنْبغي للحاجِّ نُزُولُها والمبيتُ فيها.
- vol. 9, p. 500
وأكثرُهُم على أنَّ ذلك ليس من مناسِكِ الحجِّ ومَشاعِرِهِ في شيءٍ، وهُو الصَّوابُ.
-
والمُحصَّبُ يُعرَفُ بالأبطح وبالبَطْحاءِ أيضًا، وهو خَيْفُ بني كِنانةَ، والخَيْفُ: الوادي.
-
وروى مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أَنَّهُ كان يُصلِّي الظُّهرَ والعصرَ والمغرِبَ والعِشاءَ بالمُحصَّبِ، ثُمَّ يدخُلُ مكَّةَ من اللَّيلِ ويطُوفُ بالبيتِ.