يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5
Page 20 of 32
- vol. 15, p. 333
وفي حديثِ عُثمانَ أيضًا من الفقه: إجازةُ الخُلْع عندَ غيرِ السلطان، وهو خلافُ قولِ الحسن، وزياد (١) ، وسعيدِ بنِ جُبير، ومحمدِ بنِ سيرين (٢) . قال سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة: قلت لقتادة: عمَّن أخَذ الحسنُ: الخُلْعُ إلى السلطان؟ قال: عن زياد (٣) .
-
وفيه أنه جعَله طلاقًا، خلافًا لقولِ ابنِ عباسٍ أنه فَسْخٌ بغيرِ طلاق (٤) .
-
وفيه أنه أجازه بالمال، ولم يسأل: أهو أكثرُ من صَداقِها، أو أقلُّ؟ على خلافِ ما يقولُ أبو حنيفة، والزُّهريُّ، وعطاءٌ، ومَن تابَعهم (٥) ، في أنَّ الخُلْعَ لا يكونُ بأكثرَ من الصداق.
-
وفيه أنه أجاز للمُختَلِعةِ أن تنتقلَ، فلم يجعَلْ لها سُكْنى، وجعَلها خلافًا للمطلَّقة، وهذا خلافُ قولِ مالك، والشافعيِّ، وأبي حنيفة.
-
وفيه أنه لم يَجْعلْ عِدَّتها عِدَّةَ المطلقة، وجعَل عدَّتَها حَيْضةً. وبهذا قال
vol. 15, p. 334إسحاقُ بنُ راهُوية وأبو ثور. وهو قولُ ابنِ عباسٍ بلا اختلافٍ عنه (١) ، وأحدُ قولي الشافعيِّ. ورُوِيَ عن ابنِ عُمرَ مثلُ ذلك (٢) . ورُوِيَ عنه أنَّ عِدَّةَ المُخْتلعةِ عدَّةُ المُطلّقة؛ رواه مالكٌ (٣) وغيرُه، عن نافع، عن ابنِ عمر. وهو أصحُّ عن ابنِ عُمر، وهو المشهورُ من قول الشافعيِّ. وبه قال سعيدُ بنُ المسيِّب، وسُليمانُ بنُ يسار، وسالمٌ، وعُروةُ، وعُمرُ بنُ عبدِ العزيز، والزُّهريُّ، والحسنُ، والنَّخَعيُّ، ومالكٌ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفة، وأحمدُ بنُ حنبل (٤) .
-
وفيه أنَّ المُختلِعةَ أملَكُ لنفسِها، لا تُنْكَحُ إلا برضاها، خلافَ قولِ أبي ثور. وفيه دليلٌ على أن المختلعةَ لا يلحَقُها طلاقٌ، ولا ظِهار، ولا إيلاءٌ، ولا لِعانٌ؛ لأنه لم يجعَلْ لها سُكْنَى ولا نفقةً، ولا يتوارَثان، وجعَلها بخلافِ الرجعية، وقولُ أبي حنيفةَ أنها يلحَقُها الطلاقُ، خلافُ أقاويلِ الفقهاء (٥) . وكذلك ما رواه طاووسٌ، عن ابنِ عباس في أنَّ الخُلع ليس بطلاق (٦) ، شذوذٌ في الرواية، وما احتجَّ به فغيرُ لازم؛ لأنَّ قوله عزَّ وجلَّ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} . عندَ أهل العلم كلامٌ تامّ بنفسِه، وقوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} حكمٌ مستأنفٌ فيمن طُلِّقت وفيمَن لم تُطلَّقْ، ثم قال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} . فرجَع إلى المعنى الأوّل في قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} . ومثلُ هذا التقديم والتأخير ودُخولِ قصةٍ على أخرى في القرآنِ كثيرٌ، ولطاووس مع
vol. 15, p. 335جلالتِه روايتان شاذَّتان عن ابنِ عباس؛ هذه إحداهُما في الخُلع، والأخرى في الطلاقِ الثلاثِ المجتمعاتِ أنها واحدةٌ (١) . وروَى عن ابنِ عباسٍ جماعةٌ من أصحابه (٢) خلافَ ما روَى طاووسٌ في طلاقِ الثلاثِ أنها لازمةٌ في المدخولِ وغيرِ المدخولِ بها أنَّها ثلاثٌ ثلاثٌ، لا تحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه. وعلى هذا جماعةُ العلماءِ والفقهاءِ بالحجاز، والعراق، والشام، والمشرق، والمغرب، من أهل الفقهِ والحديث، وهم الجماعةُ والحُجّة، وإنما يخالفُ في ذلك أهلُ البدع؛ الخَشَبيّة (٣) وغيرُهم من المعتزلةِ والخوارج، عصَمنا اللّهُ برحمتِه.
-
وذكَر إسماعيلُ القاضي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن ابن أبي نَجيح قال: تكلَّم طاووسٌ فقال: الخُلْعُ ليس بطلاق، هو
vol. 15, p. 336فراقٌ. فأنكَره عليه أهلُ مكة، فجمَع ناسًا؛ منهم ابنا عبّادٍ وعِكْرمةُ بنُ خالد، فاعتذَر إليهم من هذا القول، وقال: إنما ابنُ عباس قاله (١) ؛ قال القاضي: لا نعلَمُ أحدًا من أهلِ العلم قاله إلا من روايةِ طاووس.
قال أبو عُمر: قال مالكٌ رحمه اللّه: المُختلعةُ هي التي اختلَعت من جميع مالِها، والمُفتدِيَةُ هي التي افتدَت ببعضِ مالِها، والمبارِئةُ هي التي بارأَت زوجَها من قبلِ أن يدخُلَ بها فقالت: قد أبرَأتُكَ ممّا كان يلزَمُك من صداقي، ففارِقْني. قال: وكلُّ هذا سواءٌ، هي تطليقةٌ بائنةٌ (٢) .
قال أبو عُمر: قد تدخلُ عندَ غيرِه من أهلِ العلم بعضُ هذه الألفاظِ على بعض، فيقال: مُختلِعةٌ. وإن دفَعت بعضَ مالِها، وكذلك المُفتَدِيةُ ببعضِ مالِها وكلِّ مالِها، وهذا تُوجِبُه اللُّغة، واللّهُ أعلم.
قال أبو عُمر: اختلَف العلماءُ في المُختلعة؛ هل لزوجِها أن يخطُبَها في عدَّتِها، ويُراجعَها باذنها ورضاها على حُكم النكاح؟ فقال أكثرُ أهلِ العلم: ذلك جائزٌ له وحدَه، وليس لأحدٍ غيرِه أن يخْطُبَها في عدَّتها. وهو مذهبُ مالك، والشافعيِّ، وجمهور الفقهاء. وهو قولُ سعيدِ بن المسيِّب، والزُّهريِّ، وعطاء، وطاووس، والحَسَن، وقَتادة، وغيرِهم (٣) .
وقالت طائفةٌ من المتأخِّرين: لا يخطُبُها في عدَّتِها هو ولا غيرُه، وهو وغيرُه في نكاحِها وفي عدَّتِها سواءٌ. وهذا شذوذٌ، وباللّه التوفيقُ والعصمةُ (٤) .
- vol. 15, p. 337
حديثٌ ثانٍ وأربعون ليَحيي بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرة، عن عائشة، أنها قالت: ما طالَ عليَّ وما نَسِيتُ؛ "القَطْعُ في رُبُعِ دينارٍ فصاعِدًا" .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ مسندٌ بالدليل الصحيح؛ لقولِ عائشة: "ما طال عليَّ وما نسيتُ" فكيف وقد رواه الزُّهريُّ وغيرُه مسنَدًا (٢) ؟ وقد رواهُ الحُنَيْنيُّ (٣) ، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن عُمرة، عن عائشة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مسنَدًا. وكذلك رواه الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن عَمْرة، عن عائشة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وهذان الإسنادان عن مالكٍ والأوزاعيِّ ليسا بصحيحَيْن؛ لأنَّ دونَهما مَن لا يُحتجُّ به، والحديثُ للزُّهريِّ، عن عُروةَ وعن عَمْرةَ، جميعًا عن عائشة، رواه ابنُ عُيينة، وإبراهيمُ بنُ سَعْد، وابنُ مسافر، ومَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عَمْرة، عن عائشة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنه كان يَقطَعُ اليدَ في ربُعِ دينارٍ فصاعِدًا (٤) .
-
ورواه يونسُ بنُ يزيد، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ وعَمْرةَ جميعًا، عن عائشة (٥) . وهو صحيحٌ عندي للزُّهريِّ عنهما.
-
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى (٦) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا
vol. 15, p. 338محمدُ بنُ زبّان، قال: حدَّثنا أبو الطاهر أحمدُ بنُ عَمْرو. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (١) ، قال: حدَّثنا الحميديُّ (٢) ، قالا جميعًا: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال أبو الطاهر: عن الزُّهريِّ، عن عَمْرة، عن عائشة، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يقطَعُ السارقَ في ربُع دينارٍ فصاعدًا. وقال الحميديُّ: قال سُفيان: قال الزُّهريُّ: أخبرتني عَمْرةُ بنتُ عبدِ الرحمن، أنها سمِعتْ عائشة تقول: إنَّ رسولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- كان يقطَعُ في ربُعِ دينارٍ فصاعدًا.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا أربعة، عن عَمْرة، عن عائشة، لم يرفَعوه؛ عبدُ اللّه بنُ أبي بكر، ورُزَيقُ بنُ حُكَيم الأيْليُّ، وعبدُ ربِّه بنُ سعيد، ويحيى بنُ سعيد، والزُّهريُّ أحفظُهم كلِّهم، إلا أن في حديثِ يحيى ما دلَّ على الرفع: ما نسيتُ ولا طال عليَّ؛ "القطعُ في ربُعِ دينارٍ فصاعدًا" .
قال الحميديُّ: وحدَّثنا عبدُ العزيز بنُ أبي حازم، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ عبدِ اللّه بنِ أسامةَ بنِ الهادي، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حزم، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمن، عن عائشة، أنها قالت: سمِعتُ رسولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يُقطَعُ
vol. 15, p. 339السارقُ إلا في رُبعِ دينارٍ فصاعدًا " (١) . فحدَّثتُ سُفيانَ حديثَ ابنِ أبي حازم هذا، فأُعجِب به، وقال: الزُّهريُّ أحفظُهم.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بنُ شُعيب، قال: حدَّثني عبدُ اللّه بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني ابنُ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ محمد، عن عَمْرة، عن عائشة، أنَّها سمِعتْ رسولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يُقطَعُ سارقٌ إلّا في رُبعِ دينارٍ فصاعدًا " (٢) .
-
أخبرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ داود، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن ابنِ شهاب، عن عَمْرة، عن عائشة، عن رسولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم- مثلَه (٣) .
-
أخبرنا عبدُ اللّه بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونُس، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ وعَمْرة، عن عائشة، عن رسولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "القطعُ في ربُع دينارٍ فصاعدًا".
- vol. 15, p. 340
وهكذا هو في "موطأ ابنِ وَهْب" من روايةِ سُحنونٍ وغيرِه.
-
ورواه القاسمُ بنُ مَبْرور، عن يونُس، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن عائشة (١) ، وخالفَ في لفظِه (٢) .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ، وعليه عوَّل أهلُ الحجازِ في مقدارِ ما تُقطعُ فيه يدُ السارق، ولم يختلِفوا أنه يُقطَعُ إن سرَق من ذَهَبٍ رُبُعَ دينارٍ فصاعدًا، وخالَفهم أهلُ العراق، على حسَب ما قد ذكَرناه في باب نافع من هذا الكتاب (٣) .
-
واختلَف مالكٌ والشافعيُّ في تقويم العُروضِ المسروقة؛ فذهَب مالكٌ (٤) إلى أنها تقوَّمُ بالدراهم، هاذا بلَغتْ ثلاثةَ دراهمَ كيلًا قُطِعَ؛ لحديثِ ابنِ عُمرَ في قيمةِ المِجَنِّ (٥) .
وقال الشافعيُّ (٦) : لا يقطَعُ إلا أن تبلُغَ قيمةُ ما سرَق رُبُعَ دينار. وهو قولُ الأوزاعيِّ وداود (٧) . وقد ذكَرنا وجهَ المذهبَين، واعتلالَ الفريقَين، ومَن قال من العلماءِ بالقولَين وغيرِهما، في باب نافع، عن ابنِ عُمرَ من كتابنا هذا (٨) ، والحمدُ للّه، وبه التوفيق.
- vol. 15, p. 341
حديثٌ ثالثٌ وأربعونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يَحيى بنِ سعيد، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمن أنّ بَرِيرةَ جاءتْ تستعينُ عائشةَ أمَّ المؤمنين، فقالت لها عائشة: إنْ أحبَّ أهلُكِ أنْ أصُبَّ لهم ثَمنَكِ صَبَّةً واحدةً وأُعْتِقَكِ فعَلْتُ، ويكون لي ولاؤُك؛ فذكَرتْ ذلك بَريرةُ لأهلِها فقالوا: لا، إلا أن يكونَ ولاؤُكِ لنا.
قال مالكٌ: قال يحيى: فزعَمَتْ عَمْرةُ أنّ عائشةَ ذكرتْ ذلكَ لرسولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم- فقال: "لا يَمْنَعُكِ ذلك، اشْتَريها وأعْتِقيها، فإنما الوَلاءُ لمَنْ أعتَقَ" .
-
قد مضى القولُ ممهّدًا مبسوطًا في معنى هذا الحديثِ في باب هشام بنِ عُروةَ (٢) من هذا الكتاب، والحمدُ للّه.
- vol. 15, p. 342
حديثٌ رابعٌ وأربعونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يَحيى بنِ سعيد، عن عمرة، عن عائشة أنها قالت: إن كان رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- ليُصلِّي الصّبح، فينصَرِفُ النساءُ مُتلفِّفاتٍ بمُروطِهنَّ، ما يُعْرفْنَ منَ الغَلَس.
-
في هذا الحديثِ التغْليسُ بصلاةِ الصُّبح، وهو الأفضلُ عندَنا؛ لأنها كانت صلاةَ رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-، وأبي بكر، وعُمرَ (٢) ، ألا تَرى إلى كتابِ عُمرَ إلى عمّالِه أن صلّوا الصّبحَ والنجومُ باديةٌ مُشتبِكةٌ (٣) . وإلى هذا ذهب مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وعامةُ فقهاءِ الحجاز، وإليه ذهب داودُ بنُ عليٍّ. وقد روينا أنَّ رسولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر، وعُمرَ، كانوا يُغَلِّسونَ بالصُّبح، فلما قُتِل عُمرُ أسفرَ بها عثمان.
-
ومن حُجّةِ مَن ذهَب إلى أن التغليسَ أفضلُ من الإسفارِ بصلاةِ الصُّبح حديثُ أمِّ فَروة:
ذَكَرَ عبدُ الرزاق (٤) ، عن عبدِ اللّه بنِ عُمرَ العُمَريِّ، عن القاسم بنِ غَنّام، عن بعض أُمهاتِه أو جَداتِه، عن أمِّ فَروة، وكانت قد بايعتِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، قالت: سُئلَ رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: "الصَّلاةُ لأوَّلِ وقتِها" .
-
وذَكَرَهُ أبو داود (٥) ، عن القَعْنبيِّ ومحمدِ بنِ عبدِ اللّه الخُزاعيِّ جميعًا، عن العُمَريِّ، عن القاسم بنِ غَنّام، عن بعض أُمّهاته، عن أمِّ فَروة، قالت: سُئلَ رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: "الصَّلاةُ في أوّلِ وقتِها" .
- vol. 15, p. 343
وذهب العراقيُّون قديمًا وحديثًا إلى الإسفارِ بها، وقالوا: الإسفارُ بها أفضلُ. واحتجَّ مَن ذهَب مذهبَهم بحديثِ رافع بنِ خَديج، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أسْفِروا بالفَجْر، فإنَّه أعظمُ للأجر" . وبعضُهم يَزيدُ في هذا الحديث: "أسفِروا بالفَجْر، فكلَّما أسفرْتُم فهو أعظمُ للأجر" .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن ابنِ عَجْلان، عن عاصم بنِ عُمرَ بنِ قَتادة، عن محمودِ بنِ لبيد، عن رافع بنِ خَديج، قال: قال رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "أسفِروا بالفَجْر، فكلَّما أسفرْتُم، فهو أعظمُ للأجر" (١) .
قال أبو عُمر: هذا الحديثُ إنما يدورُ على عاصم بنِ عُمر، وليس بالقويِّ (٢) .
-
وذكَر عبدُ الرزاق (٣) ، عن الثوريِّ وابنِ عُيينة، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن عاصم بنِ عُمرَ بنِ قتادة، عن محمودِ بنِ لبيد، عن رافع بنِ خَديج، قال: قال رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "أسْفِروا بصلاةِ الغَداة، فإنه أعظمُ لأجرِكُم" .
- vol. 15, p. 344
وذكره أبو داود (١) ، عن إسحاقَ بنِ إسماعيل، عن ابنِ عُيينةَ بإسنادِه مثلَه، إلا أنه قال: "أصْبِحوا بالصُّبح، فإنه أعظمُ لأجورِكم (٢) " .
-
وذكَره ابنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن عاصم بنِ عُمرَ بنِ قتادة، عن محمودِ بنِ لَبيد، عن رافع بنِ خَديج، قال: قال رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "أسفِروا بالفَجْر، فإنه (٤) أعظمُ للأجر" .
قال (٥) : وحدَّثنا وَكيعٌ، عن هشام بنِ سَعْد، عن زيدِ بنِ أسلَم، قال: قال رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "أسْفِروا بالفَجْر، فكلما أسفرتُم فهو أعظمُ للأجر" .
-
وذكر عبدُ الرزاق (٦) أيضًا، عن الثوريِّ، عن سعيدِ بنِ عبيدٍ الطائيِّ، عن عليِّ بنِ ربيعة، قال: سمِعتُ عليًّا يقول لمؤذِّنِه: أسفِرْ أسفِرْ؛ يعني بصلاةِ الصُّبْح.
-
وعن الثوريِّ، عن أبي إسحاق، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، قال: كان عبدُ اللّه يُسفرُ بصلاةِ الغَداة (٧) .
vol. 15, p. 345قال أبو عُمر: على مذهبِ عليٍّ وعبدِ اللّه في هذا الباب جماعةُ أصحاب ابنِ مسعود، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخعيِّ، وطاووس، وسعيدِ بنِ جبير. وإلى ذلك ذهَب فقهاءُ الكوفيين (١) . وقد يَحتمِلُ أن يكونَ الإسفارُ المذكورُ في حديثِ رافع بنِ خَديج، وفي هذا الحديثِ عن عليٍّ وعبدِ اللّه، يُرادُ به وضوحُ الفَجْرِ وبيانُه، فإذا انكشفَ الفَجْرُ، فذلك الإسفارُ المرادُ، واللّهُ أعلم، من ذلك قولُ العرب: أسفرتِ المرأةُ عن وجهِها: إذا كشَفتْه؛ وذلك أنَّ مَن كان شأنه التغليسَ جدًّا لم يُؤمَنْ عليه الصلاةُ قبلَ الوقت، فلهذا قيل لهم: أسفِرُوا؛ أي: تبيَّنوا، وإلى هذا التأويل في الإسفارِ ذهَب جماعة من أهلِ العلم؟ منهم أحمدُ، وإسحاق، وداود.
-
حدَّثنا عُبيدُ بنُ محمدٍ (٢) وأحمدُ بنُ محمد، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ سَلَمة، قال: حدَّثنا عبدُ اللّه بنُ الجارود، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصور، قال (٣) : قلت لأحمدَ بنِ حنبل: ما الإسفارُ؟ فقال: الإسفارُ أن يتَّضِحَ الفجرُ فلا تشُكّ فيه أنه قد طلَعَ الفَجْرُ. قال إسحاقُ كما قال.
وقال أبو بكرٍ الأثرم: قلتُ لأبي عبد اللّه -يعني أحمدَ بنَ حنبل-: كان أبو نعيم (٤) يقولُ في حديثِ رافع بنِ خَديج: "أسفِروا بالفَجْر، وكلَّما أسفرتُم بها فهو أعظمُ للأجر" . فقال: نعم، كلُّه سواءٌ، إنما هو إذا تبيَّن الفَجْرُ، فقد أسفرَ.
vol. 15, p. 346قال أبو عُمر: على هذا التأويل يَنتفي التعارضُ والتدافعُ في الأحاديثِ في هذا الباب، وهو أولى ما حُمِلتْ عليه، والأحاديثُ في التغليسِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابِه أثبتُ من جهةِ النقل، وعليها فقهاءُ الحجازِ في صلاةِ الصُّبح عند أولِ الفَجْرِ الآخر.
-
ذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن ابنِ جُريج، قال: قلتُ لعطاء: أيُّ حينٍ أحبُّ إليكَ أن أُصلِّي الصُّبحَ إمامًا وخِلْوًا (٢) ؟ قال: حين يَنفجرُ الفَجْرُ الآخرُ، ثم تُطوِّلُ في القراءةِ والركوع والسجودِ حتى تنصرفَ منها وقد تبلَّجَ النهارُ (٣) وتتامَّ الناسُ (٤) . قال: ولقد بَلَغني عن عُمرَ بنِ الخطاب أنه كان يُصلِّيها حينَ ينفجرُ الفَجْرُ الآخر، وكان يقرأُ في إحدى الرَّكْعتينِ بسورة "يوسف" .
قال أبو عُمر: إنما ذكَرْنا هاهنا مذاهبَ العلماءِ في الأفضلِ من التغليسِ بالصُّبح والإسفار بها، وقد ذكَرْنا أوقاتَ الصلواتِ مجملةً ومفسرةً في باب ابنِ شهاب، عن عُروة، وجرَى ذكرُ وقتِ صلاةِ الصُّبح في مواضعَ أيضًا من هذا الكتاب (٥) ، والحمدُ للّه.
-
وفي هذا الحديث: شهودُ النساءِ في الصَّلواتِ للجماعة، ويؤكِّدُ ذلك قوله: "لا تمنعوا إماءَ اللّه مساجدَ اللّه" (٦) . وسيأتي هذا المعنى مبسوطًا ممهَّدًا في بابِ يحيى،
vol. 15, p. 347عن عَمْرَة، عن عائشة قولها: لو أدرك النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ما أحدثَ النساءُ بعدَه لمنعَهنَّ المسجدَ إن شاء اللّه (١) .
-
وأما قوله: "مُتلَفِّفات" بالفاء، فهي روايةُ يحيى، وتابَعه جماعة، ورواه كثيرٌ منهم: "مُتلفّعات" بالعين (٢) ، والمعنى واحدٌ.
-
والمروطُ: أكسِيَةُ الصُّوف. وقد قيل: المِرْطُ: كِساءُ صُوفٍ مُربَّعٌ، سَداهُ (٣) شَعَرٌ.
-
وفي انصرافِ النساءِ من صلاةِ رسولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم- الصبحَ وهنّ لا يُعرفنَ من الغَلَس، دليلٌ على أن قراءةَ رسولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم- في صلاةِ الصُّبح لم تكنْ بالسُّورِ الطِّوال جدًّا؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لم ينصرِفْ إلا مع الإسفار.
-
وقد أجمعَ العلماءُ على أن لا توقيتَ في القراءةِ في الصلواتِ الخمس، إلا أنهم يَستحبُّونَ أن يكونَ الصُّبحَ والظُّهرَ أطولَ قراءةً من غيرِهما.
-
والغَلَسُ: بقيةُ الليل عند أهلِ اللغة، ومَن ذهَب إلى هذا جعَل آخِرَ الليل طُلوعَ الشمس، وضوءُ الفَجْرِ من الشمس، واللّهُ أعلم.
-
والغَبَشُ - بالشين المنقوطة والباء: النورُ المختلِطُ بالظُّلْمة، والغَلَسُ والغَبَشُ سواءٌ، إلا أنه لا يكونُ الغَلَسُ إلا في آخرِ الليل، وقد يكونُ الغبشُ في أولِ الليلِ وفي آخرِه. وأما الغَبَسُ -بالباءِ والسين- فغلَطٌ عندَهم، وباللّه التوفيق.
- vol. 15, p. 348
حديثٌ خامسٌ وأربعون ليَحيى بنِ سعيد
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرة، عن عائشة، أن يهوديةً جاءت تسألُها فقالت: أعاذَكِ اللّهُ من عذابِ القبر. فسألتْ عائشةُ رسولَ اللّه (٢) -صلى الله عليه وسلم-: أيُعذَّبُ الناسُ في قُبورِهم؟ فقال رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- عائذًا باللّه من ذلك، ثم رَكِبَ رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ غداةٍ مَركَبًا، فخسَفت الشمسُ، فرجَع ضحًى، فمرَّ بينَ ظَهْرَي الحُجَر، ثم قامَ يصلِّي وقامَ الناسُ وراءَه، فقامَ قيامًا طويلًا، ثم رَكَعَ رُكُوعًا طويلًا، ثم رَفَعَ فقامَ قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأول، ثم رَكَعَ رُكوعًا طويلًا وهو دونَ الركوع الأول، ثم رَفَعَ فسجَدَ، ثم قامَ قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأول، ثم رَكَعَ رُكوعًا طويلًا وهو دونَ الركوع الأول، ثم رفَع فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأول، ثم رَكَعَ رُكوعًا طويلًا وهو دونَ الركوع الأول، ثم رَفَعَ، ثم سجَدَ، ثم انصرَف فقال ما شاء اللّهُ أن يقول، ثم أمَرهم أن يتعوَّذوا من عذاب القبر.