دعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة للثقلين، ولم يخص العرب بحكم من الأحكام

5 paragraphs · vol. 20, p. 18

  1. الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْفُلَانِيَّ هُوَ الَّذِي لِأَجْلِهِ حَكَمَ الشَّارِعُ بِهَذَا الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي صُورَةٍ أُخْرَى؛ فَهَذَا الْقِيَاسُ لَا يُنَازِعُ فِيهِ إلَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.

    vol. 20, p. 18
  2. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَامِلَةٌ لِلثَّقَلَيْنِ: الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ فَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ خَصَّ الْعَرَبَ بِحُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ أَصْلًا بَلْ إنَّمَا عَلَّقَ الْأَحْكَامَ بِاسْمِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ؛ وَمُؤْمِنٍ وَمُنَافِقٍ؛ وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ؛ وَمُحْسِنٍ وَظَالِمٍ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ الْعَرَبِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَلَكِنْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ظَنَّ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ كَمَا ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ خَصَّ الْعَرَبَ بِأَنْ لَا يُسْتَرَقُّوا وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُمْ يُسْتَرَقُّونَ كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ حَيْثُ اُسْتُرِقَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَفِيهِمْ جُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَأَعْتَقَ بِسَبَبِهَا مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْ قَوْمِهَا. وَقَالَ فِي حَدِيثِ هَوَازِنَ: {اخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إمَّا السَّبْيَ؛ وَإِمَّا الْمَالَ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ

    vol. 20, p. 19لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ؛ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ {كَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ} وَعَامَّةُ مَنْ اسْتَرَقَّهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ كَانُوا عَرَبًا وَذِكْرُ هَذَا يَطُولُ. وَلَكِنْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا رَأَى كَثْرَةَ السَّبْيِ مِنْ الْعَجَمِ وَاسْتِغْنَاءَ النَّاسِ عَنْ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ رَأَى أَنْ يُعْتِقُوا الْعَرَبَ مِنْ بَابِ مَشُورَةِ الْإِمَامِ وَأَمْرِهِ بِالْمَصْلَحَةِ؛ لَا مِنْ بَابِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَلْزَمُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ فَأَخَذَ مَنْ أَخَذَ بِمَا ظَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ وَكَذَلِكَ ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مَعَ كَوْنِهَا تُؤْخَذُ مِنْ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُ أَخْذَهَا مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْخُذُهَا إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْخُذْ الْجِزْيَةَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَأَخَذَهَا مِنْ الْمَجُوسِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ. فَمَنْ قَالَ: تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ. قَالَ: إنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ لَمَّا نَزَلَتْ

    vol. 20, p. 20أَسْلَمَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكَ وَلَمْ يَبْقَ عَرَبِيٌّ مُشْرِكٌ مُحَارِبًا وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَغْزُوَ النَّصَارَى عَامَ تَبُوكَ بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ - إلَّا مَنْ عَذَرَ اللَّهُ - وَيَدَعُ الْحِجَازَ وَفِيهِ مَنْ يُحَارِبُهُ وَيَبْعَثُ أَبَا بَكْرٍ عَامَ تِسْعٍ فَنَادَى فِي الْمَوْسِمِ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عريان وَنَبَذَ الْعُهُودَ الْمُطْلَقَةَ وَأَبْقَى الْمُؤَقَّتَةَ مَا دَامَ أَهْلُهَا مُوفِينَ بِالْعَهْدِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ وَأَنْظَرَ الَّذِينَ نَبَذَ إلَيْهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَمَرَ عِنْدَ انْسِلَاخِهَا بِغَزْوِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً قَالُوا: فَدَانَ الْمُشْرِكُونَ كُلُّهُمْ كَافَّةً بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرْضَ بَذْلَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ الدِّينِ بَعْدَ ظُهُورِ دِينِ الْإِسْلَامِ مَا يَصْبِرُونَ لِأَجْلِهِ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ؛ إذْ كَانَ عَامَّةُ الْعَرَبِ قَدْ أَسْلَمُوا فَلَمْ يَبْقَ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ عِزٌّ يَعْتَزُّونَ بِهِ فَدَانُوا بِالْإِسْلَامِ حَيْثُ أَظْهَرَهُ اللَّهُ فِي الْعَرَبِ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ؛ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} مُرَادُهُ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ أَذِنَ اللَّهُ فِي قِتَالِهِمْ لَمْ يُرِدْ قِتَالَ الْمُعَاهَدِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ عَهْدِهِمْ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ نُزُولِ " بَرَاءَةٌ " يُعَاهِدُ مَنْ عَاهَدَهُ مِنْ الْكُفَّارِ

  3. مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَةٌ وَأَمَرَهُ بِنَبْذِ الْعُهُودِ الْمُطْلَقَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَاهِدَهُمْ كَمَا كَانَ يُعَاهِدَهُمْ بَلْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ الْجَمِيعَ كَمَا قَالَ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . وكان دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ خَيْرًا مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ وَمَعَ هَذَا فَأُمِرُوا بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَا تَجُوزُ مُعَاهَدَتُهُمْ كَمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ بَرَاءَةٌ فَالْمُشْرِكُونَ أَوْلَى بِذَلِكَ أَنْ لَا تَجُوزَ مُعَاهَدَتُهُمْ بِدُونِ ذَلِكَ. قَالُوا: فَكَانَ فِي تَخْصِيصِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى تَرْكِ مُعَاهَدَةِ الْمُشْرِكِينَ بِدُونِ الصَّغَارِ وَالْجِزْيَةِ؛ كَمَا كَانَ يُعَاهِدُهُمْ فِي مِثْلِ هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُعَاهَدَاتِ. قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ بريدة قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: اُغْزُوَا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ اُغْزُوا وَلَا تَغْلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ

    vol. 20, p. 22وَكُفَّ عَنْهُمْ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك وَذِمَّةَ أَصْحَابِك فَإِنَّكُمْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك؛ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا} . قَالُوا: فَفِي الْحَدِيثِ أَمْرُهُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ الْكُفَّارَ إلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ إلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْأَمْصَارِ وَإِلَّا فَإِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَإِنْ لَمْ يُهَاجِرُوا كَانُوا كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَعْرَابُ عَامَّتُهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ دَعَا إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ مَنْ حَاصَرَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ. وَالْحُصُونُ كَانَتْ بِالْيَمَنِ كَثِيرَةٌ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ وَأَهْلُ الْيَمَنِ كَانَ

    vol. 20, p. 23فِيهِمْ مُشْرِكُونَ وَأَهْلُ كِتَابٍ وَأَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدَّ لَهُ معافريا وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَرَبِ آمَنُوا كَمَا آمَنَ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَدَّى الْجِزْيَةَ. وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَكَانُوا مَجُوسًا وَأَسْلَمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ طَوْعًا وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ وَلَا بِخَيْبَرِ؛ بَلْ حَارَبَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ وَأَقَرَّ الْيَهُودُ بِخَيْبَرِ فَلَّاحِينَ بِلَا جِزْيَةٍ إلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُهَادِنِينَ لَهُ وَكَانُوا فَلَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ فَأَقَرَّهُمْ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ ثُمَّ أَمَرَ بِإِجْلَائِهِمْ قَبْلَ مَوْتِهِ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَقِيلَ: هَذَا الْحُكْمُ مَخْصُوصٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اسْتَغْنَى الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ أَجْلَوْهُمْ مِنْ دِيَارِ الْإِسْلَامِ؛ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ مُشْرِكٍ قَالَ: إنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ وَالْمُشْرِكُونَ مَوْجُودُونَ فَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْعَرَبَ بِحُكْمِ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ خَصَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ الَّتِي هِيَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا خَصَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِقَوْلِهِ: {إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} .

    vol. 20, p. 21
  4. وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مَا تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ وَأَحَلَّ لَهُمْ مَا تَسْتَطِيبُهُ. فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَلَكِنْ الخرقي وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَافَقُوا الشَّافِعِيَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَأَمَّا أَحْمَد نَفْسُهُ فَعَامَّةُ نُصُوصِهِ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ أَنَّ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِطَابَةِ الْعَرَبِ وَلَا بِاسْتِخْبَاثِهِمْ؛ بَلْ كَانُوا يَسْتَطِيبُونَ أَشْيَاءَ حَرَّمَهَا اللَّهُ؛ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ؛ وَالْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ؛ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ؛ وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ؛ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكَانُوا - بَلْ خِيَارُهُمْ - يَكْرَهُونَ أَشْيَاءَ لَمْ يُحَرِّمْهَا اللَّهُ حَتَّى لَحْمَ الضَّبِّ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُهُ وَقَالَ: {لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ} وَقَالَ مَعَ هَذَا: " إنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ " وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ وَقَالَ فِيهِ: " لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ " . وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: الطَّيِّبَاتُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ مَا كَانَ نَافِعًا لِآكِلِهِ فِي دِينِهِ وَالْخَبِيثُ مَا كَانَ ضَارًّا لَهُ فِي دِينِهِ. وَأَصْلُ الدِّينِ الْعَدْلُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ بِإِقَامَتِهِ فَمَا أَوْرَثَ الْأَكْلَ بَغْيًا وَظُلْمًا حَرَّمَهُ كَمَا حَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. لِأَنَّهَا بَاغِيَةٌ عَادِيَةٌ وَالْغَاذِي شَبِيهٌ بِالْمُغْتَذِي فَإِذَا تَوَلَّدَ اللَّحْمُ مِنْهَا صَارَ فِي الْإِنْسَانِ خُلُقُ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ.

    vol. 20, p. 24
  5. وَكَذَلِكَ الدَّمُ يَجْمَعُ قُوَى النَّفْسِ مِنْ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ فَإِذَا اغْتَذَى مِنْهُ زَادَتْ شَهْوَتُهُ وَغَضَبُهُ عَلَى الْمُعْتَدِلِ وَلِهَذَا لَمْ يَحْرُمْ مِنْهُ إلَّا الْمَسْفُوحُ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ. وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ يُورِثُ عَامَّةَ الْأَخْلَاقِ الْخَبِيثَةِ؛ إذْ كَانَ أَعْظَمُ الْحَيَوَانِ فِي أَكْلِ كُلِّ شَيْءٍ لَا يَعَافُ شَيْئًا وَاَللَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ شَيْئًا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَإِنَّمَا حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} . وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ إلَّا الْخَبَائِثَ كَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ فَأَمَّا غَيْرُ الْمَسْفُوحِ كَاَلَّذِي يَكُونُ فِي الْعُرُوقِ فَلَمْ يُحَرِّمْهُ بَلْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ اللَّحْمَ فِي الْقِدْرِ فَيَرَوْنَ آثَارَ الدَّمِ فِي الْقِدْرِ؛ وَلِهَذَا عَفَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَنْ الدَّمِ الْيَسِيرِ فِي الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ إذَا كَانَ غَيْرَ مَسْفُوحٍ وَإِذَا عُفِيَ عَنْهُ فِي الْأَكْلِ فَفِي اللِّبَاسِ وَالْحَمْلِ أَوْلَى أَنْ يُعْفَى عَنْهُ. وَكَذَلِكَ رِيقُ الْكَلْبِ يُعْفَى عَنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّيْدِ كَمَا هُوَ

    vol. 20, p. 26مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِهِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ وَجَبَ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ. إذْ كَانَ الرِّيقُ فِي الْوُلُوغِ كَثِيرًا سَارِيًا فِي الْمَائِعِ لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا يُصِيبُ الصَّيْدَ فَإِنَّهُ قَلِيلٌ نَاشِفٌ فِي جَامِدٍ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ بِالنَّسَبِ لَا يَقُولُ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا} فَقَدَّمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَضِيلَةِ الْعِلْمِيَّةِ ثُمَّ بِالْفَضِيلَةِ الْعَمَلِيَّةِ وَقَدَّمَ الْعَالِمَ بِالْقُرْآنِ عَلَى الْعَالِمِ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ الْأَسْبَقَ إلَى الدِّينِ بِاخْتِيَارِهِ ثُمَّ الْأَسْبَقَ إلَى الدِّينِ بِسِنِّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَبَ. وَبِهَذَا أَخَذَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ فَرَتَّبَ الْأَئِمَّةَ كَمَا رَتَّبَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَبَ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يُرَجِّحُوا بِالنَّسَبِ وَلَكِنْ رَجَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد؛ كالخرقي وَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمْ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ سَلْمَانَ

    vol. 20, p. 25