النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام
116 paragraphs · vol. 2, p. 316
Page 1 of 3
- vol. 2, p. 316
زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ لَا تَنْحَصِرُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِحَصْرِهَا وَحِكَايَةُ ابْنِ السَّيِّدِ عَنْ أَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ فِي زَمَانِهِ
وَقِيلَ: قِسْمَانِ: خَبَرٌ وَغَيْرُ خَبَرٍ
وَقِيلَ: عَشَرَةٌ: نِدَاءٌ وَمَسْأَلَةٌ وَأَمْرٌ وَتَشَفُّعٌ وَتَعَجُّبٌ وَقَسَمٌ وَشَرْطٌ وَوَضْعٌ وَشَكٌّ وَاسْتِفْهَامٌ
وَقِيلَ: تِسْعَةٌ وَأَسْقَطُوا الِاسْتِفْهَامَ لِدُخُولِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ
وَقِيلَ: ثَمَانِيَةٌ وَأَسْقَطُوا التَّشَفُّعَ لِدُخُولِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ
وَقِيلَ: سَبْعَةٌ وَأَسْقَطُوا الشَّكَّ لِأَنَّهُ فِي قِسْمِ الْخَبَرِ
وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشِ يَرَى أَنَّهَا سِتَّةٌ أَيْضًا وَهِيَ عِنْدُهُ الْخَبَرُ وَالِاسْتِخْبَارُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالنِّدَاءُ وَالتَّمَنِّي وَقِيلَ: خَمْسَةٌ الْخَبَرُ وَالْأَمْرُ وَالتَّصْرِيحُ وَالطَّلَبُ وَالنِّدَاءُ وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ
vol. 2, p. 317الْأَوَّلُ: الْخَبَرُ وَالْقَصْدُ بِهِ إِفَادَةُ الْمُخَاطَبِ وَقَدْ يُشْرَبُ مَعَ ذَلِكَ مَعَانِي أُخَرُ
مِنْهَا: التَّعَجُّبُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَهُوَ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلَى أضرابه بوصف
وَقَالَ ابْنُ الضَّائِعِ: اسْتِعْظَامُ صِفَةٍ خَرَجَ بِهَا الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ عَنْ نَظَائِرِهِ نَحْوُ: مَا أَحْسَنَ زَيْدًا! وَأَحْسِنْ بِهِ! اسْتَعْظَمْتُ حُسْنَهُ عَلَى حُسْنِ غَيْرِهِ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الصَّفِّ: مَعْنَى التَّعَجُّبِ تَعْظِيمُ الْأَمْرِ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ لِأَنَّ التَّعَجُّبَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ نَظَائِرِهِ وَأَشْكَالِهِ
وَقَالَ الرُّمَّانِيُّ: الْمَطْلُوبُ فِي التَّعَجُّبِ الْإِبْهَامُ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ أَنْ يَتَعَجَّبُوا مِمَّا لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ وَكُلَّمَا اسْتُبْهِمَ السَّبَبُ كَانَ التَّعَجُّبُ أَحْسَنَ قَالَ وَأَصْلُ التَّعَجُّبِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَعْنَى الْخَفِيِّ سَبَبُهُ وَالصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ تُسَمَّى تَعَجُّبًا يَعْنِي مَجَازًا قَالَ: وَمِنْ أَجْلِ الْإِبْهَامِ لَمْ تَعْمَلْ نِعْمَ إِلَّا فِي الْجِنْسِ مِنْ أَجْلِ التَّفْخِيمِ لِيَقَعَ التَّفْسِيرُ عَلَى نَحْوِ التَّفْخِيمِ بِالْإِضْمَارِ قَبْلَ الذَّكْرِ
ثُمَّ قَدْ وَضَعُوا لِلتَّعَجُّبِ صِيَغًا مِنْ لَفْظِهِ وَهِيَ: "ما أفعله" و"أفعل به وصيغا
vol. 2, p. 318مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ نَحْوُ: "كَبُرَ" فِي نَحْوِ: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} {كبر مقتا عند الله} {كيف تكفرون}
-
وَاحْتَجَّ الثَّمَانِينِيُّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أسمع بهم وأبصر} تَقْدِيرُهُ: مَا أَسْمَعَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ! وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتَعَجَّبْ بِهِمْ وَلَكِنْ دَلَّ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ نَزَلُوا مَنْزِلَةَ مَنْ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ
- وَهُنَا مَسْأَلَتَانِ:
-
الْأُولَى: قِيلَ: لَا يُتَعَجَّبُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ فَلَا يُقَالُ: مَا أَعْظَمَ اللَّهَ! لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ إِلَى: شَيْءٌ عَظَّمَ اللَّهَ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ صِيَغِ التَّعَجُّبِ وَصِفَاتُ اللَّهِ تعالى قديمة وقيل: بجوازه باعتبار أنه يجب تَعْظِيمُ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ فَهُوَ يَرْجِعُ لِاعْتِقَادِ الْعِبَادِ عَظَمَتَهُ وَقُدْرَتَهُ وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
مَا أَقْدَرَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِي عَلَى شَحَطٍ
مَنْ دَارُهُ الْحُزْنُ مِمَّنْ دَارُهُ صُولُ
وَالْأَوَّلُونَ قَالُوا: هَذَا أَعْرَابِيٌّ جَاهِلٌ بِصِفَاتِ اللَّهِ وَقَالَ بعض المحققين: التعجب إِنَّمَا يُقَالُ لِتَعْظِيمِ الْأَمْرِ الْمُتَعَجَّبِ مِنْهُ وَلَا يُخْطَرُ بِالْبَالِ أَنَّ شَيْئًا صَيَّرَهُ كَذَلِكَ وَخَفِيَ عَلَيْنَا فَلَا يَمْتَنِعُ حِينَئِذٍ التَّعَجُّبُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ
وَالثَّانِيَةُ: هَلْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ التَّعَجُّبِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَقِيلَ: بِالْمَنْعِ لِأَنَّ التَّعَجُّبَ اسْتِعْظَامٌ وَيَصْحَبُهُ الْجَهْلُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ فِي الْمُقَرِّبِ
vol. 2, p. 319قَالَ: فَإِنْ وَرَدَ مَا ظَاهِرُهُ ذَلِكَ صُرِفَ إِلَى الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِهِ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} أَيْ: هَؤُلَاءِ يَجِبُ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُمْ وَقِيلَ: بالجواز لقوله: {فما أصبرهم على النار} إِنْ قُلْنَا: "مَا" تَعَجُّبِيَّةٌ لَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَقَوْلُهُ: {بل عجبت} فِي قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ بِالضَّمِّ
وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَمَا وَقَعَ مِنْهُ أُوِّلَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُخَاطَبِ أَيْ: عَلِمْتُ أَسْبَابَ مَا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْعِبَادَ فَسَمَّى الْعِلْمَ بِالْعَجَبِ عَجَبًا
وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَلْتَفُّ عَلَى خِلَافٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّعَجُّبِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ خَفَاءُ سَبَبِهِ فيتحيز فيه المتعجب منه أولا؟
-
وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ صِيغَةُ التَّعَجُّبِ إِلَّا قوله: {فما أصبرهم على النار} وقوله: {قتل الإنسان ما أكفره} و {يا أيها الإنسان ما أغرك} فِي قِرَاءَةِ مَنْ زَادَ الْهَمْزَةَ
ثُمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: التَّعَجُّبُ مَصْرُوفٌ إِلَى الْمُخَاطَبِ وَلِهَذَا تَلَطَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّعَجُّبِ وَمَجِيءُ التَّعَجُّبِ مِنَ اللَّهِ كَمَجِيءِ الدُّعَاءِ مِنْهُ وَالتَّرَجِّي وَإِنَّمَا هَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ أَيْ هَؤُلَاءِ عِنْدَكُمْ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ تَقُولُوا لَهُمْ هَذِهِ وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ سِيبَوَيْهِ
vol. 2, p. 320قوله تعالى: {لعله يتذكر أو يخشى} قَالَ: الْمَعْنَى: اذْهَبَا عَلَى رَجَائِكُمَا وَطَمَعِكُمَا قَالَ ابْنُ الضَّائِعِ: وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا
قُلْتُ: وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أَيْضًا قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} {ويل للمطففين} فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ إِنَّهُ دُعَاءٌ ها هنا لأن الكلام بذلك واللفظ به قَبِيحٌ وَلَكِنَّ الْعِبَادَ إِنَّمَا كُلِّمُوا بِكَلَامِهِمْ وَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى لُغَتِهِمْ وَعَلَى مَا يَعْنُونَ فَكَأَنَّهُ -والله أعلم- قيل لهم: {ويل للمطففين} و {ويل يومئذ للمكذبين} أَيْ: هَؤُلَاءِ مِمَّنْ وَجَبَ هَذَا الْقَوْلُ لَهُمْ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا يُقَالُ لِصَاحِبِ الشَّرِّ وَالْهَلَكَةِ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْهَلَكَةِ وَوَجَبَ لَهُمْ هَذَا انْتَهَى
وَمِنْهَا: الْأَمْرُ كَقَوْلِهِ تعالى: {والمطلقات يتربصن} {الوالدات يرضعن} فَإِنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِذَلِكَ لَا أَنَّهُ خَبَرٌ وَإِلَّا لَزِمَ الْخُلْفُ فِي الْخَبَرِ وَسَبَقَ فِي الْمَجَازِ
vol. 2, p. 321وَمِنْهَا: النَّهْيُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المطهرون}
-
وَمِنْهَا: الْوَعْدُ كَقَوْلِهِ: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ}
-
وَمِنْهَا: الْوَعِيدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي منقلب ينقلبون}
-
وَمِنْهَا: الْإِنْكَارُ وَالتَّبْكِيتُ نَحْوُ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العزيز الكريم}
-
وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين} أَيْ: أَعِنَّا عَلَى عِبَادَتِكَ
وَرُبَّمَا كَانَ اللَّفْظُ خبرا والمعنى شرطا وجزاء كقوله: {إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون} فَظَاهِرُهُ خَبَرٌ وَالْمَعْنَى: إِنَّا إِنْ نَكْشِفْ عَنْكُمُ العذاب تعودوا
ومنه قوله: {الطلاق مرتان} مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مَرَّتَيْنِ فَلْيُمْسِكْهَا بَعْدَهُمَا بِمَعْرُوفٍ أَوْ يُسَرِّحْهَا بِإِحْسَانٍ
وَمِنْهَا: التَّمَنِّي وَكَلِمَتُهُ الْمَوْضُوعَةُ له "ليت" وقد تستعمل ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ
أَحَدُهَا: "هَلْ" كَقَوْلِهِ: {فَهَلْ لَنَا من شفعاء فيشفعوا لنا} حُمِلَتْ هَلْ عَلَى إِفَادَةِ التَّمَنِّي لِعَدَمِ التَّصْدِيقِ بِوُجُودِ شَفِيعٍ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ فَيَتَوَلَّدُ التَّمَنِّي بِمَعُونَةِ قَرِينَةِ الْحَالِ
vol. 2, p. 322وَالثَّانِي: "لَوْ" سَوَاءٌ كَانَتْ مَعَ "وَدَّ " كَقَوْلِهِ تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنوا} بِالنَّصْبِ أَوْ لَمْ تَكُنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} وَقَوْلِهِ: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} {وأن لي كرة فأكون}
-
وَالثَّالِثُ: "لَعَلَّ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ} فِي قِرَاءَةِ النَّصْبِ وَاخْتُلِفَ: هَلِ التَّمَنِّي خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّفْيُ أَوْ لَيْسَ بِخَبَرٍ وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ؟ قَوْلَانِ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ حَكَاهُمَا ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ
وَالزَّمَخْشَرِيُّ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخَبَرٍ وَاسْتَشْكَلَ دُخُولَ التَّكْذِيبِ فِي جَوَابِهِ وَفِي قَوْلِهِ تعالى: {ليتنا نرد ولا نكذب} إلى قوله: {وإنهم لكاذبون} وَأَجَابَ بِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْعِدَةِ فَدَخَلَهُ التَّكْذِيبُ
vol. 2, p. 323وَقَالَ ابْنُ الضَّائِعِ: التَّمَنِّي حَقِيقَةً لَا يَصِحُّ فِيهِ الْكَذِبُ وَإِنَّمَا يَرِدُ الْكَذِبُ فِي التَّمَنِّي الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدَ صَاحِبِهِ وُقُوعُهُ فَهُوَ إِذَنْ وَارِدٌ عَلَى ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ ظَنٌّ وَهُوَ خَبَرٌ صَحِيحٌ
قَالَ: وَلَيْسَ الْمَعْنَى فِي قوله: {وإنهم لكاذبون} أَنَّ مَا تَمَنَّوْا لَيْسَ بِوَاقِعٍ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمْ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى ذَمٌّ بَلِ التَّكْذِيبُ وَرَدَ عَلَى إِخْبَارِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ وَأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ
وَمِنْهَا: التَّرَجِّي وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمَنِّي أَنَّ التَّرَجِّيَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمُمَكِنَاتِ وَالتَّمَنِّيَ يَدْخُلُ الْمُسْتَحِيلَاتِ
وَمِنْهَا: النِّدَاءُ وَهُوَ طَلَبُ إِقْبَالِ الْمَدْعُوِّ عَلَى الدَّاعِي بِحَرْفٍ مَخْصُوصٍ وَإِنَّمَا يَصْحَبُ في الأكثر الأمر والنهي كقوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} {يا أيها النبي اتق الله} {يا عباد فاتقون} {ويا قوم استغفروا ربكم} {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورسوله} {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم}
-
وَرُبَّمَا تَقَدَّمَتْ جُمْلَةُ الْأَمْرِ جُمْلَةَ النِّدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ}
- vol. 2, p. 324
وَإِذَا جَاءَتْ جُمْلَةُ الْخَبَرِ بَعْدَ النِّدَاءِ تَتْبَعُهَا جملة الأمر كما في قوله تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له}
-
وَقَدْ تَجِيءُ مَعَهُ الْجُمَلُ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ وَالْخَبَرِيَّةُ كَقَوْلِهِ تعالى في الخبر: {يا عباد لا خوف عليكم} وفي الاستفهام: {يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تفعلون} {يا أيها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}
- وَهُنَا فَائِدَتَانِ:
-
إِحْدَاهُمَا: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ نِدَاءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَعْقُبُهُ فَهْمٌ فِي الدِّينِ إِمَّا مِنْ نَاحِيَةِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الَّتِي عُقِدَتْ بِهَا سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ وَإِمَّا مَوَاعِظُ وَزَوَاجِرُ وَقَصَصٌ لِهَذَا الْمَعْنَى كُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الدِّينِ الَّذِي خُلِقَ الْخَلْقُ لِأَجْلِهِ وَقَامَتِ السموات وَالْأَرْضُ بِهِ فَكَانَ حَقُّ هَذِهِ أَنْ تُدْرَكَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الْبَلِيغَةِ
الثَّانِيَةُ: النِّدَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْبَعِيدِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا}
-
لَطِيفَةٌ: فَإِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ كَمَا نَادَاهُ نَاجَاهُ أَيْضًا وَالنِّدَاءُ مُخَاطَبَةُ الْأَبْعَدِ وَالْمُنَاجَاةُ مُخَاطَبَةُ الْأَقْرَبِ وَلِأَجْلِ هَذِهِ اللَّطِيفَةِ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ مخاطبته لآدم وحواء بقوله: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}
- vol. 2, p. 325
وفي موضع: {ويا آدم اسكن} ثُمَّ لَمَّا حَكَى عَنْهُمَا مُلَابَسَةَ الْمُخَالَفَةِ قَالَ في وصف خطابه لهما: {وناداهما ربهما} فَأَشْعَرَ هَذَا اللَّفْظُ بِالْبُعْدِ لِأَجْلِ الْمُخَالَفَةِ كَمَا أَشْعَرَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ بِالْقُرْبِ عِنْدَ السَّلَامَةِ مِنْهَا
وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ النِّدَاءُ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ مَجَازًا فِي مَوَاضِعَ:
الْأَوَّلُ: الْإِغْرَاءُ وَالتَّحْذِيرُ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَاقَةَ اللَّهِ وسقياها} وَالْإِغْرَاءُ أَمْرٌ مَعْنَاهُ التَّرْغِيبُ وَالتَّحْرِيضُ وَلِهَذَا خَصُّوا به المخاطب
الثاني: الاختصاص وهوكالنداء إِلَّا أَنَّهُ لَا حَرْفَ فِيهِ
الثَّالِثُ: التَّنْبِيهُ نحو: {يا ليتني مت قبل هذا} لِأَنَّ حَرْفَ النِّدَاءِ يَخْتَصُّ بِالْأَسْمَاءِ
وَقَالَ النَّحَّاسُ في قوله تعالى: {يا ويلتى} نِدَاءٌ مُضَافٌ وَالْفَائِدَةُ فِيهِ أَنَّ مَعْنَاهُ: هَذَا وَقْتُ حُضُورِ الْوَيْلِ وَقَالَ الْفَارِسِيُّ فِي قَوْلِهِ تعالى: {يا حسرة على العباد} مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْحَسْرَةُ مِمَّا يَصِحُّ نَدَاهُ لَكَانَ هَذَا وَقْتُهَا
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ النِّدَاءَ خَبَرٌ أَمْ لَا قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِ الْإِيضَاحِ: ذَهَبَ الْجَمِيعُ إِلَى أَنَّ قَوْلَكَ: يَا زَيْدُ لَيْسَ بِخَبَرٍ مُحْتَمِلٍ لِلتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِشَارَةِ وَالتَّصْوِيتِ
وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِكَ: يَا فَاسِقُ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخَبَرٍ أَيْضًا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ
vol. 2, p. 326الْفَارِسِيُّ: خَبَرٌ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ نِسْبَتَهُ لِلْفِسْقِ
وَمِنْهَا: الدعاء نحو: {تبت يدا أبي لهب وتب} وقوله: {قاتلهم الله} {حصرت صدورهم} {ويل للمطففين}
قَالَ سِيبَوَيْهِ: هَذَا دُعَاءٌ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ الطَّرَاوَةِ لِاسْتِحَالَتِهِ هُنَا وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مَصْرُوفٌ لِلْخَلْقِ وَإِعْلَامُهُمْ بِأَنَّهُمْ أَهْلٌ لِأَنْ يُدْعَى عَلَيْهِمْ كَمَا فِي الرَّجَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ
فَائِدَةٌ
ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الِاسْتِعْطَافَ نَحْوُ تَاللَّهَ هَلْ قَامَ زَيْدٌ قَسَمٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ لِكَوْنِهِ خَبَرًا
الاستخبار وهو الاستفهام
الثَّانِي: الِاسْتِخْبَارُ وَهُوَ طَلَبُ خَبَرِ مَا لَيْسَ عندك وهو بمعنى الاستفهام أَيْ: طَلَبُ الْفَهْمِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاسْتِخْبَارَ مَا سُبِقَ أَوَّلًا وَلَمْ يُفْهَمْ حَقَّ الْفَهْمِ فَإِذَا سَأَلَتْ عَنْهُ ثَانِيًا كَانَ اسْتِفْهَامًا حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ
وَلِكَوْنِ الِاسْتِفْهَامِ طَلَبَ مَا فِي الْخَارِجِ أَوْ تَحْصِيلَهُ فِي الذِّهْنِ لَزِمَ أَلَّا يَكُونَ حَقِيقَةً
vol. 2, p. 327إِلَّا إِذَا صَدَرَ مِنْ شَاكٍّ مُصَدِّقٍ بِإِمْكَانِ الْإِعْلَامِ فَإِنَّ غَيْرَ الشَّاكِّ إِذَا اسْتَفْهَمَ يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَإِذَا لَمْ يُصَدِّقْ بِإِمْكَانِ الْإِعْلَامِ انْتَفَتْ فَائِدَةُ الِاسْتِفْهَامِ
وَفِي الِاسْتِفْهَامِ فَوَائِدُ
الْأُولَى: قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: مَا جَاءَ عَلَى لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ حَاصِلٌ فَيَسْتَفْهِمُ عَنْهُ نَفْسَهُ تُخْبِرُهُ بِهِ إِذْ قَدْ وَضَعَهُ اللَّهُ عِنْدَهَا فَالْإِثْبَاتُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَصْدَقُ من الله حديثا} وَالنَّفْيُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} {فهل أنتم مسلمون} وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ إِذَا اسْتَفْهَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ عَنْهُ فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَا يَسْتَفْهِمُ خَلْقَهُ عَنْ شَيْءٍ وَإِنَّمَا يَسْتَفْهِمُهُمْ لِيُقَرِّرَهُمْ وَيُذَكِّرَهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا حَقَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَهَذَا أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ انْفَرَدَ بِهِ خِطَابُ الْقُرْآنِ وَهُوَ فِي كَلَامِ الْبَشَرِ مُخْتَلِفٌ
الثَّانِيَةُ: الِاسْتِفْهَامُ إِذَا بُنِيَ عَلَيْهِ أَمْرٌ قَبْلَ ذِكْرِ الْجَوَابِ فُهِمَ تَرَتُّبُ ذَلِكَ الْأَمْرِ عَلَى جَوَابِهِ أَيَّ جَوَابٍ كَانَ لِأَنَّ سَبْقَهُ عَلَى الْجَوَابِ يَشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ حَالُ مَنْ يُذْكَرُ فِي الْجَوَابِ لِئَلَّا يَكُونَ إِيرَادُهُ قَبْلَهُ عَبَثًا فَيُفِيدُ حِينَئِذٍ تَعْمِيمًا نَحْوُ: "مَنْ جَاءَكَ فَأُكْرِمَهُ" بِالنَّصْبِ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ قَبْلَ ذِكْرِ جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ "أُكْرِمَهُ" عُلِمَ أَنَّهُ يُكْرِمُ مَنْ يَقُولُ الْمُجِيبُ: إِنَّهُ جَاءَ أَيْ جَاءَ كَانَ وَكَذَا حُكْمُ "مَنْ ذَا جَاءَكَ أَكْرِمْهُ" بالجزم
- vol. 2, p. 328
الثَّالِثَةُ: قَدْ يَخْرُجُ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأَنْ يَقَعَ مِمَّنْ يَعْلَمُ وَيَسْتَغْنِي عَنْ طَلَبِ الْإِفْهَامِ
أقسام الاستفهام
وهو قسمان: بمعنى الخبر وبمعنى الإنشاء
الاستفهام بمعنى الخبر
الْأَوَّلُ: بِمَعْنَى الْخَبَرِ وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: نَفْيٌ وَالثَّانِي: إِثْبَاتٌ فَالْوَارِدُ لِلنَّفْيِ يُسَمَّى اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَالْوَارِدُ لِلْإِثْبَاتِ يُسَمَّى اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ بالأول إنكار المخاطب وبالثاني إقراره به
استفهام الإنكار
فَالْأَوَّلُ: الْمَعْنَى فِيهِ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الْأَدَاةِ مَنْفِيٌّ وَلِذَلِكَ تَصْحَبُهُ "إِلَّا" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} وقوله تعالى: {وهل نجازي إلا الكفور}
-
وَيُعْطَفُ عَلَيْهِ الْمَنْفِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} أَيْ: لَا يَهْدِي وَهُوَ كَثِيرٌ
وَمِنْهُ: {أَفَأَنْتَ تنقذ من في النار} أَيْ: لَسْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ
{أَفَأَنْتَ تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}
- vol. 2, p. 329
{أفغير الله أبتغي حكما}
-
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} أَيْ: لَا نُؤْمِنُ
وَقَوْلِهِ: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ ولكم البنون} أي: لا يكون هذا
وقوله تعالى: {أأنزل عليه الذكر من بيننا} أَيْ: مَا أُنْزِلَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} أَيْ: مَا شَهِدُوا ذَلِكَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَأَنْتَ تسمع الصم أو تهدي العمي} أَيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدعاء}
-
وقوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول} أَيْ: لَمْ نَعْيَ بِهِ
وَهُنَا أَمْرَانِ
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِنْكَارَ قَدْ يَجِيءُ لِتَعْرِيفِ الْمُخَاطَبِ أَنَّ ذَلِكَ الْمُدَّعَى مُمْتَنَعٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ قُدْرَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي العمي} لِأَنَّ إِسْمَاعَ الصُّمِّ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ إِسْمَاعَهُمْ لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الصُّمِّ وَالْعُمْيِ وَإِنَّمَا قُدِّمَ الِاسْمُ فِي الْآيَةِ وَلَمْ يَقُلْ: "أَتُسْمِعُ الصُّمَّ" إِشَارَةً إِلَى إِنْكَارٍ مُوَجَّهٍ عَنْ تَقْدِيرِ ظَنٍّ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِإِسْمَاعِ مَنْ بِهِ صَمَّمٌ وَأَنَّهُ ادَّعَى الْقُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ إنكار الفعل
vol. 2, p. 330وَفِيهِ دُخُولُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى الْمُضَارِعِ فَإِذَا قُلْتَ أَتَفْعَلُ أَوْ أَأَنْتَ تَفْعَلُ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنْكَارُ وُجُودِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لها كارهون} وَالْمَعْنَى: لَسْنَا بِمَثَابَةِ مَنْ يَقَعُ مِنْهُ هَذَا الْإِلْزَامُ وَإِنْ عَبَّرْنَا بِفِعْلِ ذَلِكَ جَلَّ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ بَلِ الْمَعْنَى إِنْكَارُ أَصْلِ الْإِلْزَامِ وَالثَّانِي: قَوْلُكُ لِمَنْ يَرْكَبُ الْخَطَرَ: أَتَذْهَبُ فِي غَيْرِ طَرِيقٍ؟ انْظُرْ لِنَفْسِكَ وَاسْتَبْصِرْ فَإِذَا قَدَّمَتَ الْمَفْعُولَ تَوَجَّهَ الْإِنْكَارُ إِلَى كَوْنِهِ بِمَثَابَةِ أَنْ يُوقَعَ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: {قل أغير الله أتخذ وليا} وقوله: {أغير الله تدعون} الْمَعْنَى: أَغَيْرَ اللَّهِ بِمَثَابَةِ مَنْ يُتَّخَذُ وَلَّيًا
ومنه: {أبشرا منا واحدا نتبعه} لِأَنَّهُمْ بَنَوْا كَفْرَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَتَّبِعُ صِيغَةَ الْمُسْتَقْبَلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْحَالِ نَحْوُ: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا} أو للاستقبال نحو: {أهم يقسمون رحمت ربك}
-
الثَّانِي: قَدْ يَصْحَبُ الْإِنْكَارَ التَّكْذِيبُ لِلتَّعْرِيضِ بِأَنَّ المخاطب ادعاه وقصد تكذيبه كقوله تعالى: {أصطفى البنات على البنين} {ألكم الذكر وله الأنثى} {أإله مع الله}
- vol. 2, p. 331
وَسَوَاءٌ كَانَ زَعْمُهُمْ لَهُ صَرِيحًا مِثْلُ: {أَفَسِحْرٌ هذا أم أنتم لا تبصرون} أو التزاما مثل: {أشهدوا خلقهم} فَإِنَّهُمْ لَمَّا جَزَمُوا بِذَلِكَ جَزْمَ مَنْ يُشَاهِدُ خَلْقَ الْمَلَائِكَةِ كَانُوا كَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ شَهِدَ خَلْقَهُمْ وَتَسْمِيَةُ هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ مِنْ أَنْكَرَ إِذَا جَحَدَ وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنَى: "لَمْ يَكُنْ" كقوله تعالى: {أفأصفاكم} أو بمعنى: "لا يكون" نحو: {أنلزمكموها}
- وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِنْكَارَ قِسْمَانِ إِبْطَالِيٌّ وَحَقِيقِيٌّ:
-
فَالْإِبْطَالِيُّ: أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا غَيْرَ وَاقِعٍ وَمُدَّعِيهِ كَاذِبٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَالْحَقِيقِيُّ: يَكُونُ مَا بَعْدَهَا واقع وأن فاعله ملوم نحو: {أتعبدون ما تنحتون} {غير الله تدعون} {أإفكا آلهة} {أتأتون الذكران} {أتأخذونه بهتانا}
-
استفهام التقرير
وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ اسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ وَالتَّقْرِيرُ: حَمْلُكَ الْمُخَاطَبَ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَافِ بِأَمْرٍ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو الْفَتْحِ فِي الْخَاطِرِيَّاتِ: وَلَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ بِـ "هَلْ" وَقَالَ فِي قَوْلِهِ:
vol. 2, p. 332*جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط*
و "هل" لَا تَقَعُ تَقْرِيرًا كَمَا يَقَعُ غَيْرُهَا مِمَّا هو للاستفهام
وَقَالَ الْكِنْدِيُّ: ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي قوله تعالى: {هل يسمعونكم} إِلَى أَنَّ "هَلْ" تُشَارِكُ الْهَمْزَةَ فِي مَعْنَى التَّقْرِيرِ وَالتَّوْبِيخِ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَبَا عَلِيٍّ أَبَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْذُورٌ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ قبيل الإنكار وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّ اسْتِفْهَامَ التَّقْرِيرِ لَا يَكُونُ بِـ "هَلْ" إِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْهَمْزَةُ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أن "هل" تأتي تقريرا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}
-
وَالْكَلَامُ مَعَ التَّقْرِيرِ مُوجَبٌ وَلِذَلِكَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْمُوجَبِ وَيُعْطَفُ عَلَى صَرِيحِ الْمُوجَبِ فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فهدى} وَقَوْلِهِ: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنْكَ وزرك} {ألم يجعل كيدهم في تضليل}
- vol. 2, p. 333
وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ: {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا علما} عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي النَّظْمِ حَيْثُ جَعَلَهَا مِثْلَ قَوْلِهِ: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}
-
وَيَجِبُ أَنْ يَلِيَ الْأَدَاةَ الشَّيْءُ الَّذِي تَقَرَّرَ بِهَا فَتَقُولُ فِي تَقْرِيرِ الْفِعْلِ: "أَضَرَبْتَ زَيْدًا" وَالْفَاعِلُ نَحْوُ: "أَأَنْتَ ضَرَبْتَ" أَوِ الْمَفْعُولُ "أَزَيْدًا ضَرَبْتَ" كَمَا يَجِبُ فِي الِاسْتِفْهَامِ الْحَقِيقِيِّ
وَقَوْلِهِ تعالى: {أأنت فعلت} يَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهَامَ الْحَقِيقِيَّ بِأَنْ يَكُونُوا لَمْ يَعْلَمُوا أنه الفاعل والتقرير بِأَنْ يَكُونُوا عَلِمُوا وَلَا يَكُونُ اسْتِفْهَامًا عَنِ الْفِعْلِ وَلَا تَقْرِيرًا لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَلِهِ وَلِأَنَّهُ أَجَابَ بِالْفَاعِلِ بِقَوْلِهِ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ}
-
وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْهُ: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير}
-
وَقِيلَ: أَرَادَ التَّقْرِيرَ بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ لَا التَّقْرِيرَ بِالنَّفْيِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْإِنْكَارِ أَيْ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُنْكِرُ لِلنَّسْخِ!
-
وَحَقِيقَةُ اسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَالْإِنْكَارُ نَفْيٌ وَقَدْ دَخَلَ عَلَى الْمَنْفِيِّ وَنَفْيُ الْمَنْفِيِّ إِثْبَاتٌ وَالَّذِي يُقَرَّرُ عِنْدَكَ أَنَّ مَعْنَى التَّقْرِيرِ الْإِثْبَاتُ قَوْلُ ابْنُ السَّرَّاجِ: فَإِذَا أَدْخَلْتَ عَلَى "لَيْسَ" أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ كَانَتْ تَقْرِيرًا وَدَخَلَهَا مَعْنَى الْإِيجَابُ فَلَمْ يَحْسُنْ مَعَهَا "أَحَدٌ"
- vol. 2, p. 334
لِأَنَّ أَحَدًا إِنَّمَا يَجُوزُ مَعَ حَقِيقَةِ النَّفْيِ لَا تَقُولُ: أَلَيْسَ أَحَدٌ فِي الدَّارِ لِأَنَّ الْمَعْنَى يُؤَوَّلُ إِلَى قَوْلِكَ: أَحَدٌ فِي الدَّارِ وأحد لا تستعمل في الواجب
وأمثلته كثيرة كقوله تعالى: {ألست بربكم} أَيْ: أَنَا رَبُّكُمْ
وَقَوْلِهِ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}
-
{أوليس الذي خلق السماوات والأرض}
-
{أليس الله بكاف عبده}
-
{أليس الله بعزيز ذي انتقام}
-
{أليس في جهنم مثوى للكافرين}
-
{أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب} وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيَنْقُصُ الرطب إذا جف" وقوله جَرِيرٍ:
*أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا*
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي جَعْلِهِمُ الْآيَةَ الْأُولَى مِنْ هَذَا النَّوْعِ إِشْكَالًا لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْكَلَامُ عَنِ النَّفْيِ لَجَازَ أَنْ يُجَابَ بِنَعَمْ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: "نَعَمْ" كَفَرُوا وَلَمَا حَسُنَ دُخُولُ الْبَاءِ فِي الْخَبَرِ وَلَوْ لَمْ تُفِدْ لَفْظَةُ الْهَمْزَةِ اسْتِفْهَامًا لَمَا اسْتَحَقَّ الْجَوَابُ إِذْ لَا سُؤَالَ حِينَئِذٍ
وَالْجَوَابُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَهِيَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ إِذَا دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ يَدْخُلُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ:
vol. 2, p. 335إِمَّا أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ عَنِ النَّفْيِ هَلْ وُجِدَ أَمْ لَا؟ فَيَبْقَى النَّفْيُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ لِلتَّقْرِيرِ كَقَوْلِهِ: أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} {ألم يجدك يتيما}
-
فَإِنْ كَانَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ نَعَمْ فِي جَوَابِهِ إِذَا أَرَدْتَ إِيجَابَهُ بَلْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ بَلَى وَإِنْ كَانَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ التَّقْرِيرُ فَلِلْكَلَامِ حِينَئِذٍ لَفْظٌ وَمَعْنًى فَلَفْظُهُ نَفْيٌ دَاخِلٌ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ وَمَعْنَاهُ الْإِثْبَاتُ فَبِالنَّظَرِ إِلَى لَفْظِهِ تُجِيبُهُ بِبَلَى وَبِالنَّظَرِ إِلَى مَعْنَاهُ وَهُوَ كَوْنُهُ إِثْبَاتًا تُجِيبُهُ بِنَعَمْ
وَقَدْ أَنْكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ كَوْنَ الْهَمْزَةِ لِلْإِيجَابِ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ يُخَالِفُ الْوَاجِبَ وَقَالَ: إِنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى "مَا" أَوْ "لَيْسَ" يَكُونُ تَقْرِيرًا وَتَحْقِيقًا فَالتَّقْرِيرُ: كقوله تعالى: {أنت قلت للناس} {أأنت فعلت} وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ يَأْتِي عَلَى وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: مُجَرَّدُ الْإِثْبَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا
الثَّانِي: الْإِثْبَاتُ مَعَ الِافْتِخَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ: {أَلَيْسَ لي ملك مصر}