النوع الثالث: معرفة الفواصل ورؤوس الآي
92 paragraphs · vol. 1, p. 53
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 53
...
-
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ الْفَوَاصِلِ وَرُءُوسِ الْآيِ
وَهِيَ كَلِمَةٌ آخِرَ الْآيَةِ كَقَافِيَةِ الشِّعْرِ وَقَرِينَةِ السَّجْعِ
وَقَالَ الدَّانِيُّ: كَلِمَةٌ آخِرَ الْجُمْلَةِ
قَالَ الْجَعْبَرِيُّ: وَهُوَ خِلَافُ الْمُصْطَلَحِ وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي تمثيل سيبويه {يوم يأت} و {ما كنا نبغ} وليسا رأس أي لِأَنَّ مُرَادَهُ الْفَوَاصِلُ اللُّغَوِيَّةُ لَا الصِّنَاعِيَّةُ وَيَلْزَمُ أبا عمرو إمالة {من أعطى} لِأَبِي عَمْرٍو
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: الْفَوَاصِلُ حُرُوفٌ مُتَشَاكِلَةٌ فِي الْمَقَاطِعِ يَقَعُ بِهَا إِفْهَامُ الْمَعَانِي انْتَهَى
وَفَرَّقَ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ بَيْنَ الْفَوَاصِلِ وَرُءُوسِ الْآيِ قَالَ أَمَّا الْفَاصِلَةُ فَهِيَ الْكَلَامُ الْمُنْفَصِلُ مِمَّا بَعْدَهُ وَالْكَلَامُ الْمُنْفَصِلُ قَدْ يَكُونُ رَأْسَ آيَةٍ وَغَيْرَ رَأْسٍ وَكَذَلِكَ
vol. 1, p. 54الْفَوَاصِلُ يَكُنَّ رُءُوسَ آيٍ وَغَيْرَهَا وَكُلُّ رَأْسِ آيَةٍ فَاصِلَةٌ وَلَيْسَ كُلُّ فَاصِلَةٍ رَأْسَ آيَةٍ فَالْفَاصِلَةُ تَعُمُّ النَّوْعَيْنِ وَتَجْمَعُ الضَّرْبَيْنِ وَلِأَجْلِ كَوْنِ مَعْنَى الْفَاصِلَةِ هَذَا ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ فِي تَمْثِيلِ القوافي {يوم يأت} و {ما كنا نبغ} -وَهُمَا غَيْرُ رَأْسِ آيَتَيْنِ بِإِجْمَاعٍ -مَعَ {إِذَا يسر} وَهُوَ رَأْسُ آيَةٍ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى
وَتَقَعُ الْفَاصِلَةُ عِنْدَ الِاسْتِرَاحَةِ فِي الْخِطَابِ لِتَحْسِينِ الْكَلَامِ بِهَا وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يُبَايِنُ الْقُرْآنُ بِهَا سَائِرَ الْكَلَامِ وَتُسَمَّى فَوَاصِلَ لِأَنَّهُ يَنْفَصِلُ عِنْدَهَا الْكَلَامَانِ وذلك أن آخر الآية قد فَصْلٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا بَعْدَهَا وَلَمْ يُسَمُّوهَا أَسْجَاعًا
فَأَمَّا مُنَاسَبَةُ فَوَاصِلَ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كِتَابٌ فصلت آياته} وَأَمَّا تَجَنُّبُ أَسْجَاعٍ فَلِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ سَجَعَ الطَّيْرُ فَشُرِّفَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنْ يُسْتَعَارَ لِشَيْءٍ فِيهِ لَفْظٌ هُوَ أَصْلٌ فِي صَوْتِ الطَّائِرِ وَلِأَجْلِ تَشْرِيفِهِ عَنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ الْحَادِثِ فِي اسْمِ السَّجْعِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِ آحَادِ النَّاسِ وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِصِفَةٍ لَمْ يَرِدِ الْإِذْنُ بِهَا وَإِنْ صَحَّ الْمَعْنَى ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فَقَالُوا السَّجْعُ هُوَ الَّذِي يُقْصَدُ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ يُحِيلُ الْمَعْنَى عَلَيْهِ وَالْفَوَاصِلُ التي تتبع المعاني ولا تكون مقصودة فينفسها
قال الرُّمَّانِيُّ فِي كِتَابِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَبَنَى عَلَيْهِ أَنَّ الْفَوَاصِلَ بَلَاغَةٌ وَالسَّجْعَ عَيْبٌ وَتَبِعَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي كِتَابِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَنُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيَّةِ امْتِنَاعُ كَوْنِ فِي الْقُرْآنِ سجعا قَالَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ
vol. 1, p. 55قَالَ: وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ إِلَى إِثْبَاتِ السَّجْعِ فِي الْقُرْآنِ وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَبَيَّنَ فِيهِ فَضَلُّ الْكَلَامِ وَأَنَّهُ مِنَ الْأَجْنَاسِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّفَاضُلُ فِي الْبَيَانِ وَالْفَصَاحَةِ كَالتَّجْنِيسِ وَالِالْتِفَافِ وَنَحْوِهَا قَالَ وَأَقْوَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ مُوسَى أَفْضَلُ مِنْ هارون عليهما السلام ولما كان السجع قيل في موضع {هارون وموسى} وَلَمَّا كَانَتِ الْفَوَاصِلُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِالْوَاوِ والنون قيل {موسى وهارون}
قَالُوا: وَهَذَا يُفَارِقُ أَمْرَ الشِّعْرِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْخِطَابِ إِلَّا مَقْصُودًا إِلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ غَيْرَ مَقْصُودٍ إِلَيْهِ كَانَ دُونَ الْقَدْرِ الَّذِي نُسَمِّيهِ شِعْرًا وَذَلِكَ الْقَدْرُ يَتَّفِقُ وُجُودُهُ مِنَ الْمُفْحَمِ كَمَا يَتَّفِقُ وَجُودُهُ فِي الشِّعْرِ وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ السَّجْعِ فَهُوَ كَثِيرٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَّفِقَ كُلُّهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ إِلَيْهِ
قَالَ: وَبَنَوُا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَحْدِيدِ مَعْنَى السَّجْعِ
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ مُوَالَاةُ الْكَلَامِ عَلَى وزن واحد قل ابن دريد سجعت الحمامة رَدَّدَتْ صَوْتَهَا
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا الَّذِي يَزْعُمُونَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ سَجْعًا لَكَانَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ أَسَالِيبِ كَلَامِهِمْ وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا لَمْ يَقَعْ بِذَلِكَ إِعْجَازٌ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ هُوَ سَجْعٌ مُعْجِزٌ لَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا شِعْرٌ مُعْجِزٌ وَكَيْفَ وَالسَّجْعُ مما كانت
- vol. 1, p. 56
كُهَّانُ الْعَرَبِ تَأْلَفُهُ وَنَفْيُهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَجْدَرُ بِأَنْ يَكُونَ حُجَّةً مِنْ نَفْيِ الشِّعْرِ لِأَنَّ الْكِهَانَةَ تُخَالِفُ النُّبُوَّاتِ بِخِلَافِ الشِّعْرِ
وَمَا تَوَهَّمُوا أَنَّهُ سَجْعٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ مَجِيئَهُ عَلَى صُورَتِهِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ هُوَ لِأَنَّ السَّجْعَ مِنَ الْكَلَامِ يَتْبَعُ الْمَعْنَى فِيهِ اللَّفْظَ الَّذِي يُؤَدِّي السَّجْعَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا اتَّفَقَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَى السَّجْعِ مِنَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ اللَّفْظَ وَقَعَ فِيهِ تَابِعًا لِلْمَعْنَى وَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَنْتَظِمَ الْكَلَامُ فِي نَفْسِهِ بِأَلْفَاظِهِ الَّتِي تُؤَدِّي الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ فِيهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُنْتَظِمًا دُونَ اللَّفْظِ وَمَتَى ارْتَبَطَ الْمَعْنَى بِالسَّجْعِ كَانَ إِفَادَةُ السَّجْعِ كَإِفَادَةِ غَيْرِهِ وَمَتَى انْتَظَمَ الْمَعْنَى بِنَفْسِهِ دُونَ السَّجْعِ كَانَ مُسْتَجْلِبًا لِتَحْسِينِ الكلام دون تصحيح المعنى
قال وأما ما ذَكَرُوهُ فِي تَقْدِيمِ مُوسَى عَلَى هَارُونَ فِي مَوْضِعٍ وَتَأْخِيرِهِ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ لِأَجْلِ السَّجْعِ ولتساوي مَقَاطِعِ الْكَلَامِ فَمَرْدُودٌ بَلِ الْفَائِدَةُ فِيهِ إِعَادَةُ الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تُؤَدِّي مَعْنًى وَاحِدًا وَذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ الصَّعْبِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الْفَصَاحَةُ وَتَقْوَى الْبَلَاغَةُ وَلِهَذَا أُعِيدَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْقَصَصِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى تَرْتِيبَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى عَجْزِهِمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بمثله مبتدأ به ومكررا
vol. 1, p. 57وَلَوْ أَمْكَنَهُمُ الْمُعَارَضَةُ لَقَصَدُوا تِلْكَ الْقِصَّةَ وَعَبَّرُوا عَنْهَا بِأَلْفَاظٍ لَهُمْ تُؤَدِّي إِلَى تِلْكَ الْمَعَانِي ونحوها وجعلوها بإزاء ما جاء به وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما حكى وجاء به وكيف وقد قال: لهم: {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين}
-
فعلى هذا يكون المقصد بِتَقْدِيمِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ عَلَى بَعْضٍ وَتَأْخِيرِهَا إِظْهَارُ الإعجاز على الطريقين جميعا
دون السجع الذي توهموه
إِلَى أَنْ قَالَ: فَبَانَ بِمَا قُلْنَا أَنَّ الْحُرُوفَ الْوَاقِعَةَ فِي الْفَوَاصِلِ مُنَاسِبَةٌ مَوْقِعَ النَّظَائِرِ التي تقع في الأسجاع لا يخرجها عن حدها ولا يدخلها فِي بَابِ السَّجْعِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ يَذُمُّونَ كُلَّ سَجْعٍ خَرَجَ عَنِ اعْتِدَالِ الْأَجْزَاءِ فَكَانَ بعض مصاريعه كلمتين وبعضها يبلغ كَلِمَاتٍ وَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ فَصَاحَةً بَلْ يَرَوْنَهُ عَجْزًا فَلَوْ فَهِمُوا اشْتِمَالَ الْقُرْآنِ عَلَى السَّجْعِ لَقَالُوا نَحْنُ نُعَارِضُهُ بِسَجْعٍ مُعْتَدِلٍ فَنَزِيدُ فِي الفصاحة على طريق القرآن ونتجاوز حده في البراعة والحسن انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالرُّمَّانِيُّ
رَدَّ عَلَيْهِمَا الْخَفَاجِيُّ فِي كِتَابِ سِرِّ الْفَصَاحَةِ فَقَالَ: وَأَمَّا قول الرماني إن السجع عيب والفواصل على الإطلاق بَلَاغَةٌ فَغَلَطٌ فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالسَّجْعِ مَا يَتْبَعُ الْمَعْنَى وَكَأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَذَلِكَ بَلَاغَةٌ وَالْفَوَاصِلُ مِثْلُهُ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَا تَقَعُ الْمَعَانِي تَابِعَةً لَهُ وَهُوَ مَقْصُودٌ مُتَكَلَّفٌ فَذَلِكَ عَيْبٌ وَالْفَوَاصِلُ مِثْلُهُ
vol. 1, p. 58قَالَ وَأَظُنُّ أَنَّ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى تَسْمِيَةِ كُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ فَوَاصِلَ وَلَمْ يُسَمُّوا مَا تَمَاثَلَتْ حُرُوفُهُ سَجْعًا رَغْبَتُهُمْ فِي تَنْزِيهِ الْقُرْآنِ عَنِ الْوَصْفِ اللَّاحِقِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الْكَهَنَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا غَرَضٌ فِي التَّسْمِيَةِ قَرِيبٌ وَالْحَقِيقَةُ مَا قُلْنَاهُ
ثُمَّ قَالَ وَالتَّحْرِيرُ أَنَّ الْأَسْجَاعَ حُرُوفٌ مُتَمَاثِلَةٌ فِي مَقَاطِعِ الْفَوَاصِلِ
فَإِنْ قِيلَ إِذَا كَانَ عِنْدَكُمْ أَنَّ السَّجْعَ مَحْمُودٌ فَهَلَّا وَرَدَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ مَسْجُوعًا وَمَا الْوَجْهُ فِي وُرُودِ بَعْضِهِ مَسْجُوعًا وَبَعْضِهِ غَيْرَ مَسْجُوعٍ قُلْنَا إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَعَلَى عُرْفِهِمْ وَعَادَتِهِمْ وَكَانَ الْفَصِيحُ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ كَلَامُهُ كُلُّهُ مَسْجُوعًا لِمَا فِيهِ من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع لاسيما فِيمَا يَطُولُ مِنَ الْكَلَامِ فَلَمْ يَرِدْ كُلُّهُ مسجوعا جريا منه على عرفهم في اللطيفة الْعَالِيَةِ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَمْ يَخْلُ مِنَ السَّجْعِ لِأَنَّهُ يَحْسُنُ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ عَلَى الصِّفَةِ السابقة وعليها ورد في فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عاليا في الفصاحة وقد أدخل فيه بشرط من شروطها فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وُرُودِ بَعْضِهِ كَذَلِكَ وَبَعْضِهِ بِخِلَافِهِ
وَخُصَّتْ فَوَاصِلُ الشِّعْرِ بِاسْمِ الْقَوَافِي لأن الشاعر يقفوها أي يتبعها في شعره لَا يَخْرُجُ عَنْهَا وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ فَاصِلَةٌ لِأَنَّهَا تَفْصِلُ آخِرَ الْكَلَامِ فَالْقَافِيَةُ أَخَصُّ فِي الِاصْطِلَاحِ إِذْ كُلُّ قَافِيَةٍ فَاصِلَةٌ وَلَا عَكْسَ
وَيَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُ الْقَافِيَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا سَلَبَ عَنْهُ اسْمَ الشِّعْرِ وجب
vol. 1, p. 59سَلْبُ الْقَافِيَةِ أَيْضًا عَنْهُ لِأَنَّهَا مِنْهُ وَخَاصَّةٌ بِهِ فِي الِاصْطِلَاحِ وَكَمَا يَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُ الْقَافِيَةِ في القرآن لا تطلق الْفَاصِلَةُ فِي الشِّعْرِ لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ
قِيلَ وَقَدْ يَقَعُ فِي الْقُرْآنِ الْإِيطَاءُ وَهُوَ لَيْسَ بِقَبِيحٍ فِيهِ إِنَّمَا يُقَبَّحُ فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {كأنهم لا يعلمون} ثُمَّ قَالَ فِي آخَرَيْنِ: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ثلاث فواصل متوالية يعلمون يُعَلِّمُونَ يُعَلِّمُونَ فَهَذَا لَا يُقَبَّحُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلًا وَاحِدًا
قِيلَ وَيَقَعُ فِيهِ التَّضْمِينُ وَلَيْسَ بقبيح إنما يقبح في الشعر ومنه سورتا الْفِيلِ وَقُرَيْشٍ فَإِنَّ اللَّامَ فِي: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} قيل إنها متعلقة {فجعلهم} فِي آخِرِ الْفِيلِ
وَحَكَى حَازِمٌ فِي مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ خِلَافًا غَرِيبًا فَقَالَ وَلِلنَّاسِ فِي الْكَلَامِ المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير تتقارب فِي الْكَمِّيَّةِ وَتَتَنَاسَبُ مَقَاطِعُهَا عَلَى ضَرْبٍ مِنْهَا أَوْ بِالنُّقْلَةِ مِنْ ضَرْبٍ وَاقِعٍ فِي ضَرْبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ إِلَى ضَرْبٍ آخَرَ مُزْدَوِجٍ فِي كل ضرب
vol. 1, p. 60ضَرْبٌ مِنْهَا أَوْ يَزِيدُ عَلَى الِازْدِوَاجِ وَمِنْ جِهَةِ مَا يَكُونُ غَيْرَ مُقَطَّعٍ إِلَى مَقَادِيرَ بقصد تناسب أَطْرَافِهَا وَتَقَارُبِ مَا بَيْنَهَا فِي كَمِّيَّةِ الْأَلْفَاظِ وَالْحُرُوفِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ:
-
مِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ تَقْطِيعَ الْكَلَامِ إِلَى مَقَادِيرَ مُتَنَاسِبَةِ الْأَطْرَافِ غَيْرِ مُتَقَارِبَةٍ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ إِلَّا مَا يَقَعُ بِهِ الْإِلْمَامُ فِي النَّادِرِ مِنَ الْكَلَامِ.
-
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّنَاسُبَ الْوَاقِعَ بِإِفْرَاغِ الْكَلَامِ فِي قَوَالِبِ التَّقْفِيَةِ وَتَحْلِيَتِهَا بِمُنَاسَبَاتِ الْمَقَاطِعِ أَكِيدٌ جِدًّا.
-
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْوَسَطُ أَنَّ السَّجْعَ لَمَّا كَانَ زِينَةً لِلْكَلَامِ فَقَدْ يَدْعُو إِلَى التكلف فرئي ألا يستعمل في الْكَلَامِ وَأَنْ لَا يُخْلَى الْكَلَامُ بِالْجُمْلَةِ مِنْهُ أَيْضًا وَلَكِنْ يُقْبَلُ مِنَ الْخَاطِرِ فِيهِ مَا اجتلبه عفوا بخلاف التكلف وهذا رأي أبي الفرج قدامة
قالحازم: وَكَيْفَ يُعَابُ السَّجْعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَسَالِيبِ الْفَصِيحِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فَوَرَدَتِ الْفَوَاصِلُ فِيهِ بِإِزَاءِ وُرُودِ الْأَسْجَاعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِئْ عَلَى أُسْلُوبٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ فِي الْكَلَامِ جَمِيعًا أَنْ يَكُونَ مُسْتَمِرًّا عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَلِمَا فِي الطَّبْعِ مِنَ الْمِلَلِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الِافْتِنَانَ فِي ضُرُوبِ الْفَصَاحَةِ أَعْلَى مِنَ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى ضَرْبٍ وَاحِدٍ فَلِهَذَا وَرَدَتْ بَعْضُ آيِ الْقُرْآنِ مُتَمَاثِلَةَ الْمَقَاطِعِ وَبَعْضُهَا غير متماثل
[إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل]
-
وَاعْلَمْ أَنَّ إِيقَاعَ الْمُنَاسَبَةِ فِي مَقَاطِعِ الْفَوَاصِلِ حيث تطرد متأكد جدا ومؤثر فِي اعْتِدَالِ نَسَقِ الْكَلَامِ وَحُسْنِ مَوْقِعِهِ مِنَ النَّفْسِ تَأْثِيرًا عَظِيمًا وَلِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ نَظْمِ الْكَلَامِ لِأَجْلِهَا فِي مَوَاضِعَ: .
- vol. 1, p. 61
أَحَدُهَا زِيَادَةُ حَرْفٍ لِأَجْلِهَا وَلِهَذَا أُلْحِقَتِ الْأَلِفُ بِـ (الظُّنُونِ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظنونا} لِأَنَّ مَقَاطِعَ فَوَاصِلِ هَذِهِ السُّورَةِ أَلِفَاتٌ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ تَنْوِينٍ فِي الْوَقْفِ فَزِيدَ عَلَى النُّونِ ألف لِتُسَاوِيَ الْمَقَاطِعَ وَتُنَاسِبَ نِهَايَاتِ الْفَوَاصِلِ وَمِثْلُهُ: {فَأَضَلُّونَا السبيلا} ، {وأطعنا الرسولا}
-
وَأَنْكَرَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ ذَلِكَ وَقَالَ لَمْ تُزَدِ الْأَلِفُ لِتَنَاسُبِ رُءُوسِ الْآيِ كَمَا قَالَ قَوْمٌ لِأَنَّ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وهو يهدي السبيل} وفيها: {فأضلونا السبيلا} . وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا رَأْسُ آيَةٍ وَثَبَتَتِ الْأَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى غَيْرِ تِلْكَ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَوْ كَانَ لِتَنَاسُبِ رُءُوسِ الآي لثبت من الجميع
قال: وَإِنَّمَا زِيدَتِ الْأَلِفُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْقِسْمَيْنِ وَاسْتِوَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى غَيْرِ تِلْكَ وَكَذَلِكَ لِحَاقُ هَاءِ السَّكْتِ في قوله: {ما هيه} فِي سُورَةِ الْقَارِعَةِ هَذِهِ الْهَاءُ عَدَّلَتْ مَقَاطِعَ الْفَوَاصِلِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَكَانَ لِلَحَاقِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ فِي الْفَصَاحَةِ
وَعَلَى هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ- يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ لِحَاقُ النون في المواضع التي قد تَكَلَّمُ فِي لِحَاقِ النُّونِ إِيَّاهَا نَحْوِ قَوْلِهِ تعالى: {وكل في فلك يسبحون} وقوله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} فَإِنَّ مِنْ مَآخِذِ الْفَصَاحَةِ وَمَذَاهِبِهَا أَنْ يَكُونَ وُرُودُ هَذِهِ النُّونِ فِي مَقَاطِعِ هَذِهِ الْأَنْحَاءِ لِلْآيِ رَاجِحَ الْأَصَالَةِ فِي الْفَصَاحَةِ لِتَكُونَ فَوَاصِلُ السُّوَرِ الْوَارِدِ فِيهَا ذَلِكَ قَدِ اسْتُوثِقَ فِيمَا قَبْلَ حُرُوفِهَا الْمُتَطَرِّفَةِ وُقُوعُ حَرْفَيِ الْمَدِّ وَاللِّينِ
vol. 1, p. 62وقوله تعالى: {وطور سينين} وَهُوَ طُورُ سَيْنَاءَ لِقَوْلِهِ: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طور سيناء} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يعلمون} كَرَّرَ لَعَلَّ مُرَاعَاةً لِفَوَاصِلِ الْآيِ إِذْ لَوْ جَاءَ عَلَى الْأَصْلِ لَقَالَ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ فَيَعْلَمُوا بِحَذْفِ النُّونِ عَلَى الْجَوَابِ
الثَّانِي: حَذْفُ هَمْزَةٍ أَوْ حَرْفٍ اطِّرَادًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {والليل إذا يسر}
-
الثَّالِثُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَجْرُورَاتِ وَبِذَلِكَ يُجَابُ عَنْ سُؤَالٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ لَا تَجِدُوا لكم علينا به تبيعا} فَإِنَّهُ قَدْ تَوَالَتِ الْمَجْرُورَاتُ بِالْأَحْرُفِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ اللام في: {لكم} والباء في {به} وعلى فِي {عَلَيْنَا} وَكَانَ الْأَحْسَنُ الْفَصْلَ
وَجَوَابُهُ أَنَّ تَأَخُّرَ {تَبِيعًا} وَتَرْكَ الْفَصْلِ أَرْجَحُ مِنْ أَنْ يُفْصَلَ بِهِ بَيْنَ بَعْضِ الرَّوَابِطِ وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ الَّتِي تَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ علينا به تبيعا} فَإِنَّ فَوَاصِلَهَا كُلَّهَا مَنْصُوبَةٌ مُنَوَّنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْلِهِ {تَبِيعًا} لِتَكُونَ نِهَايَةُ هَذِهِ الْآيَةِ مُنَاسِبَةً لِنِهَايَاتِ مَا قَبْلَهَا حَتَّى تَتَنَاسَقَ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ
الرَّابِعُ: تَأْخِيرُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُقَدَّمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَوْجَسَ فِي نفسه خيفة موسى} لأن أصل الكلام أَنْ يَتَّصِلَ الْفِعْلُ بِفَاعِلِهِ وَيُؤَخَّرَ الْمَفْعُولُ لَكِنْ أُخِّرَ الْفَاعِلُ وَهُوَ مُوسَى لِأَجْلِ رِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ
قُلْتُ لِلتَّأْخِيرِ حِكْمَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ النَّفْسَ تَتَشَوَّقُ لِفَاعِلِ أَوْجَسَ فَإِذَا جَاءَ بَعْدَ أَنْ أُخِّرَ وَقَعَ بِمَوْقِعٍ
vol. 1, p. 63وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وأجل مسمى} فَإِنَّ قَوْلَهُ {وَأَجَلٌ مُسَمًّى} مَعْطُوفٌ عَلَى {كَلِمَةٌ} وَلِهَذَا رُفِعَ وَالْمَعْنَى {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} فِي التَّأْخِيرِ {وَأَجَلٌ مُسَمًّى} لَكَانَ الْعَذَابُ لِزَامًا لَكِنَّهُ قَدَّمَ وَأَخَّرَ لِتَشْتَبِكَ رُءُوسُ الْآيِ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ
وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلَى الضَّمِيرِ فِي {لَكَانَ} أَيْ لَكَانَ الْأَجَلُ الْعَاجِلُ وَأَجَلٌ مُسَمًّى لَازِمَيْنِ لَهُ كَمَا كَانَا لَازِمَيْنِ لِعَادٍ وَثَمُودَ وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْأَجَلُ الْمُسَمَّى دُونَ الْأَجَلِ الْعَاجِلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَقَدْ جَاءَ آل فرعون النذر} فَأَخَّرَ الْفَاعِلَ لِأَجْلِ الْفَاصِلَةِ وَقَوْلُهُ: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفقون} أَخَّرَ الْفِعْلَ عَنِ الْمَفْعُولِ فِيهَا وَقَدَّمَهُ فِيمَا قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} لتوافق رءوس الْآيِ قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَدَّمَ الْمَفْعُولَ لِلِاخْتِصَاصِ
وَمِنْهُ تَأْخِيرُ الِاسْتِعَانَةِ عَنِ الْعِبَادَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {إِيَّاكَ نعبد وإياك نستعين} وَهِيَ قَبْلَ الْعِبَادَةِ وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ لِأَجْلِ فَوَاصِلِ السُّورَةِ فِي أَحَدِ الْأَجْوِبَةِ
الْخَامِسُ: إِفْرَادُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُجْمَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جنات ونهر} قَالَ الْفَرَّاءُ الْأَصْلُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّمَا وَحَّدَ لِأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ فَقَابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُءُوسَ
vol. 1, p. 64الْآيِ وَيُقَالُ النَّهْرُ الضِّيَاءُ وَالسَّعَةُ فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَابِ
وَقَوْلُهُ {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عضدا} قَالَ: ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ أَيْ أَعْضَادًا وَإِنَّمَا أَفْرَدَ لِيَعْدِلَ رُءُوسَ الْآيِ بِالْإِفْرَادِ وَالْعَضُدُ الْمُعِينُ
السَّادِسُ: جَمْعُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُفْرَدَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} فَإِنَّ الْمُرَادَ وَلَا خُلَّةٌ بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْأُخْرَى لَكِنْ جَمَعَهُ لِأَجْلِ مُنَاسَبَةِ رُءُوسِ الْآيِ
السَّابِعُ: تَثْنِيَةُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُفْرَدَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان}
قال: الفراء هَذَا بَابُ مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي تَثْنِيَةِ الْبُقْعَةِ الواحدة وجمعها كقوله ديار لَهَا بِالرَّقْمَتَيْنِ وَقَوْلِهِ بَطْنُ الْمَكَّتَيْنِ وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى نَوَاحِيهَا أَوْ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ لَهَا وَجْهَيْنِ وَأَنَّكَ إِذَا أَوْصَلْتَهَا وَنَظَرْتَ إِلَيْهَا يَمِينًا وَشِمَالًا رَأَيْتَ فِي كِلْتَا النَّاحِيَتَيْنِ مَا يَمْلَأُ عَيْنَكَ قُرَّةً وَصَدْرَكَ مَسَرَّةً
vol. 1, p. 65قَالَ وَإِنَّمَا ثَنَّاهُمَا لِأَجْلِ الْفَاصِلَةِ رِعَايَةً لِلَّتِي قَبْلَهَا وَالَّتِي بَعْدَهَا عَلَى هَذَا الْوَزْنِ وَالْقَوَافِي تحتمل في الزيادة والنقصان مالا يَحْتَمِلُهُ سَائِرُ الْكَلَامِ
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَيْهِ وَأَغْلَظَ وَقَالَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي رُءُوسِ الْآيِ زِيَادَةُ هَاءِ السَّكْتِ أَوِ الْأَلِفِ أَوْ حَذْفُ هَمْزَةٍ أَوْ حَرْفٍ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الله وعد جنتين فنجعلهما جَنَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ رُءُوسِ الْآيِ فَمَعَاذَ اللَّهِ وَكَيْفَ هَذَا وَهُوَ يَصِفُهَا بِصِفَاتِ الِاثْنَيْنِ قال: {ذواتا أفنان} ثم قال فيها {فيهما} وَلَوْ أَنَّ قَائِلًا قَالَ فِي خَزَنَةِ النَّارِ إِنَّهُمْ عِشْرُونَ وَإِنَّمَا جَعَلَهُمُ اللَّهُ تِسْعَةَ عَشَرَ لِرَأْسِ الْآيَةِ مَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَّا كقول الفراء
-
قلت وكأن الملجيء لِلْفَرَّاءِ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الجنة هي المأوى} وَعَكْسُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى} عَلَى أَنَّ هَذَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَإِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعُمُومِ خُصُوصًا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْفَرَّاءِ قوله: {ذواتا أفنان}
-
الثَّامِنُ: تَأْنِيثُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُذْكَرَ كَقَوْلِهِ تعالى {كلا إنه تذكرة} وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَيْهَا لِلْفَاصِلَةِ
التَّاسِعُ: كَقَوْلِهِ: {سَبِّحِ اسم ربك الأعلى} وقال فِي الْعَلَقِ: {اقْرَأْ بِاسْمِ
vol. 1, p. 66ربك الذي خلق} فزاد في الْأُولَى {الْأَعْلَى} وَزَادَ فِي الثَّانِيَةِ: {خَلَقَ} مُرَاعَاةً لِلْفَوَاصِلِ فِي السُّورَتَيْنِ وَهِيَ فِي سَبِّحْ {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} وَفِي الْعَلَقِ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ}
-
الْعَاشِرُ: صَرْفُ مَا أَصْلُهُ أَلَّا يَنْصَرِفَ كقوله تعالى: {قواريرا قواريرا} صَرَفَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ آخِرُ الْآيَةِ وَآخِرُ الثَّانِي بِالْأَلِفِ فَحَسُنَ جَعْلُهُ مَنَوَّنًا لِيُقْلَبَ تَنْوِينُهُ أَلِفًا فَيَتَنَاسَبُ مَعَ بَقِيَّةِ الْآيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {سَلَاسِلَا وأغلالا} فَإِنَّ {سَلَاسِلَا} لَمَّا نُظِمَ إِلَى {وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} صُرِفَ وَنُوِّنَ لِلتَّنَاسُبِ وَبَقِيَ قَوَارِيرَ الثَّانِي فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آخِرَ الْآيَةِ جَازَ صَرْفُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَّنَ قَوَارِيرًا الْأَوَّلَ نَاسَبَ أَنْ يُنَوَّنَ قَوَارِيرًا الثَّانِي لِيَتَنَاسَبَا وَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يُنَوِّنْ قَوَارِيرًا الثَّانِيَ إِلَّا مَنْ يُنَوِّنُ قَوَارِيرًا الْأَوَّلَ وَزَعَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ صَرْفَ مَا كَانَ جَمْعًا فِي الْقُرْآنِ لِيُنَاسِبَ رُءُوسَ الْآيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا} وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّ سَلَاسِلًا لَيْسَ رَأْسَ آيَةٍ وَلَا قَوَارِيرًا الثَّانِي وَإِنَّمَا صُرِفَ لِلتَّنَاسُبِ وَاجْتِمَاعِهِ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُنْصَرِفَاتِ فَيُرَدُّ إِلَى الأصل ليتناسب معهاونظيره فِي مُرَاعَاةِ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْأَفْصَحَ أَنْ يُقَالَ بَدَأَ ثُلَاثِيٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كَمَا بَدَأَكُمْ تعودون} وقال تعالى: {كيف بدأ الخلق} ثُمَّ قَالَ {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يعيده} فَجَاءَ بِهِ رُبَاعِيًّا فَصِيحًا لِمَا حَسَّنَهُ مِنَ التَّنَاسُبِ بِغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: {يُعِيدُهُ}
- vol. 1, p. 67
الْحَادِيَ عَشَرَ: إِمَالَةُ مَا أَصْلُهُ أَلَّا يُمَالَ كإمالة ألف {والضحى والليل إذا سجى} لِيُشَاكِلَ التَّلَفُّظُ بِهِمَا التَّلَفُّظَ بِمَا بَعْدَهُمَا
وَالْإِمَالَةُ أَنْ تَنْحُوَ بِالْأَلِفِ نَحْوَ الْيَاءِ وَالْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ مِنْهَا هُوَ التَّنَاسُبُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ الْإِمَالَةُ لِلْإِمَالَةِ وَقَدْ يُمَالُ لِكَوْنِهَا آخِرَ مُجَاوِرِ مَا أُمِيلَ آخِرُهُ كَأَلِفِ تَلَا فِي قَوْلِهِ تعالى {والقمر إذا تلاها} فَأُمِيلَتْ أَلِفُ تَلَاهَا لِيُشَاكِلَ اللَّفْظُ بِهَا اللَّفْظَ الَّذِي بَعْدَهَا مِمَّا أَلِفُهُ غَيْرُ يَاءٍ نَحْوِ {جلاها} و {غشاها}
-
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا جَعَلْتَ إِمَالَةَ {تَلَاهَا} لِمُنَاسَبَةِ ما قبلها أعني {ضحاها} قِيلَ لِأَنَّ أَلِفَ {ضُحَاهَا} عَنْ وَاوٍ وَإِنَّمَا أميل لمناسبة ما بعده
الثَّانِيَ عَشَرَ: الْعُدُولُ عَنْ صِيغَةِ الْمُضِيِّ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَفَرِيقًا قَتَلْتُمْ كَمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ فَقَالَ {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتأسرون فريقا} وذلك لأجل أنها هنا رأس آية
vol. 1, p. 68تفريعات
ختم مقاطع الفواصل بحروف المد واللين
ثُمَّ هُنَا تَفْرِيعَاتٌ
الْأَوَّلُ قَدْ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ خَتْمُ كَلِمَةِ الْمَقْطَعِ مِنَ الْفَاصِلَةِ بِحُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ وَإِلْحَاقِ النُّونِ وَحِكْمَتُهُ وُجُودُ التمكن من التطريب بذلكقال سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَمَّا إِذَا تَرَنَّمُوا فَإِنَّهُمْ يُلْحِقُونَ الْأَلِفَ وَالْوَاوَ وَالْيَاءَ مَا يُنَوَّنُ وَمَا لَا يُنَوَّنُ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا مَدَّ الصَّوْتِ
vol. 1, p. 69وَإِذَا أَنْشَدُوا وَلَمْ يَتَرَنَّمُوا فَأَهْلُ الْحِجَازِ يَدَعُونَ القوافي على حالها في الترنم وناس مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُبَدِّلُونَ مَكَانَ الْمَدَّةِ النُّونَ انْتَهَى
وَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى أَعْذَبِ مَقْطَعٍ وَأَسْهَلِ موقف
مبنى الفواصل على الوقف
الثَّانِي: إِنَّ مَبْنَى الْفَوَاصِلِ عَلَى الْوَقْفِ وَلِهَذَا شَاعَ مُقَابَلَةُ الْمَرْفُوعِ بِالْمَجْرُورِ وَبِالْعَكْسِ وَكَذَا الْمَفْتُوحُ وَالْمَنْصُوبُ غَيْرُ الْمَنَوَّنِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّا خلقناهم من طين
vol. 1, p. 70لازب} مع تقدم قوله {عذاب واصب} و {شهاب ثاقب} وكذا {بماء منهمر} و {قد قدر} وَكَذَا {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} مع {وينشئ السحاب الثقال}
-
وَعِبَارَةُ السَّكَّاكِيِّ قَدْ تُعْطِي اشْتِرَاطَ كَوْنِ السَّجْعِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِعْرَابِ لِمَا قَبْلَهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الْخَشَّابِ مُعْتَرِضًا عَلَى قَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي الْمَقَامَةِ التَّاسِعَةِ والعشرين:
يا صارفا عني المودة ... وَالزَّمَانُ لَهُ صُرُوفْ
وَمُعَنِّفِي فِي فَضْحِ مَنْ ... جاوزت تعنيف العسوف
لا تلحني فيما أتيت ... فَإِنَّنِي بِهِمُ عَرُوفْ
وَلَقَدْ نَزَلْتُ بِهِمْ فَلَمْ ... أرهم يراعون الضيوف
وبلوتهم فوجدتهم ... لما سبكتهمو زيوف
ألا ترى أنها إِذَا أَطْلَقْتَ ظَهَرَ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ مَرْفُوعَيْنِ وَالرَّابِعُ والخامس منصوبين
vol. 1, p. 71وَالثَّانِي مَجْرُورًا وَكَذَا بَاقِي الْقَصِيدَةِ
وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِمَا سَبَقَ وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلِمَةَ الْأَسْجَاعِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنْ تَكُونَ سَاكِنَةَ الْأَعْجَازِ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا لِأَنَّ الْغَرَضَ الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الْقَرَائِنِ وَالْمُزَاوَجَةُ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالْوَقْفِ وَلَوْ وُصِلَتْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِجْرَاءِ كُلِّ الْقَرَائِنِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ حُكْمُ الْإِعْرَابِ فَعَطَّلْتَ عَمَلَ السَّاجِعِ وَفَوَّتَّ غَرَضَهُمْ
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ يُخْرِجُونَ الْكَلِمَ عَنْ أَوْضَاعِهَا لِغَرَضِ الِازْدِوَاجِ فَيَقُولُونَ آتِيكَ بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا مَعَ أَنَّ فِيهِ ارْتِكَابًا لِمَا يُخَالِفُ اللُّغَةَ فَمَا ظَنُّكَ بِهِمْ في ذلك
vol. 1, p. 72المحافظة على الفواصل لحسن النظم والتئامه
الثَّالِثُ: ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ الْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا تَحْسُنُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْفَوَاصِلِ لِمُجَرَّدِهَا إِلَّا مَعَ بَقَاءِ الْمَعَانِي عَلَى سَدَادِهَا عَلَى النَّهْجِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ النَّظْمِ وَالْتِئَامِهِ كَمَا لَا يحسن تخير الألفاظ المونقة في السمع السلسلة عَلَى اللِّسَانِ إِلَّا مَعَ مَجِيئِهَا مُنْقَادَةً لِلْمَعَانِي الصحيحة المنتظمة فأما أن تهمل المعاني ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤاده عَلَى بَالٍ فَلَيْسَ مِنَ الْبَلَاغَةِ فِي فَتِيلٍ أو نقير ومع ذلك يكون قوله {وبالآخرة هم يوقنون} وَقَوْلُهُ {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} لَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَرْكُ رِعَايَةِ التَّنَاسُبِ فِي الْعَطْفِ بَيْنَ الْجُمَلِ الْفِعْلِيَّةِ إِيثَارًا لِلْفَاصِلَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَفْظِيٌّ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَإِنَّمَا عُدِلَ إِلَى هَذَا لقصد الاختصاص
تقسيم الفواصل باعتبار المتماثل والمتقارب في الحروف
الرَّابِعُ: أَنَّ الْفَوَاصِلَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا تَمَاثَلَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ وَهَذَا يَكُونُ فِي السَّجْعِ وَإِلَى مَا تَقَارَبَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ وَلَمْ تَتَمَاثَلْ وَهَذَا لَا يَكُونُ سَجْعًا وَلَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَعْنِي الْمُتَمَاثِلَ والمتقارب من أن يَأْتِي طَوْعًا سَهْلًا تَابِعًا لِلْمَعَانِي أَوْ مُتَكَلَّفًا يَتْبَعُهُ الْمَعْنَى
فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْمُودُ الدَّالُّ عَلَى الثَّقَافَةِ وَحُسْنِ الْبَيَانِ وَالثَّانِي هُوَ الْمَذْمُومُ فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ إِلَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ لِعُلُوِّهِ فِي الْفَصَاحَةِ
وَقَدْ وَرَدَتْ فَوَاصِلُهُ متماثلة ومتقاربة
vol. 1, p. 73مِثَالُ الْمُتَمَاثِلَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ}
-
وَقَوْلُهُ تَعَالَى {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى}
-
وَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا}
-
وَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والليل إذا يسر} إِلَى آخِرِهِ وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مَنْ {يَسْرِ} طَلَبًا لِلْمُوَافَقَةِ فِي الْفَوَاصِلِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانشق الْقَمَرِ} وَجَمِيعُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى الِازْدِوَاجِ،
وَقَوْلُهُ تعالى: {فلا أقسم بالخنس الجوار الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}
- vol. 1, p. 74
وَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طبق} وَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فلا تنهر}
-
وقوله تعالى {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها}
-
وَقَوْلُهُ تَعَالَى {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وإن لك لأجرا غير ممنون}
-
وَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الغي ثم لا يقصرون}
-
وَقَوْلُهُ تَعَالَى {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ من راق} الآية
وقوله تعالى {لنخرجنك يا شعيب وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في ملتنا}
-
وَمِثَالُ الْمُتَقَارِبِ فِي الْحُرُوفِ قَوْلُهُ تَعَالَى {الرَّحْمَنِ الرحيم مالك يوم الدين}
-
وَقَوْلُهُ تَعَالَى {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ
vol. 1, p. 75الكافرون هذا شيء عجيب}
-
وَهَذَا لَا يُسَمَّى سَجْعًا قَطْعًا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِإِطْلَاقِ السَّجْعِ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ السَّجْعَ مَا تَمَاثَلَتْ حُرُوفُهُ
إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ فَوَاصِلَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ بَلْ تَنْحَصِرُ فِي الْمُتَمَاثِلَةِ وَالْمُتَقَارِبَةِ وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَدِّ الْفَاتِحَةِ سَبْعِ آيَاتٍ مَعَ الْبَسْمَلَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ الْمُثْبِتَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ قال: {صراط الذين} إلخ السورة آية وَاحِدَةٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمَّا أَسْقَطَ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آيَةٌ وَ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} آيَةٌ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ فَاصِلَةَ قَوْلِهِ: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لَا تُشَابِهَ فَاصِلَةَ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَرِعَايَةُ التَّشَابُهِ فِي الْفَوَاصِلِ لَازِمٌ وَقَوْلُهُ: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لَيْسَ مِنَ الْقِسْمَيْنِ فَامْتَنَعَ جَعْلُهُ مِنَ الْمَقَاطِعِ وَقَدِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيات لكن الخلاف في كيفية العدد
[تقسيم الفواصل باعتبار المتوازي والمتوازن والمطرف]
-
الخامس: قسم البديعيون السجع والفواصل أَيْضًا إِلَى مُتَوَازٍ وَمُطَرَّفٍ [وَمُتَوَازِنٍ]
-
وَأَشْرَفُهَا الْمُتَوَازِي وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ الْكَلِمَتَانِ فِي الْوَزْنِ وَحُرُوفِ السَّجْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ موضوعة} وَقَوْلِهِ: {وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ}
- vol. 1, p. 76
وَالْمُطَرَّفُ أَنْ يَتَّفِقَا فِي حُرُوفِ السَّجْعِ لَا فِي الْوَزْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا لَكُمْ لَا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا}
-
وَالْمُتَوَازِنُ أَنْ يُرَاعَى فِي مَقَاطِعِ الْكَلَامِ الْوَزْنُ فَقَطْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}
-
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ المستقيم}
-
فلفظ الكتاب والصراط متوازنان ولفظ المستبين والمستقيم مُتَوَازِنَانِ
وَقَوْلِهِ {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وتكون الجبال كالعهن}
-
وَقَوْلِهِ تَعَالَى {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى}
-
وَقَوْلِهِ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} إِلَى آخِرِهَا
وَقَوْلِهِ {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قلى. . . . .} إلى آخرها
وقد تكرر في سورة حمعسق فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ من بعد
vol. 1, p. 77ما استجيب له} إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ السَّبْعِ فَجَمَعَ فِي فَوَاصِلِهَا بين شديد وقريب وبعيد وعزيز ونصيب وأليم وكبير عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ وَفِي الْمُفَصَّلِ خَاصَّةً فِي قِصَارِهِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ بَدَلَهُ التَّرْصِيعَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ مِنَ الْفِقْرَتَيْنِ مُؤَلَّفًا مِنْ كَلِمَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالثَّانِي مُؤَلَّفًا مِنْ مِثْلِهَا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: وَهِيَ الوزن والتقفية وتقابل الْقَرَائِنِ قِيلَ وَلَمْ يَجِئْ هَذَا الْقِسْمُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ
وَزَعَمَ بَعْضِهِمْ أَنَّ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى {إِنَّ الْأَبْرَارَ لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} وليس كذلك لورود لفظة إن ولفي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِشَرْطِ التَّرْصِيعِ إِذْ شَرَطُهُ اخْتِلَافُ الْكَلِمَاتِ فِي الشَّطْرَيْنِ جَمِيعًا
وَقَالَ: بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ مِنْ نوع الترصيع وتتبع آخر آيها يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهَا مُوَازَنَةً
قَالُوا وَأَحْسَنُ السَّجْعِ مَا تَسَاوَتْ قَرَائِنُهُ لِيَكُونَ شَبِيهًا بِالشِّعْرِ فَإِنَّ أَبْيَاتَهُ مُتَسَاوِيَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي سِدْرٍ مخضود وطلح منضود وظل ممدود} وَعِلَّتُهُ أَنَّ السَّمْعَ أَلِفَ الِانْتِهَاءَ إِلَى غَايَةٍ في الخفة بالأولى فإذا زيد عليها ثَقُلَ عَنْهُ الزَّائِدُ لِأَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ وُصُولِهَا إِلَى مِقْدَارِ الْأَوَّلِ كَمَنْ تَوَقَّعَ الظَّفَرَ بِمَقْصُودِهِ
ثم ما طَالَتْ قَرِينَتُهُ الثَّانِيَةُ كَقَوْلِهِ {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ما ضل صاحبكم وما غوى} أَوِ الثَّالِثَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ
vol. 1, p. 78ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه}
-
وَهُوَ إِمَّا قَصِيرٌ كَقَوْلِهِ {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عصفا}
-
أَوْ طَوِيلٌ كَقَوْلِهِ: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}
-
أَوْ مُتَوَسِّطٌ كَقَوْلِهِ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ}
-
ائتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام
السَّادِسُ: اعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ فِيهَا إِيقَاعُ الْمُنَاسَبَةِ مَقَاطِعُ الْكَلَامِ وَأَوَاخِرُهُ وَإِيقَاعُ الشَّيْءِ فِيهَا بِمَا يُشَاكِلُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُنَاسِبَةً لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَإِلَّا خَرَجَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَنْ بَعْضٍ.