تابع النوع السادس والأربعون
2,922 paragraphs · vol. 3, p. 3
Page 42 of 74
- vol. 3, p. 258
وَقَوْلِهِ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الجان من مارج من نار} .
-
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْجِنِّ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: {يا معشر الجن والإنس} فَلِأَنَّهُمْ أَقْدَمُ فِي الْخَلْقِ فَيَكُونُ مِنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ - أَعْنِي التَّقْدِيمَ بِالزَّمَانِ - وَلِهَذَا لَمَّا أَخَّرَ في آية الحجر صرح بالقبلية بذكر الْإِنْسَانِ ثُمَّ قَالَ: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ} .
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَمْثِلَةِ السَّالِفَةِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْأَعْجَبِ لِأَنَّ خَلْقَهَا أَغْرَبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي على أربع} .
-
أَوْ لِأَنَّهُمْ أَقْوَى أَجْسَامًا وَأَعْظَمُ أَقْدَامًا وَلِهَذَا قدموا في: {يا معشر الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أقطار السماوات والأرض} وَفِي: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ والطير} .
-
وَمِنْهُ تَقْدِيمُ السُّجَّدِ عَلَى الرَّاكِعِينَ فِي قَوْلِهِ: {واسجدي واركعي مع الراكعين} وَسَبَقَ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ.
-
وَمِنْهُ تَقْدِيمُ الْخَيْلِ عَلَى الْبِغَالِ وَالْبِغَالِ عَلَى الْحَمِيرِ فِي قَوْلِهِ تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} .
-
وَمِنْهُ تَقْدِيمُ الذَّهَبِ عَلَى الْفِضَّةِ فِي قَوْلِهِ: {والذين يكنزون الذهب والفضة} .
- vol. 3, p. 259
فإن قلت: فهل يجوز أَنْ يَكُونَ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ؟.
قلت: هيهات الذهب أيضا مؤنت وَلِهَذَا يُصَغَّرُ عَلَى ذُهَيْبَةٍ كَـ "قَدَمٍ" .
-
وَمِنْهُ تَقْدِيمُ الصُّوفِ فِي قَوْلِهِ: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وأشعارها} وَلِهَذَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ عَلَى اخْتِيَارِ لُبْسِ الصُّوفِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَابِسِ وَأَنَّهُ شعار الملائكة في قوله: {مسومين} قيل: سيماهم يؤمئذ الصُّوفُ. وَعَنْ عَلِيٍّ: الصُّوفُ الْأَبْيَضُ رَوَاهُ أَبُو نعيم في مَدْحِ الصُّوفِ وَقَالَ: إِنَّهُ شِعَارُ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ ابن مسعود: " كانت الأنبياء قَبْلَكُمْ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ " وَفِي الصَّحِيحِ فِي مُوسَى عليه السلام: " عليه عباءة " .
-
منه تَقْدِيمُ الشَّمْسِ عَلَى الْقَمَرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {والشمس والقمر} وقوله: {وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا} وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نورا} ، وَالْحُكَمَاءُ يَقُولُونَ: إِنَّ نُورَ الْقَمَرِ مُسْتَمَدٌّ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا مُفْرَدًا بِالْحُسْنِ وَالشَّكْلِ مَنْ دَلَّ عَيْنَيْكَ عَلَى قَتْلِي
الْبَدْرُ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى نُورُهُ وَالشَّمْسُ مِنْ نُورِكَ تَسْتَمْلِي
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ مُنَاسَبَةَ رُءُوسِ الْآيِ أَوْ أَنَّ انتفاع أهل السموات بِهِ أَكْثَرُ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ يُقَالُ إِنَّ القمر وجهه يضيء لأهل الشمس.
- vol. 3, p. 260
وَظَهْرُهُ إِلَى الْأَرْضِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فِيهِنَّ} لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ نُورِهِ يُضِيءُ إِلَى أَهْلِ السماء.
-
الثامن: الغلبة والكثرة.
-
كقوله تعالى: {منهم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بإذن الله} قَدَّمَ الظَّالِمَ لِكَثْرَتِهِ ثُمَّ الْمُقْتَصِدَ ثُمَّ السَّابِقَ.
-
وقوله: {فمنهم شقي وسعيد} {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخرة} .
-
{الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين} .
-
وَجَعَلَ مِنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} يعني بدليل قوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} وَحَدِيثِ بَعْثِ النَّارِ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَأَمَّا الَّذِينَ كفروا فأعذبهم عذابا شديدا} قُدِّمَ ذِكْرُ الْعَذَابِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ مَعَ الْيَهُودِ الذين كفروا بعيسى وراموا قتله.
-
وَجُعِلَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ والسارقة} لِأَنَّ السَّرِقَةَ فِي الذُّكُورِ أَكْثَرُ.
-
وَقَدَّمَ فِي الزنى المرأة في قوله: {الزانية والزاني} لأن الزنى فِيهِنَّ أَكْثَرُ وَأَمَّا قَوْلُهُ:.
- vol. 3, p. 261
{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} .
فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سِيقَتِ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا لِعُقُوبَتِهِمَا عَلَى مَا جَنَيَا وَالْمَرْأَةُ هِيَ الْمَادَّةُ الَّتِي نشأت منها الخيانة لأنها لو لم تطمع الرجل [ولم تومض له] وَتُمَكِّنْهُ لَمْ يَطْمَعْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ فَلَمَّا كَانَتْ أَصْلًا وَأَوَّلًا فِي ذَلِكَ بَدَأَ بِذِكْرِهَا وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَمَسُوقَةٌ لِذِكْرِ النِّكَاحِ وَالرَّجُلُ أَصْلٌ [فِيهِ] لأنه هو الراغب والخاطب يَبْدَأُ الطَّلَبُ.
-
وَمِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويحفظوا فروجهم} ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّمَ غَضَّ الْبَصَرِ لِأَنَّ النَّظَرَ يريد الزنى وَرَائِدُ الْفُجُورِ وَالْبَلْوَى بِهِ أَشَدُّ وَأَكْثَرُ وَلَا يَكَادُ يُقْدَرُ عَلَى الِاحْتِرَاسِ مِنْهُ.
-
وَمِنْهُ تَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ عَلَى الْعَذَابِ، حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ وَلِهَذَا وَرَدَ: " إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي " .
-
وَأَمَّا تَقْدِيمُ التَّعْذِيبِ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ فللسياق.
-
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لكم} قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَمَالِيهِ: إِنَّمَا قُدِّمَ الْأَزْوَاجُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ أَنَّ فِيهِمْ أَعْدَاءً وَوُقُوعُ ذَلِكَ فِي الْأَزْوَاجِ أَقْعَدُ مِنْهُ فِي الْأَوْلَادِ فَكَانَ أَقْعَدَ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ فَقُدِّمَ وَلِذَلِكَ قُدِّمَتِ الْأَمْوَالُ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وأولادكم فتنة} لِأَنَّ الْأَمْوَالَ لَا تَكَادُ تُفَارِقُهَا الْفِتْنَةُ: {إِنَّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} {مرنا مترفيها ففسقوا فيها} ، وَلَيْسَتِ الْأَوْلَادُ فِي اسْتِلْزَامِ الْفِتْنَةِ مِثْلَهَا وَكَانَ تقدمها أولى.
- vol. 3, p. 262
التَّاسِعُ: سَبْقُ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُ.
-
وَهُوَ دَلَالَةُ السِّيَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تريحون وحين تسرحون} لَمَّا كَانَ إِسْرَاحُهَا وَهِيَ خِمَاصٌ وَإِرَاحَتُهَا وَهِيَ بِطَانٌ قَدَّمَ الْإِرَاحَةَ لِأَنَّ الْجَمَالَ بِهَا حِينَئِذٍ أفخر.
-
وقوله: {وجعلناها وابنها آية للعالمين} لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِ مَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ: {والتي أحصنت فرجها} وَلِذَلِكَ قَدَّمَ الِابْنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} وَقَوْلُهُ: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} فَإِنَّهُ قَدَّمَ الْحُكْمَ مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ لَا بُدَّ مِنْ سَبْقِهِ لِلْحُكْمِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ السِّيَاقُ فِي الْحُكْمِ قَدَّمَهُ قَالَ تَعَالَى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} ، ويحتمل أن الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْحِكْمَةَ وَبِهَا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتيناه حكما وعلما} وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْحَكِيمِ عَلَى الْعَلِيمِ فِي سُورَةِ الانعامفلأنه مَقَامُ تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ وَأَمَّا فِي أَوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ فَقَدَّمَ الْعَلِيمَ عَلَى الْحَكِيمِ لِقَوْلِهِ فِي آخرها: {وعلمتني من تأويل الأحاديث} .
- vol. 3, p. 263
وَمِنْهُ تَقْدِيمُ الْمَحْوِ عَلَى الْإِثْبَاتِ فِي قَوْلِهِ: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} فإن قبله: {لكل أجل كتاب} وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْمَحْوُ أَقَلُّ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا سِيَّمَا على قراءة تشديد يُثَبِّتُ فَإِنَّهَا نَاصَّةٌ عَلَى الْكَثْرَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِمْرَارُ لَا الِاسْتِئْنَافُ.
-
وَقَوْلُهُ: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ ويحق الحق بكلماته} .
-
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قبلك وجعلنا لهم أزواجا} ، قَدَّمَ "رُسُلًا" هُنَا عَلَى "مِنْ قَبْلِكَ" وَفِي غَيْرِ هَذِهِ بِالْعَكْسِ لِأَنَّ السِّيَاقَ هُنَا فِي الرُّسُلِ.
-
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} قَدَّمَ الْقَبْضَ لِأَنَّ قَبْلَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كثيرة وَكَانَ هَذَا بَسْطًا فَلَا يُنَاسِبُ تِلَاوَةَ الْبَسْطِ فَقَدَّمَ الْقَبْضَ لِهَذَا وَلِلتَّرْغِيبِ فِي الْإِنْفَاقِ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْهُ سَبَبُهُ خَوْفُ الْقِلَّةِ فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا لَا يُنْجِيهِ فَإِنَّ الْقَبْضَ مُقَدَّرٌ وَلَا بد.
-
العاشر: مراعاة اشتقاق اللفظ.
-
كقوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} .
-
{علمت نفس ما قدمت وأخرت} .
-
{ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} .
- vol. 3, p. 264
{قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يوم معلوم} .
-
{ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} .
-
{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} .
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ ساعة ولا يستقدمون} فَقُدِّمَ نَفْيُ التَّأْخِيرِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ وإنما ذكر التقدم مع عدم إمكان التقدم نَفْيًا لِأَطْرَافِ الْكَلَامِ كُلِّهِ.
-
وَكَقَوْلِهِ: {إِنَّهُ هُوَ يبدئ ويعيد} .