تابع النوع السادس والأربعون

2,922 paragraphs · vol. 3, p. 3

Page 6 of 74

  1. الْقِسْمُ الثَّامِنَ عَشَرَ: الْقَسَمُ

    وَهُوَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ جُمْلَةٌ يُؤَكَّدُ بِهَا الْخَبَرُ، حَتَّى إِنَّهُمْ جَعَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} قَسَمًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِخْبَارٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ تَوْكِيدًا لِلْخَبَرِ سُمِّيَ قَسَمًا.

    vol. 3, p. 40
  2. وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِاسْمِ مُعَظَّمٍ كَقَوْلِهِ: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ والأرض إنه لحق} .

  3. وقوله: {قل إي وربي إنه لحق} .

  4. وقوله: {قل بلى وربي لتبعثن} .

  5. وقوله: {فوربك لنحشرنهم والشياطين} .

  6. وقوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين} .

  7. وقوله: {فلا وربك لا يؤمنون} .

  8. وقوله: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} .

  9. فَهَذِهِ سَبْعَةُ مَوَاضِعَ أَقْسَمَ اللَّهُ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَالْبَاقِي كُلُّهُ أَقْسَمَ بِمَخْلُوقَاتِهِ.

  10. كقوله: {والتين والزيتون} .

    vol. 3, p. 41
  11. {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تعلمون عظيم} .

  12. {فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس} .

  13. وَإِنَّمَا يَحْسُنُ فِي مَقَامِ الْإِنْكَارِ.

  14. فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى الْقَسَمِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ؟ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لِأَجْلِ الْمُؤْمِنِ فَالْمُؤْمِنُ يُصَدِّقُ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ، وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ الْكَافِرِ فَلَا يُفِيدُهُ.

  15. فَالْجَوَابُ: قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: إِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْقَسَمَ لِكَمَالِ الْحُجَّةِ وَتَأْكِيدِهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ يُفْصَلُ بِاثْنَيْنِ: إِمَّا بِالشَّهَادَةِ وَإِمَّا بِالْقَسَمِ، فذكر تعالى النوعين حتى يبقى لهم حجة.

  16. وقوله: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} وَعَنْ بَعْضِ الْأَعْرَابِ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السماء والأرض إنه لحق} صَاحَ وَقَالَ: مَنِ الَّذِي أَغْضَبَ الْجَلِيلَ حَتَّى أَلْجَأَهُ إِلَى الْيَمِينِ؟ قَالَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ.

  17. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَقْسَمَ بِمَخْلُوقَاتِهِ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَلَيْنَا أَلَّا نُقْسِمَ بِمَخْلُوقٍ؟ قِيلَ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:.

  18. أَحَدُهَا: أَنَّهُ حُذِفَ مُضَافٌ أَيْ ورب الفجر ورب التِّينِ وَكَذَلِكَ الْبَاقِي.

  19. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُعَظِّمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَتُقْسِمُ بِهَا فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ.

  20. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْأَقْسَامَ إِنَّمَا تَجِبُ بِأَنْ يُقْسِمَ الرَّجُلُ بِمَا يُعَظِّمُهُ أَوْ بِمَنْ يُجِلُّهُ وَهُوَ فَوْقَهُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ شَيْءٌ فَوْقَهُ فَأَقْسَمَ تَارَةً بِنَفْسِهِ وَتَارَةً بِمَصْنُوعَاتِهِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى بارىء وَصَانِعٍ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ خَالَوَيْهِ.

    vol. 3, p. 42
  21. وَقَسَمُهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم في قوله: {لعمرك} لِيَعْرِفَ النَّاسُ عَظَمَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَكَانَتَهُ لَدَيْهِ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: فِي [كَنْزِ اليواقيت] : والقسم بالشيء لايخرج عن وجهين: إما لفضيلة أو لمنعفة، فَالْفَضِيلَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الأمين} والمنفعة نحو: {والتين والزيتون} .

  22. وأقسم سبحانه بثلاثة أشياء: .

  23. أحداها: بذاته، كقوله تعالى: {فورب السماء والأرض} . {فوربك لنسألنهم أجمعين} .

  24. وَالثَّانِي: بِفِعْلِهِ، نَحْوَ: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا. وَالْأَرْضِ وما طحاها. ونفس وما سواها} .

  25. والثالث: مفعوله، نحو: {والنجم إذا هوى} . {والطور وكتاب. مسطور} .

  26. وَهُوَ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إِلَى مُظْهَرٍ وَمُضْمَرٍ:

    فالمظهر: كقوله تعالى: {فورب السماء والأرض} ونحوه

    vol. 3, p. 43وَالْمُضْمَرُ: عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ لَامُ القسم، كقوله: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} وَقِسْمٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ منكم إلا واردها} تقديره: [والله] .

  27. وقد أقسم تعالى بطوائف الْمَلَائِكَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الصَّافَّاتِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَالنَّازِعَاتِ.

  28. فَوَائِدٌ.

  29. الْأُولَى: أَكْثَرُ الْأَقْسَامِ الْمَحْذُوفَةُ الْفِعْلِ فِي الْقُرْآنِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْوَاوِ فَإِذَا ذُكِرَتِ الْبَاءُ أُتِيَ بِالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جهد أيمانهم} {يحلفون بالله} . ولا تجيء الباء والفعل محذوف إلا قليلا وعليه حمل بعضهم قوله: {يا بني

    vol. 3, p. 44لا تشرك بالله} وَقَالَ: الْبَاءُ بَاءُ الْقَسَمِ، وَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ [تُشْرِكْ] وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ} ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: {بِاللَّهِ} لَا تُشْرِكْ وَحَذَفَ {لَا تُشْرِكْ} لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {ادع لنا ربك بما عهد عندك} قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: [بِمَا عَهِدَ] قَسَمٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ سُؤَالٌ لَا قَسَمٌ.

  30. وَقَوْلُهُ: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لي بحق إن كنت قلته} فتقف على [لي] وتبتدىء بِحَقٍّ فَتَجْعَلُهُ قَسَمًا.

  31. هَذَا مَعَ قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ: إن الواو فرع الباء، لَكِنَّهُ قَدْ يَكْثُرُ الْفَرْعُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَيَقِلُّ الْأَصْلُ.

  32. الثَّانِيَةُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْقَسَمَ إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِتَوْكِيدِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَتَارَةً يَزِيدُونَ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّوْكِيدِ وَتَارَةً يَحْذِفُونَ مِنْهُ لِلِاخْتِصَارِ وَلِلْعِلْمِ بِالْمَحْذُوفِ.

  33. فَمَا زَادُوهُ لَفْظُ [إِي] بِمَعْنَى [نَعَمْ] كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِي وَرَبِّي}

  34. وَمِمَّا يَحْذِفُونَهُ فِعْلُ الْقَسَمِ وَحَرْفُ الْجَرِّ وَيَكُونُ الْجَوَابُ مَذْكُورًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رسول الله} أي [والله] .

  35. وقوله: {لأقطعن أيديكم} {لنسفعا بالناصية} {ليسجنن وليكونا من الصاغرين} .

  36. وَقَدْ يَحْذِفُونَ الْجَوَابَ وَيُبْقُونَ الْقَسَمَ لِلْعِلْمِ بِهِ كقوله تعالى: {ص والقرآن

    vol. 3, p. 45ذي الذكر} عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْجَوَابَ حُذِفَ لِطُولِ الْكَلَامِ وَتَقْدِيرُهُ: "لَأُعَذِّبَنَّهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ" .

  37. وَقِيلَ: الْجَوَابُ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ.

  38. وَمِمَّا حُذِفَ فِيهِ الْمُقْسَمُ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله} أَيْ نَحْلِفُ إِنَّكَ لِرَسُولُ اللَّهِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بمعنى اليمين بدليل قوله: {أيمانهم جنة}

  39. وأما قوله تعالى: {فالحق والحق أقول} ، فَالْأَوَّلُ قَسَمٌ بِمَنْزِلَةِ، [وَالْحَقِّ] وَجَوَابُهُ: [لَأَمْلَأَنَّ] ، وَقَوْلُهُ: {والحق أقول} تَوْكِيدٌ لِلْقَسَمِ.

  40. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} ، ثم قال: {قتل أصحاب الأخدود} قَالُوا: وَهُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ وَأَصْلُهُ: [لَقَدْ قُتِلَ] ثُمَّ حُذِفَ اللَّامُ وَقَدْ.