النوع الثاث عشر: في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة رضي الله عنهم
6 paragraphs · vol. 1, p. 233
- vol. 1, p. 233
...
-
النوع الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي بَيَانِ جَمْعِهِ وَمَنْ حَفِظَهُ من الصحابة رضي الله عنهم
جمع القرآن على عهد أبي بكر
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عِنْدَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِيَوْمِ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَقَدْ رَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا أَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ وَاجْمَعْهُ قال زيد فو الله لوكلفني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ
vol. 1, p. 234الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ التَّوْبَةِ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ} مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى قُبِضَ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ
وَفِي رِوَايَةٍ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ سُمِعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ فُقِدَتْ آيَةٌ مِنَ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهدوا الله عليه} فألحقناها في سورتها وخزبمة الْأَنْصَارِيُّ شَهَادَتُهُ بِشَهَادَتَيْنِ
وَقَوْلُ زِيدٍ لَمْ أَجِدْهَا إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ لَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ قَدْ سَمِعَهَا وَعَلِمَ مَوْضِعَهَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ثُمَّ نَسِيَهَا فَلَمَّا سَمِعَ ذَكَرَهُ وَتَتَبُّعُهُ لِلرِّجَالِ كَانَ لِلِاسْتِظْهَارِ لَا لِاسْتِحْدَاثِ الْعِلْمِ وَسَيَأْتِي أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا اشْتَهَرُوا بِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ غَيْرَهُمْ حَفِظَهُ وَثَبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَجْمُوعُهُ مَحْفُوظٌ كُلُّهُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ أَيَّامَ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَلَّفًا عَلَى هَذَا التَّأْلِيفِ إِلَّا سُورَةَ بَرَاءَةَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قُلْتُ لِعُثْمَانَ مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ عُثْمَانُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُهُ فَقَالَ ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ
vol. 1, p. 235الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثُمَّ كَتَبْتُ فَثَبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ عَلَى هَذَا التَّأْلِيفِ وَالْجَمْعِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا تَرَكَ جَمْعَهُ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ النَّسْخَ كَانَ يَرِدُ عَلَى بَعْضٍ فَلَوْ جَمَعَهُ ثُمَّ رُفِعَتْ تِلَاوَةُ بَعْضٍ لَأَدَّى إِلَى الِاخْتِلَافِ وَاخْتِلَاطِ الدِّينِ فَحَفِظَهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ إِلَى انْقِضَاءِ زَمَانِ النَّسْخِ ثُمَّ وُفِّقَ لِجَمْعِهِ الخلفاء الراشدين
-
نسخ القرآن في المصاحف
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْمَصَاحِفَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّاهُ بَلْ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهَا فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ الصِّدِّيقُ ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانُ حِينَ خَافَ الِاخْتِلَافَ فِي الْقِرَاءَةِ بِتَحْوِيلِهِ مِنْهَا إِلَى الْمَصَاحِفِ هَكَذَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ
قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ التَّأْلِيفَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّ الْجَمْعَ فِي الْمُصْحَفِ كَانَ فِي زمن أبي بكر وَالنَّسْخُ فِي الْمَصَاحِفِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَكَانَ مَا يَجْمَعُونَ وَيَنْسَخُونَ مَعْلُومًا لَهُمْ بِمَا كَانَ مُثْبَتًا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِمَشُورَةِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَارْتَضَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَحُمِدَ أَثَرُهُ فِيهِ
وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الَّذِي اسْتَبَدَّ بِهِ عُثْمَانُ جَمْعُ النَّاسِ عَلَى قِرَاءَةٍ مَحْصُورَةٍ وَالْمَنْعُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الِانْتِصَارِ لَمْ يَقْصِدْ عُثْمَانُ قَصْدَ أَبِي بَكْرٍ فِي جَمْعِ نَفْسِ الْقُرْآنِ بَيْنَ لَوْحَيْنِ وَإِنَّمَا قَصَدَ جَمْعَهُمْ عَلَى الْقِرَاءَاتِ الثَّابِتَةِ الْمَعْرُوفَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلْغَاءَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَخْذَهُمْ بِمُصْحَفٍ لَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ وَلَا تَأْوِيلَ أُثْبِتَ
vol. 1, p. 236مَعَ تَنْزِيلٍ وَمَنْسُوخُ تِلَاوَتِهِ كُتِبَ مَعَ مُثْبَتِ رَسْمِهِ وَمَفْرُوضِ قِرَاءَتِهِ وَحِفْظِهِ خَشْيَةَ دُخُولِ الْفَسَادِ وَالشُّبْهَةِ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدُ انْتَهَى
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القراء وقال حذيفة لِعُثْمَانَ أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا في الكتاب اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا الصُّحُفَ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا إِلَيْهِ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ قَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ فِي كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ
وَفِي هَذِهِ إِثْبَاتٌ ظَاهِرٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ جَمَعُوا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ وَالَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى جَمْعِهِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ مُفَرَّقًا فِي الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ فَخَافُوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته وَكَتَبُوهُ كَمَا سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ قَدَّمُوا شَيْئًا أَوْ أَخَّرُوا وَهَذَا التَّرْتِيبُ كَانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْقِيفٍ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَقِبَ تِلْكَ الْآيَةِ فَثَبَتَ أَنَّ سَعْيَ الصَّحَابَةِ فِي جَمْعِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَا فِي تَرْتِيبٍ فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ فِي مَصَاحِفِنَا الْآنَ أَنْزَلَهُ اللَّهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا
vol. 1, p. 237كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أنزل فيه القرآن} وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ثُمَّ كَانَ يَنْزِلُ مُفَرَّقًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}
-
فَتَرْتِيبُ النُّزُولِ غَيْرُ تَرْتِيبِ التِّلَاوَةِ وَكَانَ هَذَا الِاتِّفَاقُ مِنَ الصَّحَابَةِ سَبَبًا لِبَقَاءِ الْقُرْآنِ فِي الْأُمَّةِ وَرَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَتَسْهِيلًا وَتَحْقِيقًا لِوَعْدِهِ بِحِفْظِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وَزَالَ بِذَلِكَ الِاخْتِلَافُ وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: كَانَتْ قِرَاءَةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاحِدَةً كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقِرَاءَةَ الْعَامَّةَ وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ وَكَانَ زَيْدٌ قَدْ شَهِدَ الْعَرْضَةَ الْأَخِيرَةَ وَكَانَ يُقْرِئُ النَّاسَ بِهَا حَتَّى مَاتَ وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَهُ الصِّدِّيقُ فِي جَمْعِهِ وَوَلَّاهُ عُثْمَانُ كَتَبَةَ الْمُصْحَفِ
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ فِي الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ: جَمْعُ الْقُرْآنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا تَأْلِيفُ السُّوَرِ كَتَقْدِيمِ السَّبْعِ الطِّوَالِ وَتَعْقِيبِهَا بِالْمِئِينَ فَهَذَا الضَّرْبُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّتْهُ الصَّحَابَةُ وَأَمَّا الْجَمْعُ الْآخَرُ وَهُوَ جَمْعُ الْآيَاتِ فِي السُّوَرِ فَهُوَ تَوْقِيفِيٌّ تَوَلَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمَّاسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ الْحَدِيثَ قَالَ وَفِيهِ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ جَمْعَ الْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ جُمِعَ بَعْضُهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ
vol. 1, p. 238صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جُمِعَ بِحَضْرَةِ الصِّدِّيقِ وَالْجَمْعُ الثَّالِثُ وَهُوَ تَرْتِيبُ السُّوَرِ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيُّ فِي كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ مُحْدَثَةً فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِكِتَابَتِهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُفَرَّقًا فِي الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَإِنَّمَا أَمَرَ الصِّدِّيقُ بِنَسْخِهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مكان وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَوْرَاقٍ وُجِدَتْ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا الْقُرْآنُ مُنْتَشِرٌ فَجَمَعَهَا جَامِعٌ وَرَبَطَهَا بِخَيْطٍ حَتَّى لَا يَضِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ وَقَعَتِ الثِّقَةُ بِأَصْحَابِ الرِّقَاعِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ قِيلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُبْدُونَ عَنْ تَأْلِيفٍ مُعْجِزٍ وَنَظْمٍ مَعْرُوفٍ وَقَدْ شَاهَدُوا تِلَاوَتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرِينَ سَنَةً فَكَانَ تَزْوِيدُ مَا لَيْسَ مِنْهُ مَأْمُونًا وَإِنَّمَا كَانَ الْخَوْفُ من ذهاب شيء من صحيحه
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ يَفْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ قِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ أَمَّنَهُ مِنَ النِّسْيَانِ بِقَوْلِهِ: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ الله} أَنْ يُرْفَعَ حُكْمُهُ بِالنَّسْخِ فَحِينَ وَقَعَ الْخَوْفُ مِنْ نِسْيَانِ الْخَلْقِ حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فَأُحْدِثَ بِضَبْطِهِ مَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ
وَفِي قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَجَمَعْتُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ مَا أَوْهَمَ بَعْضَ النَّاسِ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدٌ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا أُوهِمَ وَإِنَّمَا طُلِبَ الْقُرْآنُ مُتَفَرِّقًا لِيُعَارَضَ بِالْمُجْتَمِعِ عِنْدَ مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ لِيَشْتَرِكَ الْجَمِيعُ فِي عِلْمِ مَا جمع
vol. 1, p. 239فَلَا يَغِيبُ عَنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ أَحَدٌ عِنْدَهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَرْتَابُ أَحَدٌ فِيمَا يُودَعُ المصحف ولا يشكو فِي أَنَّهُ جُمِعَ عَنْ مَلَأٍ مِنْهُمْ
فَأَمَّا قَوْلُهُ: وَجَدْتُ آخِرَ بَرَاءَةَ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَلَمْ أَجِدْهَا مَعَ غَيْرِهِ يَعْنِي مِمَّنْ كَانُوا فِي طَبَقَةِ خُزَيْمَةَ لَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ
وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَبِغَيْرِ شَكٍّ جَمَعُوا الْقُرْآنَ وَالدَّلَائِلُ عَلَيْهِ مُتَظَاهِرَةٌ قَالَ وَلِهَذَا الْمَعْنَى لم يجمعوا السنن في كتاب إذ لَمْ يُمْكِنُ ضَبْطُهَا كَمَا ضُبِطَ الْقُرْآنُ قَالَ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْمَصَاحِفَ التي كتب منها القرآن كانت عنده الصِّدِّيقِ لِتَكُونَ إِمَامًا وَلَمْ تُفَارِقِ الصِّدِّيقَ فِي حَيَاتِهِ وَلَا عُمَرَ أَيَّامَهُ ثُمَّ كَانَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ لَا تُمَكِّنُ مِنْهَا وَلَمَّا احْتِيجَ إِلَى جَمْعِ النَّاسِ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَيْهَا فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ فَأَخَذَ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَنَسَخَ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا إِلَى الْكُوفَةِ وَكَانَ النَّاسُ مَتْرُوكِينَ عَلَى قِرَاءَةِ مَا يَحْفَظُونَ مِنْ قِرَاءَتِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ حَتَّى خِيفَ الْفَسَادُ فَجُمِعُوا عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا قَالَ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ جَامِعَ الْقُرْآنِ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا حَمَلَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ عَلَى اخْتِيَارٍ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ شَهِدَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَمَّا خَشِيَ الْفِتْنَةَ عِنْدَ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ فِي حُرُوفِ الْقِرَاءَاتِ وَالْقُرْآنِ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَتِ الْمَصَاحِفُ بِوُجُوهٍ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الْمُطْلَقَاتِ عَلَى الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ الَّتِي أُنْزِلَ بِهَا الْقُرْآنُ فَأَمَّا السَّابِقُ إِلَى جَمْعِ الْجُمْلَةِ فَهُوَ الصِّدِّيقُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قال رحم الله أبا بكر هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ وَلَمْ يَحْتَجِ الصَّحَابَةُ فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَى جَمْعِهِ عَلَى وَجْهِ مَا جَمَعَهُ عُثْمَانُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ فِي أَيَّامِهِمَا مِنَ الْخِلَافِ فِيهِ مَا حَدَثَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَلَقَدْ وُفِّقَ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَرَفَعَ الِاخْتِلَافَ وَجَمَعَ الْكَلِمَةَ وأراح الأمة
- vol. 1, p. 240
وَأَمَّا تَعَلُّقُ الرَّوَافِضِ بِأَنَّ عُثْمَانَ أَحْرَقَ الْمَصَاحِفَ فَإِنَّهُ جَهْلٌ مِنْهُمْ وَعَمًى فَإِنَّ هَذَا مِنْ فَضَائِلِهِ وَعِلْمِهِ فَإِنَّهُ أَصْلَحَ وَلَمَّ الشَّعَثَ وَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَلَوْ تَرَكَهُ لَعَصَى لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيعِ وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ
وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ سَبَقَ إِلَى ذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ أَنَّهُ كُتِبَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَأَنَّهُ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ جَمَعَهُ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ
قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ أَحْرَقَ الْمَصَاحِفَ فَإِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ وَلَوْ ثَبَتَ لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَحْرَقَ مَصَاحِفَ قَدْ أُودِعَتْ مَا لَا يُحِلُّ قِرَاءَتُهُ
وَفِي الْجُمْلَةِ إِنَّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ غَيْرُ مُعَانِدٍ وَلَا طَاعِنٍ فِي التَّنْزِيلِ وَلَمْ يَحْرِقْ إِلَّا مَا يَجِبُ إِحْرَاقُهُ وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ ذَلِكَ بَلْ رَضُوهُ وَعَدُّوهُ مِنْ مَنَاقِبِهِ حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ لَوْ وَلِيتُ مَا وَلِيَ عُثْمَانُ لَعَمِلْتُ بِالْمَصَاحِفِ مَا عَمِلَ انْتَهَى ملخصا
فائدة: في عدد مصاحف عثمان
قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَالدَّانِيُّ فِي الْمُقْنِعِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا كَتَبَ الْمَصَاحِفَ جَعَلَهُ عَلَى أَرْبَعِ نُسَخٍ وَبَعَثَ إِلَى كُلِّ نَاحِيَةٍ وَاحِدًا الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَتَرَكَ وَاحِدًا عِنْدَهُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ جَعَلَهُ سَبْعَ نُسَخٍ وَزَادَ إِلَى مَكَّةَ وَإِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الْبَحْرَيْنِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ
vol. 1, p. 241فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ حِفْظًا مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَفِظَهُ فِي حَيَاتِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكُلُّ قِطْعَةٍ مِنْهُ كَانَ يَحْفَظُهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ أَقَلُّهُمْ بَالِغُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ وَجَاءَ في ذلك أخبار ثابتة في الترمذي والمستدرك وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَهَ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومعاذ بن جبل وزيد ابن ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ ثُمَّ أَسْنَدَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدٌ وَأَبُو زَيْدٍ وَاخْتَلَفُوا فِي رَجُلَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَعُثْمَانُ وَقِيلَ عُثْمَانُ وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ جَمَعَهُ سِتَّةٌ أُبَيٌّ وَزَيْدٌ وَمُعَاذٌ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَأَبُو زَيْدٍ وَمُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ قَدْ أَخَذَهُ إِلَّا سُورَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَالَ وَلَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ غَيْرَ عُثْمَانَ
vol. 1, p. 242قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ وَقَدْ أَشْبَعَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ فِي كِتَابِ الِانْتِصَارِ الْكَلَامَ فِي حَمَلَةِ الْقُرْآنِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَامَ الْأَدِلَّةَ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا أَضْعَافَ هَذِهِ الْعُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ خِلَافَ ذَلِكَ وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ كَثْرَةُ الْقُرَّاءِ الْمَقْتُولِينَ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ قُتِلَ سَبْعُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ كَانُوا يُسَمَّوْنَ الْقُرَّاءَ ثُمَّ أَوَّلَ الْقَاضِي الْأَحَادِيثَ السَّابِقَةَ بِوُجُوهٍ مِنْهَا اضْطِرَابُهَا وَبَيَّنَ وَجْهَ الِاضْطِرَابِ فِي الْعَدَدِ وَإِنْ خُرِّجَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهَا بِتَقْرِيرِ سَلَامَتِهَا فَالْمَعْنَى لَمْ يَجْمَعْهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَوْجُهِ وَالْأَحْرُفِ وَالْقِرَاءَاتِ الَّتِي نَزَلَ به إلا أولئك النفر ومنه أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ مَا نُسِخَ مِنْهُ وَأُزِيلُ رَسْمُهُ بَعْدَ تِلَاوَتِهِ مَعَ مَا ثَبَتَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ فَرْضُ حِفْظِهِ وَتِلَاوَتِهِ إِلَّا تِلْكَ الْجَمَاعَةُ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ جَمِيعَ الْقُرْآنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ مِنْ فِيهِ تَلَقِّيًا غَيْرُ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ وَغَيْرُ ذلك.
-
قال الماوردي: وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهُ سِوَى أَرْبَعَةٍ وَالصَّحَابَةُ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْبِلَادِ وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهُ سِوَى أَرْبَعَةٍ فَقَدْ حَفِظَ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ مِئُونَ لَا يُحْصَوْنَ
قَالَ الشَّيْخُ: وَقَدْ سَمَّى الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ الْقُرَّاءَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ لَهُ فَسَمَّى عَدَدًا كَثِيرًا
قُلْتُ وَذَكَرَ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ الْقُرَّاءِ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَأَنَّ هَذَا الْعَدَدَ هُمُ الَّذِينَ عَرَضُوهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّصَلَتْ بِنَا أَسَانِيدُهُمْ وَأَمَّا مَنْ جَمَعَهُ مِنْهُمْ وَلَمْ يَتَّصِلْ بِنَا فَكَثِيرٌ فَقَالَ ذِكْرُ الَّذِينَ عَرَضُوا عَلَى النَّبِيِّ
vol. 1, p. 243صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ وَهُمْ سَبْعَةٌ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ إِلَّا عُثْمَانُ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الشَّعْبِيِّ قَوْلَهُ بِأَنَّ عَاصِمًا قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ أَقْرَأُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ قَالَ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ
قَالَ: وَقَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ غَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي زَيْدٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَلَكِنْ لَمْ تَتَّصِلْ بِنَا قِرَاءَتُهُمْ قَالَ وَقَرَأَ عَلَى أُبَيٍّ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بن السائب