النوع الثلاثون: في أنه هل يجوز في التصانيف والرسائل والخطب استعمال بعض آيات القرآن
7 paragraphs · vol. 1, p. 481
- vol. 1, p. 481
وَهَلْ يُقْتَبَسُ مِنْهُ فِي شِعْرٍ وَيُغَيَّرُ نَظْمُهُ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَحَرَكَةِ إِعْرَابٍ
جَوَّزَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ وَسُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فَقَالَ وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وجهت وجهي" والتلاوة {إني وجهت وجهي}
-
وَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابٍ إِلَى هِرَقْلَ: "سلام على من اتبع الهدى: " {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء} "
-
وَمِنْ دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً "
-
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لِابْنِ عُمَرَ: " قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ "
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "اللَّهُمَّ فَالِقَ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانَا اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ"
- vol. 1, p. 482
وفى سياق كلام لأبي بكر: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} فَقَصَدَ الْكَلَامَ وَلَمْ يَقْصِدِ التِّلَاوَةَ
وَقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي مُبَايِعٌ صَاحِبَكُمْ: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}
-
وَقَوْلُ الْخَطِيبِ ابْنِ نُبَاتَةَ: هُنَاكَ يُرْفَعُ الْحِجَابُ وَيُوضَعُ الْكِتَابُ وَيُجْمَعُ مَنْ لَهُ الثَّوَابُ وَحُقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا قال: {خذ الكتاب بقوة} وَهُوَ جُنُبٌ وَقَصَدَ غَيْرَ الْقُرْآنِ جَازَ لَهُ وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هذا وما كنا له مقرنين}
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِذَا قَصَدَ الْقُرْآنَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ عَصَى وَإِنْ قَصَدَ الذِّكْرَ وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا لَمْ يَعْصِ
وَلِلطُّرْطُوشِيِّ:
رَحَلَ الظَّاعِنُونَ عَنْكَ وَأَبْقَوْا
فِي حَوَاشِي الْأَحْشَاءِ وَجْدًا مُقِيمًا
قَدْ وَجَدْنَا السَّلَامَ بَرْدًا سَلَامًا
إِذْ وَجَدْنَا النَّوَى عَذَابًا أَلِيمًا
وَثَبَتَ عَنِ الشَّافِعِيِّ:
vol. 1, p. 483أَنِلْنِي بِالَّذِي اسْتَقْرَضْتَ خَطًّا
وَأَشْهِدْ مَعْشَرًا قَدْ شَاهَدُوهُ
فَإِنَّ اللَّهَ خَلَّاقُ الْبَرَايَا
عَنَتْ لِجَلَالِ هَيْبَتِهِ الْوُجُوهُ
يَقُولُ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدِينٍ
إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ أَنَّ تَضْمِينَ الْقُرْآنِ فِي الشِّعْرِ مَكْرُوهٌ وَأَئِمَّةُ الْبَيَانِ جَوَّزُوهُ وَجَعَلُوهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ وَسَمَّاهُ الْقُدَمَاءُ تَضْمِينًا وَالْمُتَأَخِّرُونَ اقْتِبَاسًا وَسَمَّوْا مَا كَانَ مِنْ شِعْرٍ تَضْمِينًا
مَسْأَلَةٌ:
يُكْرَهُ ضَرْبُ الأمثال بالقرآن
يُكْرَهُ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ بِالْقُرْآنِ نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْعِمَادُ النِّيهِيُّ صَاحِبُ الْبَغَوِيِّ كَمَا وَجَدْتُهُ فِي رِحْلَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِخَطِّهِ.
-
وَفَى كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ لِأَبِي عُبَيْدٍ عَنِ النَّخَعِيِّ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَتْلُوَ الْآيَةَ عِنْدَ شَيْءٍ يَعْرِضُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا.
قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يُرِيدُ لِقَاءَ صَاحِبِهِ أَوْ يَهُمُّ بِحَاجَتِهِ فَيَأْتِيهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ فَيَقُولُ كَالْمَازِحِ: {جئت على قدر يا موسى} فَهَذَا مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِالْقُرْآنِ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ لَا تُنَاظِرْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا بِسُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ لَا تَجْعَلْ لَهُمَا نَظِيرًا مِنَ الْقَوْلِ وَلَا الْفِعْلِ
vol. 1, p. 484تنبيه
لا يجوز تعدي أمثلة القرآن
لَا يَجُوزُ تَعَدِّي أَمْثِلَةِ الْقُرْآنِ وَلِذَلِكَ أُنْكِرَ عَلَى الْحَرِيرِيِّ فِي قَوْلِهِ فِي مَقَامَتِهِ الْخَامِسَةَ عشرة فأدخلني بيتا أحرج من التابوت وأوهى مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ فَأَيُّ مَعْنًى أَبْلَغُ مِنْ مَعْنًى أَكَّدَهُ اللَّهُ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ حَيْثُ قال {وإن أوهن البيوت لبيت الْعَنْكَبُوتِ} فَأَدْخَلَ إِنَّ وَبَنَى أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ وَبَنَاهُ مِنَ الْوَهْنِ وَأَضَافَهُ إِلَى الْجَمْعِ وَعَرَّفَ الْجَمْعَ بِاللَّامِ وَأَتَى فِي خَبَرِ إِنَّ بِاللَّامِ وَقَدْ قال تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا} وَكَانَ اللَّائِقُ بِالْحَرِيرِيِّ أَلَّا يَتَجَاوَزَ هَذِهِ الْمُبَالَغَةَ وَمَا بَعْدَ تَمْثِيلِ اللَّهِ تَمْثِيلٌ وَقَوْلُ اللَّهِ أَقْوَمُ قِيلٍ وَأَوْضَحُ سَبِيلٍ وَلَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مثلا ما بعوضة} وَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثَالًا لِمَا دُونَ ذَلِكَ فَقَالَ: "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ " وَكَذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
وَلَوْ أَنَّ مَا بِي مِنْ جَوًى وَصَبَابَةٍ
عَلَى جَمَلٍ لَمْ يَبْقَ فِي النَّارِ خَالِدُ
غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سم الخياط} فَقَدْ جَعَلَ وُلُوجَ الْجَمَلِ فِي السَّمِّ غَايَةً لِنَفْيِ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ وَتِلْكَ غَايَةٌ لَا تُوجَدُ فَلَا يَزَالُ دُخُولُهُمُ الْجَنَّةَ مَنْفِيًّا وَهَذَا الشَّاعِرُ وَصَفَ جِسْمَهُ بِالنُّحُولِ بِمَا يُنَاقِضُ الْآيَةَ وَمِنْ هذا
vol. 1, p. 485جَرَتْ مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ سُرَيْجٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ لَهُ أَنْتَ تَقُولُ بِالظَّاهِرِ وَتُنْكِرُ الْقِيَاسَ فَمَا تَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مثقال ذرة شرا يره} من يَعْمَلْ مِثْقَالَ نِصْفِ ذَرَّةٍ مَا حُكْمُهُ؟ فَسَكَتَ مُحَمَّدٌ طَوِيلًا وَقَالَ أَبْلِعْنِي رِيقِي قَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ قَدْ أَبْلَعْتُكَ دِجْلَةَ قَالَ أَنْظِرْنِي سَاعَةً قَالَ أَنْظَرْتُكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَافْتَرَقَا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا غَيْرُ ذَلِكَ
وَقَالَ: بَعْضُهُمْ وَهَذَا مِنْ مُغَالَطَاتِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَعَدَمِ تَصَوُّرِ ابْنِ دَاوُدَ لِأَنَّ الذَّرَّةَ لَيْسَ لَهَا أَبْعَاضٌ فَتُمَثَّلَ بِالنِّصْفِ وَالرُّبُعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْزَاءِ وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مثقال ذرة} فذكر سبحانه مالا يُتَخَيَّلُ فِي الْوَهْمِ أَجْزَاؤُهُ وَلَا يُدْرَكُ تَفَرُّقُهُ