فصل في ما وإلا
43 paragraphs · vol. 1, p. 337
Page 2 of 2
- بيان آخر في "ما" و "إلا" :
-
٤١٦ - إعلمْ أنَّ الذي ذكَرْناه من أنَّك تقولُ: "ما ضرَبَ إلا عمروٌ زيداً" ، فتُوقِعُ الفاعلَ والمفعولَ جميعاً بعْد "إِلاّ" ١، ليس بأكثَرِ الكلام، وإِنَّما الأكثرُ أنْ تُقدِّم المفعولَ على "إِلاَّ" ، نحوُ: "ما ضرَبَ زيداً إلاَّ عمرو" ، حتى إنَّهم ذهَبوا فيه أعني في قولكَ: "ما ضرَبَ إلاّ عمرو زيداً" إِلى أنَّه على كلامَيْن، وأنَّ "زيداً" منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ، حتى كأن المتكلِّمَ بذلكَ أيهم في أوَّلِ أمرِهِ فقال: ما ضرَبَ إلاَّ عمروٌ " ثم قيلَ له: " مَنْ ضَرَبَ؟ " فقال: " ضرَبَ زيداً ".
-
٤١٧ - وههنا، إِذا تأملْتَ، معنىً لطيفٌ يُوجِبُ ذلكَ، وهو أَنَّك إذا قلتَ: "ما ضَرَبَ زيداً إلاّ عمرو "، كان غرضُك أن تَختَصَّ " عَمْراً " " بضربِ " " زَيْدٍ "، لا بالطرب على الإِطلاق. وإذا كانَ كذلِكَ، وجَبَ أَن تُعَدِّيَ الفعلَ إِلى المفعولِ مِن قَبْل أنْ تذكُر " عَمراً " الذي هو الفاعلُ، لأنَّ السامعَ لا يَعْقِلُ عنكَ أَنَّكَ اختصصْتَه بالفعلِ معدًّى حتى تكونَ قد بدأتَ فعدَّيْتَه أعني لا يَفهم عنكَ أنك أردتَ أَنْ تختصَّ " عَمراً " بضربِ " زيدٍ "، حتى تذكرَه له مُعَدًّى إِلى " زيدٍ "، فأمَّا إِذا ذكَرْتَه غيرَ معدى فقلتَ: " ما ضَرَبَ إلا عمروٌ "، فإنَّ الذي يَقعُ في نفسِه أنَّك أردتَ أنْ تزعُمَ أنه لم يَكُنْ مِن أحدٍ غير " عمرو" ضرب، وأنه ليس ههنا مضْروبٌ إلاَّ وضارِبُه عمرو، فاعرفه أصلاً في شأن التقديم والتأخير.