القسم الثاني: من الموازنة بين الشعرين والإجادة فيهما من الجانبين

77 paragraphs · vol. 1, p. 500

Page 2 of 2

  1. مع قول المتنبي:
  2. لنا ولأَهْلِهِ أبَداً قُلوبٌ ... تلاَقى في جسومٍ ما تلاقى

  3. وقول أبي هفان:
  4. أصبحَ الدهرُ مُسيئاً كلُّهُ ... مالَهُ إلاَّ ابنَ يَحْيى حَسَنهْ

  5. مع قولِ المتنبي:
  6. أزالتْ بِكَ الأيامُ عَتْبي كأنما ... بَنُوها لَها ذَنْبٌ وأنتَ لَها عذْرُ

  7. وقولُ علي بنِ جبلة:
  8. وأَرى الليالي ما طوَتْ مِنْ قُوَّتي ... رَدَّته في عِظتي وفي إِفهامي١

  9. مع قولِ ابن المعتز:
  10. وما يُنتقَصْ من شَبابِ الرِّجال ... يَزِدْ في نهاها وألبابها٢

  11. وقول بكر بن النطاح:
  12. ولوْ لم يكنْ في كفِّهِ غيرُ روحِهِ ... لجَاد بِها فلْيتَّقِ اللهَ سائِلُهْ١

  13. مع قول المتنبي:
  14. إِنكَ مِنْ مَعْشَرٍ إِذا وَهَبوا ... ما دُونَ أعمارهم فقد بخلوا

  15. وقول البحتري:
  16. ومن ذاا يلومُ البحرَ أَنْ باتَ زاخراً ... يفيضُ وصوبَ المزْنِ أَنْ راحَ يَهْطِلُ

  17. مع قولِ المتنبي:
  18. وما ثَناكَ كلامُ الناسِ عَنْ كَرَمٍ ... ومَنْ يسد طريق العارض الهطل

  19. وقول الكندي:
  20. عَزُّوا وعَزَّ بِعزِّهمْ مَنْ جَاوَرُوا ... فهُمُ الذُّرى وجماجم الهامات

    إن يطلبوا بتتراتهم يُعطَوا بها ... أو يُطلَبوا لا يُدْرَكوا بتِراتِ٢

  21. مع قول المتنبي:
  22. تُفيتُ الليالي كلَّ شيءٍ أخذْتَه ... وهنَّ لِمَا يأخذن منك غوارم

  23. وقول أبي تمام:
  24. إذا سيفه أضحى على اللهام حاكِماً ... غَدا العَفْوُ منهُ وهْوَ في السيفِ حاكم

  25. مع قول المتنبي:
  26. لهُ مِنْ كَريمِ الطَّبْع في الحرْبِ مُنْتَضٍ ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد

    vol. 1, p. 507٥٧٥ - فانظُرِ الآنَ نظرَ مَنْ نَفَى الغفْلةَ عن نفسِه، فإنكَ ترَى عِياناً أنَّ لِلْمعنى في كل واجد من البيتِ الآخَر وأنَّ العلماءَ لم يُريدوا حيثُ قالوا: "إنَّ المعنى في هذا هو المعنى في ذاك" ، أن الذي يعقل من هذا لا يخالف الذي يعقل مِن ذاك وأنَّ المعنى عائدٌ عليكَ في البيتِ الثاني على هيئَتهِ وصِفَتهِ التي كانَ عليها في البيتِ الأول وأنْ لا فرْقَ ولا فصل ولا تباني بوجهٍ من الوجوه وإنَّ حكْم البيتينِ مثَلاً حكْمُ الاسمينِ قد وُضِعا في اللغة لشيءٍ واحدٍ، كالليثِ والأَسد١ ولكنْ قالوا ذلك على حَسَبِ ما يقولُه العُقَلاء في الشيئينِ يَجْمَعهما جنسٌ واحدٌ، ثم يفترقانِ بخواصَّ ومَزايا وصفاتٍ، كالخاتم والخاتَم، والشَّنْف والشَّنْف، والسِّوارِ والسوار، وسائرِ أصنافِ الحِلَى التي يَجْمعها جنسٌ واحدٌ، ثم يكونُ بينهما الاختلافُ الشديدُ في الصَّنْعة والعَمَل.

  27. ٥٧٦ - ومَنْ هذا الذي يَنظُر إِلى بيتِ الخارجِي وبيتِ أبي تمام٢، فلا يَعْلَمُ أنَّ صورةَ المعنى في ذلك غيرُ صورتِه في هذا؟ كيفَ، والخارجيُّ يقول:

    "واحتجَّتْ له فَعْلاتُه"

  28. ويقولُ أبو تمام:

    إذن لَهجاني عنْه مَعْروفُه عندي

    ومتى كان "احتجَّ" و "هجا" واحدًا في المعنى؟

  29. وكذلك الحكْمُ في جميع ما ذكرْناه، فليسَ يُتَصوَّرُ في نفسِ عاقلِ أنْ يكونَ قولُ البحتري:

    وأَحَبُّ آفاقِ البلادِ إِلى الفَتى ... أرضٌ يَنالُ بها كَريمَ المَطْلَبِ

    وقولُ المتنبي:

    وكلُّ مكانٍ يُنبِتُ العزَّ طيِّبُ١

    سواءً

    ٥٧٧ - واعلمْ أنَّ قولَنا "الصورةُ" ، إِنما هو تمثيلٌ وقياسٌ لما نَعْلَمه بعقولنا على الذي نرَاه بأبصارنا، فلما رأَينْا البَيْنونة بين آحادِ الأجناسِ تكونُ مِنْ جِهةَ الصورةِ، فكان تبين إنسانٍ مِنْ أنسانٍ وفرَسٍ من فرسٍ٢، بخصوصيةٍ تكونُ في صورةِ هذا لا تكونُ في صورةِ ذاك، وكذلك كان الأمرُ في المصنوعاتِ، فكانَ تَبَيُّنُ خاتَمٍ من خاتمٍ وسِوَارٍ من سِوَارٍ بذلك، ثم وجَدْنا بينَ المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونةً في عقولِنا وفَرْقاً٣، عَبَّرْنا عن ذلك الفرقِ وتلكَ البينونةِ بأَنْ قلْنا: "لِلمعنى فيِ هذا صورةٌ غيرُ صورتهِ في ذلك" . وليس العبارة من ذلك بالصورةِ شيئاً نحن ابتدأناه فيُنْكِرَهُ مُنْكِرٌ، بل هو مُستعمَلُ مشهورٌ في كلام العلماءِ، ويكفيك قول الجاحظ: "وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير" ٤.

    vol. 1, p. 508
  30. ٥٧٨ - واعلمْ أنه لو كانَ المعنى في أَحدِ البيتين يكونُ على هيئتِه وصِفَته في البيتِ الآخَر، وكانَ التالي من الشاعِرَيْن يَجيئُك به مُعَاداً على وجهه لم يُحدِثْ فيه شيئاً، ولم يُغيِّر له صِفةً، لكان قولُ العلماءِ في شاعرٍ: "إِنه أَخَذَ المعنى مِنْ صاحِبِه فأحْسَنَ وأجادَ" ، وفي آخَرَ "إِنه أسَاءَ وقصَّر" ، لغوْاً من القولِ، من حيثُ كان مُحالاً يُحْسِنَ أو يسيءَ في شيءٍ لا يَصْنع به شيئاً.

    vol. 1, p. 509
  31. وكذلك كانَ يكونُ جَعْلُهم البيتَ نظيراً للبيتِ ومناسِباً له، خطأً منهم، لأنه مُحال أن يُناسِبَ الشيءُ نفسَه، وأن يكونَ نَظيراً لنفسِه.

  32. وأمرٌ ثالث: وهو أنهم يقولون في واحد: "إنه أخذ المعنى فظر أَخْذُه" ، وفي آخر: "إِنه أَخذَه فأخفَى أخْذَه" ، ولو كان المعنى يكونُ مُعاداً على صورتِه وهيئتِه، وكانَ الأَخْذ له مِنْ صاحِبه لا يَصْنع شيئاً غيرَ أن يُبدِّل لفظاً مكانِ لفظٍ، لكان الإخفاءُ فيه مُحالاً، لأن اللفظ لا يُخْفى المعنى، وإنما يُخْفيه إخراجُه في صورةٍ غيرِ التي كانَ عليها.

  33. ٥٧٩ - مثالُ ذلك إن القاضي أبا الحَسَن١، ذكَر فيما ذكرَ فيه "تناسب المعاني" ، بيت أبي نواس:

    خُلِّيَتْ والحُسْنَ تَأخذُهُ ... تَنْتقي منهُ وتَنْتخِبُ٢

  34. وبيتَ عبدِ الله بن مصعب:
  35. كأنَّك جئتَ محتكِماً عليهمْ ... تَخيَّرُ في الأبوَّةِ ما تشاء

  36. وذكر أنهما معًا من بيت بشار:
  37. خُلِقتُ على ما فيَّ غيرَ مُخَيَّرٍ ... هوايَ، ولو خُيِّرْتُ كنتُ المهذَّبا

    والأمرُ في تناسب هذه الثلاثةِ ظاهرٌ. ثم إنه ذكَرَ أنَّ أبا تمام قد تناوله فأخفاه وقال:

    فلَوْ صوَّرْتَ نفسَك لم تَزِدْها ... على ما فيكَ من كَرمِ الطِّباعِ

    ٥٨٠ - ومن العجَب في ذلك ما تراه إِذا أنتَ تأملْتَ قولَ أبي العتاهية:

    جزى البخيل على صالحة ... غنى بخفته على ظَهْري

    أَعلى وأَكْرمَ عن يَدَيْهِ يَدي ... فَعلَتْ، ونزَّه قدْرُه قدْري

    وُرزِقتُ مِن جَدْواهُ عافيةً ... أنْ لا يَضيقَ بشكْرهِ صَدْري

    وغَنِيتُ خلوًا من تفضله ... أحنوا عليه بأحسن العذر

    ما فاتني خير امرئ وَضَعتْ ... عَنّي يَداهُ مؤونةَ الشكْرِ١

    ثم نظرتَ إلى قول الذي يقول:

    أعتقني سوء ما صنعت من الرق ... فيا برْدَها على كَبِدي

    فصرتُ عَبْداً للسُّوءِ منك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد٢